أفانين
عبدالعالي شعيب
التحقيقات واللقاءات

عبدالعالي شعيب: لا شيء في الوجود بلا فن… و«السيد جمجمة» غيّرت شكل المسرح في ليبيا

اللون كفلسفة حياة
كيف يرى عبدالعالي شعيب اللون بوصفه جوهر الوجود ومفتاح السعادة الإنسانية.

حوار يفتح نافذة على عالم عبدالعالي شعيب، حيث يتحول اللون إلى فلسفة وجود، ويغدو المسرح مساحة لاختبار الإنسان والجمال والهوية. قراءة في تجربة فنية آمنت بأن الفن ليس ترفًا، بل ضرورة للحياة.
نلتقي في هذا العدد مع فنان أحب الألوان وعشق المسرح وكانت له بصمة واضحة، استهوته الألوان الطبيعية في الجبل الأخضر الأشم، ليست فقط الألوان البيضاء التي كانت مبعث أمل له وإنما كل الألوان لأنه عرف سرها وكون علاقة ليست عادية بينه وبينها، علاقته كانت ملونة مع اللون فتحرك بعدها على خشبة المسرح فكان يخرج ويمثل بفن وهذا ما جعله مختلفاً عن الجميع، الفنان التشكيلي عبدالعالي شعيب..

– أنت تعرف أن الحياة مليئة بالألوان وصراع الحياة هو صراع ألوان، واللون يشكل جزءً كبيراً من حياتك  

– أنا سعيد جداً بهذا اللقاء وقصة اللون مع الحياة هي قصة الحياة مع ذاتها، اللون في واقع الأمر هو الذي يميز الأشياء والحقائق عن بعضها  وهو الذي يفرز الضوء والضوء بدون ألوان هو عبارة عن موجات خالية من أي مدلول ومسألة رؤيتنا نحن للألوان  تختلف من حضارة إلى حضارة ومن شخص لأخر ومن مرحلة زمنية إلى مرحلة زمنية أخرى والألوان في الفن التشكيلي هى روح الفنان وهى الوسيلة التي يحاول الفنان التشكيلي من خلالها أن يبرز عواطفه ومشاعره وأحاسيسه مثلما يبرز الشاعر بالمفردات ومثلما يتناول الموسيقي بالألحان عواطفه وتجربته ويبثها في آذان المستمعين أيضا الفنان يحاور العين عن طريق اللون والفن التشكيلي في محيطه العام هو عبارة عن لون يغازل العين، والعين الذواقة هي التي تستطيع أن تستخلص من هذه الألوان ومن مدلولاتها ما الذي يريد أن يقوله الفنان، والحياة إجمالاً لا تتجاوز الخط واللون، والخط يرسم عادة باللون الأسود أما اللون فإنه يعطي مساحات وبراحات أكثر اتساعاً ونحن عندما نتعامل مع الحياة باللون الحيادي سواء كان الأسود أو الأبيض فسنجد أن الحياة ليست لون أبيض وأيضاً ليست لون أسود، الحياة مجموعة ألوان، اللون الأسود خادع وكذلك اللون الأبيض خادع، ولكن هذه حقيقة موجودة فاللون الأسود أناني يمتص جميع الألوان ولا يبثها واللون الأبيض أيضاً أناني لأنه يمتص جميع الألوان ويبثها جملة مع بعضها فتفقد حيويتها وبريقها وبالتالي فالحياة لابد أن نراها بجميع الألوان، فحتى في المسرح فإن عنصر الإضاءة يلعب دوراً مهماً في إثراء المشهد المسرحي والإضاءة هي عبارة عن لون بالإضافة إلى تلوين الفنان نفسه للحالة التي يتناولها على خشبة المسرح بدرجات تستشعرها كحالة تشخيصية ولكن في حقيقة الأمر هى تلوين، حتى في لغة المسرح نطلق عليه تلوين، فمسألة اللون وما نعيشه نحن في حياتنا كمجتمعات تميل إلى الصحراء والجفاف وهذه المجتمعات ابتعدت عن بهجة اللون وبالتالي افتقدت إلى مصطلح السعادة، اللون هو شغف وكذلك السعادة شغف والحياة ما هي إلا سعادة، هل تستطيع أن تتخيل الحياة بدون لون؟ ولو تخيلتها بدون لون هل تستطيع أن تتخيلها بدون سعادة؟

