التحقيقات واللقاءات

عبدالقادر سعيد: الرواية الكردية قادرة على المنافسة في المحافل الدولية

في هذا الحوار ينطلق الروائيّ الكرديّ العراقيّ عبدالقادر سعيد من تجربته الروائية ليكشف عن تصور سردي يضع الإنسان الكردي في قلب زمن مثقل بالعنف والتحولات الحادة، ويتعامل مع الرواية كفضاء تفكير عميق في الذاكرة، والتاريخ، والمنفى، واللغة. الأسئلة تتجه مباشرة إلى جوهر المشروع الروائي، وتبحث في كيفية تحوّل التجربة الجماعية القاسية إلى بناء فني قادر على مساءلة العالم، وفتح أفق إنساني يتجاوز الحدود الضيقة للجغرافيا والانتماء.

يأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة الحوارات التي يقدّمها موقع الرواية نت مع كتّاب يشتغلون على تخوم السرد والفكر، ويعيدون طرح سؤال وظيفة الرواية في مواجهة الوقائع القاسية، وفي تفكيك العلاقة الملتبسة بين التاريخ الرسمي والنص الأدبي. 

يضيء عبدالقادر سعيد في إجاباته، اشتغاله الطويل على الذاكرة كطاقة تأسيس للسرد، وعلى المخيلة كوسيلة لإعادة تركيب الواقع، وعلى اللغة المكثفة الهادئة كخيار جمالي يوازن بين عمق الفكرة ووضوح التعبير.

يتوقف الحوار عند محطات مركزية في تجربته، من حلبجة والأنفال إلى الحرب العراقية الإيرانية والمنفى، حيث تتحول الوقائع التاريخية إلى تجارب وجودية تنعكس على بنية السرد وعلى مصائر الشخصيات. كما يناقش أثر الكتابة بالكردية، ومسألة الترجمة إلى العربية، ودور التلاقح الثقافي في توسيع أفق التلقي، إلى جانب سؤال العالمية وقدرة الرواية الكردية على الحضور في المحافل الأدبية الدولية.

يفتح هذا الحوار مساحة قراءة لمشروع روائي يسعى إلى إعادة التفكير بالمأساة من داخل الفن، وإلى بناء سرد يعيد الاعتبار للإنسان، ويقارب الألم بوصفه معرفة، والكتابة بوصفها مسؤولية أخلاقية وثقافية في زمن التحولات السياسية والرقمية المتسارعة.

تنشغل رواياتكم بصورة الإنسان الكردي في زمن العنف والتحولات الكبرى؛ كيف توازنون بين البعد الإنساني العام والخصوصية الكردية في مشروعكم الروائي؟

 تتجاوز القضية الكردية بأبعادها الإنسانية حدود الجغرافيا، لتتصل بالفهم الكوني للإنسان المعاصر. ثمة الآن إدراكٌ أعمق لماضي الكرد في أجزاء وطنهم المستلب، وهذا الإدراك الجديد ينسحب بالضرورة على الرواية، سواء كُتبت بقلم كردي أو غير كردي. لقد أيقنتُ أننا بحاجة ماسة إلى رؤىً متجددة لنكشف عن ذواتنا، وعن أدبنا، وتصوراتنا السياسية والاجتماعية. إن خصوصية الكرد، كوطن وقضايا مصيرية، باتت اليوم متمازجة مع الفضاء العالمي؛ لذا أستطيع القول إن “عولمة الرواية” بحد ذاتها مرتبطة بخصوصية الكائن الكردي ومنجزه الأدبي.

في أعمالكم حضور واضح للذاكرة بوصفها عنصراً بنيوياً في السرد، لا مجرد استدعاء للماضيكيف ترون وظيفة الذاكرة داخل النص الروائي؟ 

كل سردٍ هو صرحٌ متعدد الأقطاب، قطبه الأساس هو التمعن في الماضي بغية تشييد صرح الحاضر. “الذاكرة” هي جذر التفكير، وهي الدرجة الأولى في سلم الإبداع. إن التفكير العميق يتطلب مخيلة ابتكارية تستمد وقودها من ذكريات الكاتب، ولاسيما تلك الذكريات المنبثقة من طفولته البعيدة.

