منصور بوشناف
في الجنوب الليبي ظلت الحياة تتدفق رطباً وماءً وموسيقى، فعلى الرغم من زفير الرمال الحار ظلت الواحة وريث العصر الليبي المطير، وغابة من النخل ومن الموسيقى، ظلت عراجين البلح تتدلى راقصة، ظلت قطوفها دانية، ظلت تفيض خيرا على ملح الشمال وشح الوسط.
واحة الجنوب ظلت مصدر طعام وفنون وثقافة منذ غابرات العصور وحتى اليوم، كانت ملجأ الليبيين هربا من جيوش الغزاة طلبا للحماية والنجاة وكانت مخزن طعامهم الذي لا ينضب ولا تجف ينابيعه.
كانت ثقافة القطاف وثقافة الرعي ثم ثقافة الزراعة قد نشأت وتطورت عبر آلاف السنين في تلك الواحات، وكان الاستقرار والاستيطان باقتصادها وإدارة حكمائها ومواردها الطبيعية من ماء ونخل وحيوانات داجنة وبرية قادرة على البقاء والصمود والحفاظ على الحياة.
الواحة الفزانية بحضاراتها المتعاقبة كانت قادرة على الانكماش والانغلاق على نفسها، كانت قادرة على الكمون حيةً كبذرة تحت التراب، وكقادوس تجري عبره الحياة تحت الرمل والعطش ليعلو نخله ويطرح تمره في اللحظة المناسبة، ظل عرجون البلح يتدلى من أمهاته، يشب حتى السماء، وينحني حتى الرمل، وظلت موسيقى الواحة تتدفق عبر قواديس ومسارب الصحراء، عبر شح الوسط وملح الشمال.
هل تعرفون أن الواحة الفزانية كانت دائما الرحم والأم الراعية والمعلمة لكل هذا «الوجود الليبي» القلق والمتوتر، كانت مخلاة مقاتله ضد الغزاة، مخلاة زاده ورصاصه ومخبأه الآمن والسري لحظات الهزيمة.
كان المقاتل الليبي وعبر التاريخ وعند الهزيمة يفر كطفل مذعور إلى حضن أمه، إلى حضن الواحة الجنوبية، كانت الواحة حضن الأم لسيف النصر وثوراته ولثورات السنوسيين ولغومة المحمودي بالضبط كما كانت لتكفريناس وكاباون من قبل.
في الواحة يخبئ الليبيون «صندوق ميراثهم» صندوق الجدود المتوارث الذي تحرص الواحة الأم على ألا تفتحه إلا لأبنائها القادرين على حمل أمانة الصندوق، صندوق الخرائط والمعارف والأسرار، صندوق الكفرة وغدامس والجفرة وغات وأوجلة وزويله وحتى تمبكتو، تلك المعارف والحجج التي لم تستطع طابوهات الترك ولا وثائق الطليان أن تنفي وجودها، ولم تستطع مخطوطات الخليج أن تطفئ مشاعل صوفيتها النيرة العطرة، فعرجون بلحها ما زال يشب إلى السماء وينحني ساجدا على التراب.
في هون مثلا ومن «الحويلة» وحتى هون اليوم ينحني العرجون على الرمل ويشب رافعا عقيرته بالغناء حتى السماء وفي أوجلة تضرب نخلة التاريخ بجذورها منذ نبع «آمون» وحتى صوفية السنوسيين المقاومة وفي زويلة وودان، من «الزيغن» وعلى السرايا الحمراء يتساقط رطب الحكمة جنيا من «سيدي قنانة».
في مرزق ودولة أولاد امحمد في جرمة وخلود أهرامات الحطية، يمتلئ صندوق الليبيين بإرث ثري تحفظه الواحة، ملاذ ليبيا التاريخي ومخزن مستقبلها.
شح هذا الوسط المتوتر وملح هذا الشمال الفائض بالغرور والغطرسة، لا دواء لأمراضه ولا ضمان لشفائه ولا مستقبل لاقتصاده وثقافته وفنونه وحتى تدينه إلا بعراجين واحات الجنوب.