ولا يمكن إطلاقاً أن توجد سعادة بدون لون، ونحن في ليبيا على سبيل المثال كان أجدادنا يعيشون في خضم لوني عجيب بالرغم حالتهم البسيطة والفقيرة إلا أنك تجد البيت بألوان منوعة و تجد (المنضدة) فيها الإكليل والكليم وتجد فيها الشليف تجد أشياء كثيرة ومتنوعة ومنوعة وتجد السحارية التي يضعون فيها خمسمائة لون وتجد الرداء والجرد والفجرة والفضة كلها كانت ملون وتعطي بهرجاً جميلاً جداً للحياة ولكن كيف فقدنا هذا البهرج أن المسألة لها علاقة بالثقافة لأن الثقافة هي ليست فقط قراءة مجموعة كتب ولكن الثقافة هي الأشياء التي تأخذها من الحياة وتجنيها من تجربتك وتستطيع هى أن تجعل حياتك أسهل وهذا تعريف الثقافة بمعنى بسيط جداً، ومن ضمن الأشياء التي ينبغي أن تتوافر في حياتي أنا كإنسان هي أن أكون سعيداً وسعادتي هذه لا تتحقق إلا من خلال مجموعة معطيات من أهمها أن أرى الحياة ملونة وبالتالي لا أصاب بالملل ولا أصاب بالاكتئاب، تجدني مشغولاً باستمرار لأن عيني تبحث عن لون وتجده، وللأسف نحن حتى ولو بحثنا عن لون في حياتنا الآن لا تجده، نحن نميل إلى الرماديات أو البنيات فقط، حتى لو تعرض علينا سيارة ملونة نستهجنها فقط نحرص على اقتناء السيارات السوداء أو البيضاء أو الرمادية، وهذه المسألة تستحق البحث الحقيقي لأن الهوية بلا لون سهلة التزوير حتى الكرت أو البطاقة الشخصية إذا لم يكن فيه ألوان وتداخل لوني فأياً كان بإمكانه تزويرها وهويتنا نحن بلا ألوان سهلة التزوير وأعتقد أن هويتنا زورت.

– وماذا عن التوافق اللوني في حياتنا؟

– وجود اللون في حياتنا شئ والتوافق اللوني شئ آخر ومدى قدرتنا على إيجاد التوافق اللوني هذا شئ يأتي بالتمرين وبالتعود فأنت عندما تدهن جدار بيتك في البداية قد تستهجنه ولكن مع التعود يصبح هذا اللون مريحاً لك، حتى عندما نرى الرداء الذي تلبسه السيدة الليبية في البادية من خلال الألوان والتخطيط والتداخل اللوني تعودنا على رؤية هذه الألوان وامتزاجها يعطي شكل جميل خصوصاً عندما ترتديه السيدة، فمثلاً يقال اللون الأسود هو ملك الألوان هذه المقولة المشهورة قد تكون صحيحة فيما يتعلق بالملابس لأنه وجد في مجتمعات محيطها ملون فأصبح وجوده بينها مميز وأصبح الأسود لوناً لأنه وقع في محيط ملون ولكن عندما تضع اللون الأسود جنب الأشهب أو الرمادي أو في مكان خالي من الألوان حينها سيوحي اللون الأسود بالكآبة ولن يصبح ملكاً أو حتى حاجباً والتعميم في مقولة أن اللون الأسود ملك الألوان لا يجوز وبالنسبة لبيئتنا التي كانت موجودة قديماً على الرغم من الثقافة البسيطة السائدة إلا أن الناس أحبت الألوان، أخلاقهم وتعاملهم مع بعض جعلهم يضعون أولوية للون، فعندما تأتي المرأة تريد أن تنسج شيئاً كانت تبحث عن الألوان قبل بحثها عن الشكل، والمسألة المهمة هي كيف نحن نحب اللون؟ ولا يوجد على الإطلاق لوناً قبيحاً، ولا يوجد شيئاً في الحياة غير ذي جدوى، الحياة قائمة على مبدأ الدفع بالضرورة لأن الضرورة هى التي تصنع الأشياء في الحياة، وما عشناه نحن كمجتمعات كئيبة ومقلدة نحن نصحو ونعيش يومنا حتى ننام نتعامل مع أشياء مستوردة من الخارج من ملابس وأدوات ومأكل وبالتالي أين تكون هويتنا، هل فقط أقول أنا عربي أو ليبي أو شرقي معناها حلت المعضلة، فعندما تقول أنا ليبي معناها يجب أن يكون عندك إنتاج، فأنا كفنان تشكيلي عندما أقوم برسم لوحة أو أقوم بعمل مسرحي لا أحس بخصوصتي فيه على الإطلاق بالرغم من أني أرسم لنفسي وأترجم لمشاعري وأحاسيسي لكن لأنها مفرغة من المحيط وليست لديها صدى في المجتمع ولا يوجد في مجتمعي شئ ينتج حتى يقابله إنتاجي أنا وبالتالي يظل شئ خاص بي وليس أكثر من ذلك.

– ما السر الذي يكمن في الفن التشكيلي دون الفنون الأخرى؟

–  الرسم يعتبر غريزة في الإنسان والغريزة الحيوية الموجودة في الإنسان هي غريزة محاولة الخلق، فخلايا جسمك تتكون في اليوم عدة مرات وتتجدد وتخلق والإنسان موجودة فيه منذ صغره غريزة كيفية خلق وصناعة الأشياء وعندما يلجأ للرسم لأنه أول وسيلة وحتى قبل ما ينطق الإنسان كان يعبر عن طريق الرسم وكان يسجل في أحداث يومه على الكهوف والصخور عن طريق الرسم وكان يصنع في أدواته عن طريق النحت، ومسألة الخلق هي غريزة منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان لأنه بث فيه من روحه وإذا قمعت غريزة الخلق لدى الإنسان سيتحول إلى إنسان سلبي وإنسان محبط أو إنسان آلي وتنميتها هذه مسألة أخرى، إما أن تنمى في اتجاه الرسم ويكون فنان أو تنميها الحياة غصباً عن الإنسان، كل إنسان فينا يملك في داخله فنان فقط من يهتم في هذا الجانب ويجد مفتاح الدرج الموجود فيه ويتعمق فيه هو الذي يصل إلى أن يصبح فناناً تشكيلياً.