كثيراً ما تبدو شخصياتكم واقفة على تخوم الهزيمة أو الانكسار؛ هل ترون الرواية فضاءً لتوثيق الألم أم لإعادة تأويله جمالياً؟

ج – الأدب هو “حرب”، صراعٌ مستميت بين الجمال وكل ما عداه. والبحث عن الجمال يتطلب تضحياتٍ جساماً؛ فأحياناً يكون الألم هو الثمرة المرة لهذا الصراع الذي يخوضه الكاتب. الألم، بمعناه الإبداعي، هو اكتشاف لتلك العقدة المستعصية التي يعجز الإنسان العادي عن حلها. النص الناجح هو الذي يجترح اكتشافات جديدة توازي حجم ذلك الألم. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين النص العابر والنص الذي يزلزل الوجدان بجمالياته وأطروحاته الفكرية.

تتناول روايات مثل البنادق الصدئة وحلبجة ورائحة التفاح الحرب لا بوصفها حدثاً، إنّما تجربة وجوديةكيف أثرت التجارب التاريخية القاسية على رؤيتكم للسرد؟

لقد سُطّر التاريخ البشري بالحديد والنار، ولعل مقولة كارل ماركس الشهيرة هذه تجد مصداقيتها الكاملة لدى شعبٍ رزح تحت نير الاضطهاد، وسُلبت حقوقه، وحُظر عليه لسانُه وثقافتُه. إن مأساة “حلبجة” هزت ضمير العالم، فكيف لا تهز وجدان الكاتب والقارئ الكردي؟ وكذلك الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، وخلّفت كوارث إنسانية شغلت العالم؛ فلا يمكن لهذا الظلم الصارخ ألا يترك أثراً في روح الكاتب الكردي. تجسد هذا الألم في روايتي “حلبجة ورائحة التفاح”، وصار سدماً من الأوجاع في رواية “البنادق الصدئة”. الأهم من ذلك، أن تلك الحرب دمرت القرى والمدن وفتكت بالروابط الاجتماعية، وما زالت آثارها بعد ٤٤ عاماً تتجلى بوضوح، واضعةً بلادنا أمام احتمالات أكثر قسوة.

كيف تتعاملون مع الكتابة عن المآسي الجماعية، مثل حلبجة، دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب التقريري؟

تكمن بلاغة الرواية في صياغتها الفنية؛ فالخروج عن الواقع هو في جوهره تمردٌ على القوالب الجاهزة واجترار الماضي. المخيلة المبدعة هي تلك التي تجعل من الواقع المباشر مجرد “ظل”، بينما يكون المتن المتخيّل هو الجسد الحي الذي يتجاوز الواقع. إن كوارث الأنفال، وحلبجة، والهجرة المليونية، والمقابر الجماعية، هي حقائق سياسية واجتماعية خام، لكن العمل الأدبي يتخذ منها نوافذ ليمنح القارئ، إلى جانب التأثر، لذةً في التلقي، ومشاركةً في وعيٍ جديد، وإعادة كتابة للتاريخ بأسلوبٍ يعجز المؤرخون عن إدراكه.

المنفى، في رواياتكم، لا يبدو جغرافياً فقط بل نفسياً ووجودياًإلى أي مدى شكّل المنفى أفقاً سردياً في تجربتكم؟

يمثل “المنفى” أو المغترب أدباً قائماً بذاته في فهم الوطن والآخر. في سنوات عيشي في ألمانيا، كنتُ أحيا بجسدي هناك، أما روحي فكانت “كوجرياً” (رحالةً) لا تهدأ. وحين عدتُ إلى كوردستان، وجدتُ نفسي في الحالة ذاتها؛ جسدي هنا، وروحي تعيش غربةً موحشة. أشعر أن وطني الذي قدمتُ لأجله أغلى التضحيات قد سُرق أو ضاع. أبحث اليوم عن “وطن” يكون فيه الإنسان حراً، وكرامته مصونة. هذا الإحساس بالغربة قد ينقلب إلى ينبوع للإبداع، بشرط أن تحمي ذلك الوطن الذي شيدتَه في أعماق قلبك. أنا لا أستقر في مكان ما دامت الحرية فيه طريدةً أو مجرد شبح.

تعتمدون لغة هادئة ومكثفة، بعيدة عن الزخرفة؛ هل هو خيار جمالي واعٍ أم نتاج لطبيعة الموضوعات التي تكتبون عنها؟

كل عمل أدبي يقتضي وقفةً هادئة وكثيفة. مهما كانت المأساة دامية، فإنها تحتاج إلى قراءة فنية رصينة. اللغة الفنية هي الجسر الذي يعبر به الكاتب إلى قناعة القارئ؛ لذا يجب تهدئة روع القارئ بعيداً عن صخب الكلمات وتشنج العبارات. فالتعقيد اللغوي يولد “سوء تفاهم” بين النص والمتلقي. تكثيف اللغة يعني قوة التعبير، والبساطة أحياناً تكون ركيزةً للنص، لكنها بساطةٌ مستحيلة دون غوصٍ عميق. التكثيف هو إيجاد أقصر الطرق لإقناع القارئ دون إثقاله بالجهد.

كيف تنظرون إلى العلاقة بين التاريخ الرسمي والسرد الروائي، خاصة في سياق الشعوب المهمَّشة؟

تاريخ شعبنا صِيغ بأيدٍ غريبة، كتبه أعداؤنا دوماً. ولكي نقدّم التاريخ كوثيقة حقيقية، يجب أن نستقيه من النصوص الأدبية والفنية؛ كما في “مم وزين” لأحمدي خاني، أو “شيرين وخسرو” لخاناي قوبادي، أو ملحمة “دمدم” لعرب شمو. النص الناجح هو الذي يتكئ على تاريخٍ ذي جذور اجتماعية. هناك علاقة جدلية بين الخيال والواقع؛ فالنصوص الخالدة يكتبها من يدرك التحولات الاجتماعية. وفي غياب النقد العميق لشعبٍ مشتت مثلنا، قد تختلط الحقائق بالأكاذيب وبالخيال غير المنطقي.

في رواية الخراب تظهر فكرة الرحلة بوصفها مساراً للفقد أكثر من الخلاص؛ هل ترون أن الرواية قادرة على تقديم أفق أمل، أم مهمتها كشف الواقع كما هو؟

الواقع بحد ذاته يظل موضع ريبة ما لم يسنده الخيال، فكلاهما يشترك في كشف كنه الأحداث. في رواية “الخراب”، ثمة عالمٌ من الشك والقلق؛ حيث يشك الجميع في نقاء المحيطين بهم. ليس عبثاً أن يسلم إنسانٌ نفسه وزوجه وطفله الوحيد لمهربي البحار دون ضمانات؛ فالمهم هو الخلاص من قبح الواقع. أقصد هنا زمان ومكان الحرب الأهلية في كوردستان. لو كان ثمة بصيص أمل، لما غادر الناس أوطانهم. هذا القلق المستمر، وخيبة الأمل التي تنتهي بمأساة الغرق في بحر إيجة، هي المصدر الأول لكل الكوارث.

هل تعتبرون أنفسكم جزءاً من تيار روائي كردي معاصر، أم أن تجربتكم تسعى إلى تجاوز التصنيفات القومية؟

مسعاي ليس مجرد “تدوين” الكوارث أو سرد جينوسايد الكرد، إنّما هو صرخة احتجاج ومحاولة لخلق إجماع إنساني حول مصير ٥٠ مليون كردي مهددين. الرواية تفتح أبواب الحوار الكوني. أحاول أن أكون جزءاً من “الحداثة” الكتابية؛ فالفكرة في رواياتي تهدف لإظهار الحقائق التي يحاول المحيط تهميشها. في رواية “عذراوات الصحراء”، التي تتناول بيع فتيات “الأنفال”، تنتهي الرواية بـ “التسامح الروحي” للضحايا تجاه الجناة، وهذا التسامح هو جوهر العمل. لا بد للكاتب أن يكون معاصراً في رؤيته، شكلاً ومضموناً.