– كيف اهتديت أنت لهذا المفتاح وأصبحت فناناً؟

– أول مفتاح وجدته هي فكرة المفتاح نفسها، أنا آمنت منذ الصغر أنني كإنسان قادر على أن أفعل ما أريده وأن أغوص في أي مجال وبالتالي إيماني بوجود هذه الأدراج في داخلي هو من جعلني أبحث عن كيفية فتح هذه الأدراج، وأنا منذ طفولتي  نشأت في حضن شقيقي شعيب رحمة الله عليه فقد كان فناناً تشكيلياً وخطاطاً وفناناً مسرحياً هذا الشخص أثر في على الرغم من أنه لم يعمر طويلاً توفي وأنا في الصف الثاني الإعدادي بعدها اهتميت بنفسي كذلك النشاط المدرسي كان فيه زخم وحياة في الفترة التي شبينا فيها كان النشاط المدرسي عامل مهم جدا جدا فقد طور من إمكانياتنا ومن مواهبنا وكان فيه أساتذة من مصر ومن دول عربية أخرى ومهم جدا الاهتمام بالنشاط المدرسي وإهماله تكديس للجهل وما نسمعه من تغييب النشاط المدرسي وتغييب الرسم والموسيقى والفنون في المدارس اعتقد ليس في صالح أحد على الإطلاق بل أراه أنه قصور في الرؤية الاستراتيجية للمجتمع والذي ينظر بأي أيديولوجية أو بأي تفكير ليصنع ايديولجية بعيدا عن التكوين السيكولوجي للمجتمع أو بعيدا عن انثربولجيا المجتمع نفسه هذا قاصر بالتأكيد ولا يعي ما يفعل ويفكر في اتجاه واحد، كل الأعراف والديانات في جميع المجتمعات والحضارات طورت في حياة المجتمع عندما طورت من أحواله الايجابية حاولت أن تبعده عن أحواله السلبية لكن أن آتي للجوانب الايجابية ونبدأ في تقليمها معنى ذلك أنني بدأت في صناعة مجتمع هجين وجيل لا يتذوق وغير مثقف والحياة ليست رياضيات وفيزياء وكيمياء ولغات فقط ، صحيح هي أشياء مهمة لكن انعكاسها على تكوين الإنسان، لو الفيزياء إذا لم تنعكس على حياتي وتجعلني أن أعيش سعيداً فليست لها معنى.

وهذا ينطبق على الأحياء والكيمياء والرياضيات وهذا الانعكاس إذا لم يجد صدى فني داخل الإنسان وكيف يتعامل مع الآخرين ومع نفسه وهذا لا يعلمه لك إلا الفن، أما الرياضيات فتعلمك فقط أن واحد زائد واحد يساوي اثنين لكن الفن يعلمك أن واحد زائد واحد لا يساوي اثنين وإنما يساوي براحات وآفاق وأعماق، وحظ مجتمعاتنا أنها لم تأخذ فرصتها الكافية لتقفز القفزة التي يخشونها هذه القفزة لا بد أن تؤخذ من الشعوب ومن الحكومات ومن المثقفين، نحن حتى مثقفينا – وهذا ليس تجني واستهجان وهذا ليس عيبهم ولكن بيئتهم – عند حدود معينة ويقفوا، طالما أنني مازلت أقف عند تلك الحدود معناها لن أصل أبداً، المسألة تحتاج إلى قفز فوق كل هذه الحدود وتجاوزها كلها بقرار اجتماعي حقيقي وان نصرخ بأعلى صوتنا أننا نريد فن وثقافة ونريد عمق،  فالحياة ليست أكل وشرب فقط، نحن الآن نتفرج على التلفزيون ونستعمل الهواتف ونطالع الانترنت ونستمتع بذلك ولكن كلها بعيدة عنا.

– هناك من يتمنى أن تعم الألوان مدننا وتميزها، أنت من مدينة البيضاء التي يحتضنها جبل أخضر فهل تأمل أن تطلى كل البيوت من الخارج بلون يناسبها ويميزها وكذلك الأمر لبقية المدن؟

– هذه المسألة مهمة وأنا أعشق هذه المدينة وأعيش فيها عمري كله ولا أعتقد أنني تركت مدينة البيضاء لأكثر من أسبوع في حياتي كلها وحقيقة في كل مرة نحاولوا أن نصنعوا حالة من الحالات التي تتحدث عنها أنت الآن وكذلك الحال في كل المدن الليبية ففي الجنوب تجد الجمال وكذلك الغرب وأيضا الشرق فعندما نتحدث عن طبرق ودرنة عن سوسة ورأس الهلال ومدينة البيضاء في وقت من الأوقات كنت تتجول في شوارعها لا تشعر بالملل كان فيه نسق وبشاشة وروعة وفيه رهبة أتذكر شارع العروبة وفندق قصر البيضاء على الرغم أنه كان غير مؤثث لكنه جميلا ولكن لا يوجد فيه تخريب، فنحن الآن لا نبحث عن الكمال في مدننا ولكن على الأقل لا نخرب حتى يأتي من هم بعدنا وتكون لديهم القدرة على التطوير، فأنت عندما تدخل بيت أي ليبي تجده من الداخل مرتب ومعطر ومؤثث وعندما تفتح الباب وتخرج تجد الصورة منقلبة تماماً وعندما تدخل بقية البيوت تجد نفس الصورة إذا الخلل يكمن في الحس الجمعي والحس الجمعي هذا لا يتشكل إلا بالقدوات والقدوات لا تتشكل إلا بوجود ثقافة وفن، ونحن في مجتمعنا الليبي ونتيجة للتفكير الفردي في فترة من الفترات قمعت حالة القدوات،  كان هناك اسم واحد ولا يجوز وجود اسم آخر، فليس عندنا قدوة في الفن ولا في العلم ولا في السياسة وتعودنا حتى عندما يسعى أحدنا ليصبح قدوة نحاربه ونرجعه للخلف، ودائما نحن نقول يجب أن يكون لدينا.