كيف تؤثر الكتابة باللغة الكردية، ثم الترجمة إلى العربية، على بنية النص واستقباله النقدي؟

نحن نعيش في الشرق الأوسط، والثقافة العربية هي الأقرب إلينا. هناك ملايين العرب الذين يشاطروننا الهم الإنساني. يسعدني جداً أن تُترجم كتبي إلى العربية، وأؤمن بالأثر الكبير الذي تتركه. إن تلاقح الأدب الكردي مع المكتبة العربية هو مبعث فخر لنا. ورغم أن المؤسسات الكردية ليست بالنشاط المطلوب، إلا أن دور النشر في الخارج واللوبي الكردي في المهجر، خاصة الجيل المثقف الجديد، يبذلون جهوداً جادة لإيصال الرواية الكردية إلى مصاف العالمية.

 ما الدور الذي ترونه للرواية اليوم في ظل التحولات السياسية والرقمية المتسارعة؟

لم يشهد الأدب الكردي عبر تاريخه عصراً ذهبياً للرواية كما هو الآن. الرواية الكردية اليوم تمتلك كتاباً مبدعين وقراءً متميزين، رغم شحّ النقد. لقد أفرزت التحولات الكبرى رؤىً جديدة، وظهرت نصوصٌ تتناول حتى التنبؤات العلمية. أنا واثق أن الرواية الكردية الآن قادرة على المنافسة في المحافل الدولية وحجز مكانة مرموقة في المكتبة العالمية.

إلى أي حد يمكن القول إن رواياتكم تحمل بعداً توثيقياً، وإلى أي حد تبقى وفية لمنطق التخييل؟

لقد قلتُ سابقاً إنني أريد إيصال “صوت السلام” الكردي إلى العالم؛ لأقول إن الكردي ليس مجرد مقاتل يحمل السلاح، بل هو إنسان ينشد السلام والإعمار. رواياتي هي “وثائق أدبية” تحرص على الجمال الفني كمعيار أساسي. حاولتُ التنبؤ بعالمٍ أجمل، بعيداً عن التشاؤم والعنصرية والشوفينية. كل ما كتبتُه كان من أجل مصالحة الإنسان الكردي مع محيطه؛ لذا فالرواية عندي أمانة تاريخية يجب الحفاظ عليها.

كيف تتعاملون مع القارئ العربي غير المطلع على السياق الكردي؟ وهل تراهنون على عالمية التجربة الإنسانية؟

عبر القراءة والإعلام الحر فقط، يمكننا أن نبني جسور الصداقة. خصوصية أي كاتب مرتبطة بتجربته الإنسانية الكبرى، والنجاح الحقيقي هو ما يتجه نحو العالمية. القارئ العربي مهم جداً لنا، فنحن نتقاسم الكثير من المشتركات والآلام. وفي مواجهة الأفكار المتطرفة التي تروج للحروب، يقع على عاتق الرواية والثقافة الدور الأكبر في تعزيز التآخي. ما يهمنا هو أن تفتح المؤسسات العربية والأجنبية أبوابها للأدب ليقوم بدوره في تحويل الخلافات إلى إنسانيةٍ جامعة.

أخيراً، ما الذي يشغلكم حالياً على مستوى الكتابة، وكيف ترون تطور مشروعكم الروائي في أعمالكم القادمة؟

إلى جانب تحضيري لديوان شعري سيصدر قريباً، أعكف حالياً على كتابة مذكراتي، ولكن بقالب “رواية”. أريد تجريب أسلوبٍ سردي مختلف، مستخدماً مفردات وتعبيرات كردية قديمة كادت تُنسى، لأعيد صياغتها في سياق معاصر، كما فعل “جاك بريفير”. مذكرات السياسيين الكلاسيكية غالباً ما تفتقر للدقة أو الشفافية، لذا أبحث عن فورم جديد يكون شاهداً أميناً على المرحلة. من خلال هذه التجربة، سأكون “ناقداً موضوعياً” للمسارات السياسية والاجتماعية المشوهة، وسأضع إصبعي على الجرح بصدق، ممتزجاً بذاكرة المدينة والوطن، لنعرف أين أخطأنا وأين أصبنا.

*ترجمة الحوار: ياسين حسين

أحدث المنشورات

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

4 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

5 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

6 أيام منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

أسبوع واحد منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ

الدكتور الموسيقار عبد الله السباعي: العرب يستخدمون سلمًا مشوهاً..

بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…

أسبوع واحد منذ