ولدينا وفي الحقيقة حياتنا مليئة بالتناقضات فأنت تريد أن تقدم شيئا للمجتمع افعل ذلك أو أترك مكانك لغيرك للقادرين على العمل، وأرجو أن لا يزعل مني أحد،  إذا أردنا أن نعمل علينا أن نكون أكثر صراحة مع بعضنا البعض، نحن المجتمع الوحيد الذي لا يملك شئ ونرى في أنفسنا أحسن ناس في العالم، الليبي الوحيد الذي يقول ” عقاب صيني ” إذا كان الأمريكان والإنجليز لا يقولون مثل هذه العبارة لأنهم يعرفون أن من علمنا القراءة والكتابة هم الصينيون وعلمونا كيف نوقد النار ونطهي اللحم وحضارة الصين ممتدة من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد  كان فيها الحكماء الخمسة قبل أرسطو وقبل سقراط وأفلاطون وقبل الفراعنة أو نقول ” عقاب مصري ” هذا غير معقول، إذا كان المصريين والصينيين والآشوريين وغيرهم نقول عليهم ” عقاب ” معناها نحن ماذا؟ بالرغم من هذه النظرة لكن العلاج متاح ليبيا مازال فيها كثير من المثقفين وكثير من الذين بإمكانهم استلام زمام الريادة من جديد والفرصة الآن متاحة لكن عندما نريد أن نصنع مجتمعاً علينا الابتعاد عن التزلف وعن النفاق وأنا انصح نفسي وأخوتي الفنانين والمبدعين أن يكون همنا هو بناء هذا المجتمع.

– هل يمكن أن تكون الألوان علاجاً نفسياً؟

– طبعاً وهذا باب كبير جداً في علم النفس يطلق عليه سيكولوجيا الفن والعمل النفسي للفنون مهم جداً والحالة الموجودة لدى الفنان التشكيلي هي علاج للناس فالسيارة على سبيل المثال صممها فنان تشكيلي ، من بنى البيوت ومن بنى الأهرامات، هو فنان تشكيلي، ومن ينقل لنا الصورة في التلفزيون هو فنان خلف الكاميرة ومن يصمم لنا في ملابسنا هو فنان، وإذا لا يوجد فنان في المجتمع ستتعطل الحياة تماماً، المرأة في بيتها أيضا فنانة فالحياة بدون فن فإنها تتعطل تماماً، والفن إجباري ومهما حاول المحاولون ومهما سعى الساعون ومهما تفنن المتفنون في قمع هذه الحالة فإنهم حتماً فاشلون إن صح التعبير، فالحياة كلها فن، صرخة الطفل عند ولادته فن هي فن الحياة والعبادة فن فعندما تستمتع بعبادتك هو فن ومتعة وعندما توصلك عبادتك أن تستمتع وأن تكون سعيداً معناها أنت مارستها بفن فكل شئ في هذه الحياة فن، يقال سائق فنان أو قائد فنان، فكلمة فنان نستعملها في الحياة وعندما نأتي لجذورها وأساساتها نستهجنها وهذا تناقض كبير في حياتنا وحياتنا كلها مليئة بالتناقضات حتى في أحاديثنا تجد المثاليات لكن عندما نأتي للبيت نتحول إلى دكتاتوريين على الزوجات والأولاد والجيران.

– مرسم عبدالعالي شعيب هو ملجأ للهروب من مشاكل الحياة الآن؟   

– وجودي في المرسم الآن ليس هروباً بل أنا موجود في مكاني الطبيعي والصحيح وعندما أخرج من المرسم معناها أنا هربت، واللوحة بالنسبة لي هي وطن، وأنت ممكن أن تشردك الظروف ولكن لا يمكن اتجردك من قيمك ومن أحاسيسك ومن مشاعرك وأنا عندما أكون موجوداً في مرسمي فإنني لا أمارس الهروب بل أنا أمارس قمة الاستقرار والطمأنينة والهدوء وأكون في أحسن أحوالي وعندما أجبر على أم أترك اللوحة وننخرط في الحياة هذا هو الهروب والفزع والشتات الحقيقي إلى أن أعود إلى موطني من جديد من خلال الجلسة أمام اللوحة أو الوقوف على خشبة المسرح.

– هل الفنان عبدالعالي شعيب لديه لوحات يرى أنها لم تكتمل وتحتاج إلى أوقات لاستكمالها؟

– لا يوجد فنان في العالم أكمل لوحته إطلاقا لأن الفنان دائماً يسعى للكمال والكمال صعب المنال وبالتالي تظل اللوحة دائماً مفتوحة ولكن الفنان يصل إلى حد معين وتنغلق عليه اللوحة وتقف عند هذا الحد سواء لأسباب حياتية تتعلق به أو لأسباب نفسية وأنا لا استطيع أن ارسم لوحة واحدة فقط فأنا تكون أمام عدة لوحات مفتوحات في ذات الوقت مثلما يكون لدي ثلاثة أو أربعة كتب على الوسادة مفتوحات لا استطيع قراءة كتاب واحد لأنني ملول ولابد أن أنتقل من زهرة إلى زهرة لأثري خليتي أو لأثري “جبحي” فلا يوجد لوحة في العالم لوحة مكتملة ولا يوجد أصلاً شئ ثابت فأنا أرى اللوحة اليوم بشكل وغداً أراها بشكل آخر وهناك لوحات كثيرة لم تكتمل بالمعنى الحقيقي وهناك لوحات تفشل ولوحات تنضج والتجربة مستمرة وحياة واحدة لا تكفي الفنان التشكيلي لأن اللوحة معلم وكل جاهز ليعطيك درساً إذا جئته سيعطيك درساً وإذا لم تأته سيسجلك غياباً وأنت عندما تغيب عن الحياة فاللوحة مازالت تريد أن تعطيك دروساً.

– هناك من يصنف الألوان مثل اللون الأصفر لون الغيرة والأحمر لون الحب لقربك من الألوان هل تشعر بمدى صدق هذه التصنيفات؟

– في علم النفس يطلقون عليها المدلولات اللونية وهذه المدلولات وتم اكتشافها عن طريق علم النفس التجريبي، اكتشفوا مثلاً أن جماعة الشيزوفرينيا يميلون للون معين وكذلك مرضى الاكتئاب يميلون للون آخر ومجموعة الغيرة والأنانية وحب التملك يميلون للون معين ومجموعة السادية يميلون للون آخر وميول الناس لهذه الألوان هي التي تحمل هذه المداليل التي تم تثبيتها، لكن يظل في الأساس اللون هو اللون والرؤية الجمالية هي الأساس والأمور النفسية هي أتت فيما بعد، وحتى الأطباء النفسيين الآن بدءوا التعاطي معه في تصنيف الحالة ويظل اللون هو في نهاية الأمر اللون الأبيض هو مصدر كل الألوان وهو الضوء من خلال عملية فيزيائية تنعكس على الأشياء من خلال عملية كميائية تمتص جميع الألوان وتعطي لوناً واحداً ومجمل هذه العملية هى فيزيائية كيميائية.

– كيف ترى أهمية المعارض الفنية للفنان التشكيلي؟

– الفنان عليه أن يعمل حتى يؤثر في المتلقي، فكيف  يغيب نفسه فعلى الفنان أن يدرس ويتأمل ويشاهد المعارض ويحتك بتجارب الآخرين والفنان غير مثقف هو فنان عاجز مثل الطيار الذي يمارس مهنته ولا توجد طائرة، أيضا الفنان والمثقف بصورة عامة في أي مجال فني أو ثقافي إذا لم تكن لديه قدرة على التشرب مثل الإسفنج لا يستطيع أن يعطي الآخرين شيئاً على الإطلاق وعمق التجربة لا يتأتى إلا من خلال دراسة تجارب الآخرين  فعندما نرى تاريخ الفن نجده بدأ بالرسم على الكهوف ثم تطوروا وبنوا الأهرامات ثم التماثيل والجداريات والمنحوتات ثم جاء الرومان والإغريق إلى أن وصلنا إلى عصر النهضة وبدأت الفنون الكلاسيكية التقليدية العميقة ثم وصل الأمر إلى أن الفنان أصبح لا يريد أن يرسم في كنيسة أو استديو بل يريد أن يخرج للطبيعة وبدأت الانطباعية.

ثم قامت الحروب العالمية الأولى والثانية ففقد الفنان إيمانه بالطبيعة وبالحياة وبدأ يرسم في الدمار إلى أن وصل إلى أن محاكاة الطبيعة لا تغنيه عن كل شئ فبدأ يفكر فيما وراء الطبيعة فنشأت السريالية ثم بدأت التجريدية إلى أن بدأوا يبحثون عن شئ آخر ودائماً هناك حنين دائم للرجوع للطبيعة لدى الفنان فلابد له أن يرجع للمحطة الأساسية الطبيعة ليدرسها من جديد ويستشف منها اللون والدرجات اللونية الجديدة فتجده بعد فترة يرجع إلى الطبيعة والى البورتريه وإلى التخطيط  وإلى التشريح، والفنان لا يستطيع أن يعيش بمنأى عن الآخرين سواء الفنانين أو تجارب الناس، مخطئ من يعتقد أن الفنان يرسم في ذاته.

الفنان عادة عنده الأنا والنرجسية لكن هذه بعيدة عن فنه، الفنان عندما يتعاطى مع الفن يتعاطى معه بتجريد، يتجرد من ذاته ويصبح الآخرين هم همه، لكنه يتميز عن الآخرين من خلال بعض الطفرات التي يشعر فيها  أنه مميز عن الآخرين وهذا حق طبيعي ولابد منه.

– هل تتذكر المعارض التي شاركت فيها سواء في البيضاء أو خارجها؟

– الحياة كلها مليئة بالمعارض والحياة بالنسبة لي هي عبارة عن معرض به لوحات متتالية ومستمرة وعلى الصعيد الشخصي نحن نقوم بالمرسم الجامعي وبإذن الله سيعود بقوة وهذا المرسم مرسم جامعة عمر المختار خرج العديد من الفنانين وقمنا بالكثير من المعارض في ليبيا وخارجها وتحصلنا على جوائز داخل وخارج ليبيا فإذا كان الفن رؤيا فالرؤية البصرية فن والجناحان الرؤيا والرؤية يجب أن يكونان في ذات الحالة فأنا آمل أن الجيل القادم من أبنائنا وأحفادنا أن يعيشوا في بيئة أفضل لأننا بصراحة نحن مازال لدينا قصور في الرؤيا الجمالية فعلى سبيل المثال تجد ليبي يبحث عن لزوجته وأبنائه أفضل الملابس ولكن غير قادر عن شراءه للوحة لفنان ليبي ويضعها في مربوعته ويتأملها ويهتم بها ولو فعل هذا الشئ سيجد فيها براحات وسيجد أنه صنع صنيع كبير لنفسه وأبنائه عندما تقول لهم هذه لوحة لفنان ليبي وعندما يأتيك ضيف تقول له ذلك وربما هذه الخطوة تغير لديك كثيراً  من المفاهيم وهذا الموضوع ليس بالسهولة التي نحن نتخيلها ونعتقد أن العالم يشتري في لوحات وكفى فالقصة أعمق من ذلك بكثير فالموضوع موضوع حياة ومتعة ولذة.

– وماذا عن الجداريات داخل المدن الليبية؟

– بالنسبة هذا الموضوع موضوع أزلي بالنسبة لي وأتيحت عدة فرص وناقشنا هذا الموضوع ولكن للأسف المسؤولين عندما تتحدث معهم يقولون لك احضر الطلاء والفرشاة وقم بالرسم على الجدار، ولكن في طقس مثل طقس مدينة البيضاء الجدارية لا تمكث حتى ثلاثة أيام،  فكنت دائماً أطالب بتوريد فسيفساء وعندما يصل الأمر لمعرفة الأسعار يتراجعون لأن مثل هذه الأعمال مكلفة، وأتذكر في فترة سابقة أن محافظ الإسكندرية استدعى فنان مصري ليقوم برسم لوحة بفسيفساء في مكتبة الإسكندرية جاء هذا الفنان المصري من الخارج ولم يتحدث معه عن التكاليف وإنما جعل الحساب مفتوح المهم عنده أن يكون العمل عظيماً وجاء الفنان وقام برسم اللوحة واستعان بكلية الفنون بجامعة الإسكندرية وأنجزوا جدارية بالفسيفساء كانت غاية في الروعة زينت المكتبة وأعطتها قيمة أكبر،  ونحن حاولنا مع عدة أمناء ووزراء حتى يوردون لنا الفسيفساء ولكن دون جدوى، لدي كثيراً من التخطيطات لنصب تذكارية وجداريات والتي أنفقت عليها ولكن كلها لازالت تخطيطات لم ينفذ منها أي شئ.

– وماذا عن أبي الفنون المسرح؟

– الفن التشكيلي نمارسه في الحياة وعندما نأتي للمسرح نجد حياة أيضاً، المسرح هو حياة صغيرة، فعندما تقف على خشبة المسرح ملابسك وإضاءتك وديكورك كلها فن تشكيلي أو ما يسمى إجمالا بالسنغرافيا هو فن تشكيلي وبالتالي وجود الفنان التشكيلي في العمل المسرحي ضرورة، برخت من أعظم شخصيات المسرح كان فناناً تشكيلياً وشكسبير قبل ما يكون كاتباً مسرحياً ومخرجاً كان شاعراً فالمسرح لم يطلق عليه أبو الفنون من فراغ وهو يستقطب جميع الفنون، وبيت القصيد أن تجد مسرحاً حقيقياً تضع فيه كل هذه الألوان، وأنا مارست المسرح منذ نعومة أظفاري وفي سن مبكرة جداً مثلما مارست الفنون التشكيلية فتجد المسرح في اللوحة وتجد اللوحة في المسرح وانعكاس الفن التشكيلي في المسرح والمسرح في الفن التشكيلي أيضاً أثرى تجربتي في المسرح وفي الفن التشكيلي.

فمثلاً أنت كصفحي إذا لم تكن ملماً بما يفعله الصانع والجندي والفيلسوف والخائن وغيره فلن تستطيع أن تكون صحفياً فكلمة فن فهي مطلقة والتصنيفات الأخرى هي تفريعات داخل الفن فالفنان المسرحي يجب أن يكون لديه إدراك للون وإحساس بالعمق وبالمكان وإذا كان الممثل لا يجد نفسه جزء من هذه اللوحة فلن يستطيع أن يؤدي على خشبة المسرح.

انظر إلى إطار المسرح قبل بداية العرض هو عبارة عن برواز ترفع عنه الستارة مثل ما كان زمان قبل المسرح الحديث كانت اللوحة توضع في المعرض وترفع عنها الستارة وكذلك في المزاد العلني ولازال هذا التقليد موجوداً إلى الآن كما يبدأ التفرج على العرض المسرحي بعد إزاحة الستارة وتبدأ مشاهدة اللوحة المتحركة المكونة من مجموعة صور على خشبة المسرح.

– وماذا عن التصوير الفوتوغرافي وعلاقته بالفن؟

– لازال النقاد والمتخصصون في حيرة من هذا الموضوع لأن هناك لوحات أخرجتها كاميرات وتسمى لوحات حقيقية ولكن في الإجمال لا تستطيع أن تقول أن أي مصور فنان أو كل من حمل كاميرة فنان فالتصوير الصحفي مثلاً هو مهنة أيضا ليس كل نساج فنان فالتصنيف إلى هذه اللحظة عاجز أن يصل بالمصور الفوتوغرافي أن يكون فناناً ولكن في الواقع هناك مصورين فنانين سواء في التصوير الفوتوغرافي أو السينمائي.

من الجبل الأخضر إلى خشبة المسرح
علاقة الفنان بالطبيعة الليبية وانعكاسها على تجربته التشكيلية والمسرحية.

– مدينة البيضاء هي مدينة الإبداع لكنها تميزت بشكل لافت في المسرح..

– هذا صحيح والبيضاء استفادت من بعض الخبرات الذين عاشوا في هذه المدينة وعملوا من خلال النشاط المدرسي وعلى رأسهم الأستاذ صلاح المنشاوي رحمة الله عليه وكذلك الأستاذ وجيه مطر رحمة الله عليه والأستاذ عبدالوهاب الحديدي وهو الآن في مصر يعمل في السينما أطال الله في عمره وكان تواجدهم من خلال قطاع التعليم ولازلت أؤكد على أهمية التعليم في هذا الجانب طالما نحن عاجزين عن إيجاد مؤسسات حقيقية أكاديمية تتبنى الفن والبيضاء هي مدينة ريفية واقعة في حضن جبل ومجتمعها ريفي وبدوي ومركب تركيبة عميقة وكل ما يوجد فيه من جديد يعتبر طفرة وهذه الطفرة إذا لم يتم احتضانها قد تسرق وتنسب إلى آخرين، وربما أيضا غياب الإعلام كان له دوره، وناضلنا كثيراً في أن نظهر في الخريطة الفنية كما هاجر كثير من الفنانين والمبدعين إلى مدن أخرى وبراحات أخرى منهم شعراء كبار ونتيجة ضغوطات وأسباب معينة وفي منهم من تنكر لهذه المدينة ولم يذكرها ولم يذكر انه تعلم في هضابها وتعلم في شوارعها.

وكان المسرح في ليبيا عبارة عن كرسي صالون كبير وباب على اليمين وباب على اليسار ونافذة وطفل يجلس على الصالون ويدخل عليه والده ويسأله عن أمه ويعالج مشاكل زوجية ومشاكل اجتماعية بشكل عام وعندما جئنا نحن كجيل ووجدنا أساتذة استجابوا لأفكارنا استطعنا أن ندخل بالمسرح إلى فضاءات أخرى مثل التجريب وقدمنا عدة عروض وكان في مقدمتها مسرحية السيد جمجمة والتي غيرت إلى حد كبير شكل المسرح في ليبيا ومن بعدها لم يعد المسرح في ليبيا على الاقل الذي يعرض في المهرجانات بالرغم من وجود من يتمسك بالمسرح الكلاسيكي وخصوصا جماعة الشباك والتجربة الحقيقية التي أتحدث عنها فإن المسرح من بعد عرض السيد جمجمة لم يعد كما كان، أصبح بعدها الفنان الليبي يبحث عن تأثير اللون وعن تأثير القماش ومن هنا فرضت حالة المهرجان التجريبي وكانت استحقاقاً حقيقياً لهذه المدينة ولم تأت من فراغ أو هبة من أحد فرضت بالضرورة للجهود التي قدمها فنانو هذه المدينة للوصول بها إلى أن تكون رقماً صعباً على الخريطة الفنية في ليبيا ومازالت تناضل بالرغم من تغول الإقليميين ومحدودي التفكير الذين لا ينظرون الى التجربة الليبية كمساحة كبرى وبالتالي التجربة العربية التي مازلت تحبو الى الآن ليس لدينا مسرح عربي، فقط عندنا مسرح يتحدث بالعربية لكنه ليس عربياً ونحن نسعى لأن يكون لدينا مسرحاً عربياً ومسرحاً ليبيا ذو خصوصية وموضوعية ويستطيع أن يكون قادراً على المنافسة وستظل مدينة البيضاء قادرة وستبقى رقماً حقيقياً في المسرح وربما تكون الرقم واحد على خريطة المسرح في ليبيا.

– في الفترة الأخيرة تقلصت الخشبات في البيضاء فهل تطمحون أن يكون في البيضاء مقراً لمسرح حديث ومجهز؟

– أنا لست متشائماً ولكنني لا أرى أية فرصة أمام فناني البيضاء فكل ما يقومون به هو مناداة للقمر فنحن منذ فترة نحلم بمركب ثقافي يجمع كل الفنون ولدينا البراحات والإمكانيات في ليبيا ان نبني مسارح متطورة ومجهزة وكبيرة تحوي كل شئ وأيضا المسارح الصغيرة التي تحمل عبق التاريخ.

لكن للأسف نحن رفضنا الاثنين المسرح القديم الذي فيه الذكريات وعبق التاريخ دمرناه وصادرناه والجديد غير مهتمين به وفي عام 2012 قلنا بأن الحل في ليبيا ليس حلاً أمنياً ولكن الحل هو حل ثقافي وتربوي فلابد أن نجعل هذا الجيل أن في ليبيا حدث تغيير ولكن القتال والدم لا تأتي بفائدة ولا تحدث تغييراً فإذا أردت التغيير افتح مصائف للشباب وابن مسارح ونواد وأرسلهم في بعثات علمية وتعليمية وتمنحهم حقهم في الحياة وأن يستطيع أن يتعلم ولكن للأسف مثل ما أؤمن بأشياء جميلة للوطن هناك آخرون يؤمنون بأشياء ليست لها علاقة بالوطن وهم المنتصرين إلى هذه اللحظة وبالتالي تحقيق حلم هذه المركبات صعب.

وبالتالي نحن كمنظومة فنية في ليبيا مازلنا القصور والشتات وغير قادرين على توحيد كلمتنا ولازلنا نسعى وراء التلميع الشخصي بالرغم أنه إذا لم تكن هناك قاعدة صلبة للفن في ليبيا فمهما لمعت نفسك فلن تحقق شيئاً.

– كانت لديك مبادرة لتأسيس كلية الفنون في البيضاء في السنوات الماضية الآن الحكومة في مدينتك هل ستحيي تلك المبادرة من جديد؟

– هذا حلم وطموح وسعينا حتى على الأقل أن يكون لدينا في البيضاء مرسماً ووصلنا إلى تحقيق الحلم وأصبحنا قاب قوسين أو أدنى على افتتاحه ولكن طار الحلم وتحول المقر إلى مطعم ثم بعد ذلك مسح من على وجه الأرض، قل لي من سيحقق لنا هذا الحلم وأنا سأذهب له، أنا لا أعرف أحداً من الحكومة، وعلى المسؤولين أن يعوا أهمية الفنون في حياتنا ويولوها الاهتمام والرعاية في العالم الآخر عندما تريد أن تسجل في كلية ما يضعون لك استبيانا من بين مفرداته ما هى هوايتك؟

فإذا لم يكن لديك هوايات يحولونك إلى الأخصائي الاجتماعي والنفسي باعتبارك حالة غير سوية ويراقبونك إذا فشلوا في معرفة هوايتك لأنك ستكون خطراً، نحن للأسف لا نحترم الألوان حتى في إشارة المرور، لكن بصراحة المسؤولين الآن ليس هذا هو همهم فأنا لو كنت مسؤول سيكون همي كيف يكون مجتمعي أفضل ولا احتاج إلى من يطرق بابي ويقول لي قم بإنشاء مسرح أو مرسم، معقولة أنا مسؤول نرضى بأن يطرق بابي أحد ويقول لي اهتم بالثقافة من كم سنة مر علينا عدد من وزراء الثقافة لم نسمع من أحدهم يتحدث عن إنشاء مسرح في ليبيا أو يقيم معرض للفنون التشكيلية ولماذا هو مسؤول الثقافة؟ ولم نمسع من مجلس النواب يسأل عن هذه الجوانب وهذا ليس خطاباً موجهاً للمسؤولين لأنني لا أفكر في المسؤولين حقيقية بل أفكر المجتمع غير القادر على إفراز مسؤول يحس بهذه الأمور لكن لو كان هناك تفاعل حقيقي في المجتمع لكانت الإفرازات حقيقية وصحيحة، ومن حظ البيضاء في سنة من السنوات أن تواجد في النشاط المدرسي فرج السعيطي وكان المسرح المدرسي في البيضاء كل عام في الترتيب الأول مثل اليوفنتوس في الدوري الايطالي  . 

– زرناك في فترة سابقة وجدناك عاكفاً على رسم عدة لوحات فنية.. فهل ستقيم معرضا فنيا؟

– نعم لدي عدة لوحات جديدة تحت الانجاز ولو أمد الله في عمرنا ووجدنا المساحة المناسبة سنقيم المعارض لأن حياة الفنان هي أن يرى الناس أعماله وتأثير لوحة الفنان على المتلقي هو ما يبهجه فاللوحة معاناة وبهجتها أن يكون لديها متلقي، والفنان التشكيلي عندما ينجز اللوحة تصبح خارجة عنه وتصبح ملك للمتلقي.

– كلمة أخيرة :

– في الختام أتوجه للمسؤولين وأدعوهم بالاهتمام بالفن فأنا زرت مدرسة فقال لي المدير لا يوجد مادة الرسم فهذه كارثة، معناها كيف يتعلم يكتب وكيف يتعلم يحكي وكيف يتعلم أن لديه شخصية إذا لم تكن لديه حصة رسم أو حصة موسيقى كيف يتعلم فن الحوار كيف يتعلم يسكت ويسمع، إذا لم يتعلم الموسيقى والرسم، لا يوجد أي شئ في الوجود ليس له علاقة بالفن وأنا أتحدى أياً كان يقنعني بأي شئ ينافي هذا الكلام وأنا سأتبعه قالبا وقلباً إلى أبد الآبدين لأنه سيعطيني قيمة أخرى للحياة غير موجودة أصلاً.

ولكن لن يستطيع لأن كل شئ في الحياة فن، الخلق فن، تعاقب الليل والنهار فن، النجوم فن، الله قال لنا تأملوا في النجوم، فكلمة التأمل فن، الله كون الكون ورسمه وبث فيه الحياة فالإنسان ميزه الله عن غيره بالإرادة والإرادة ممارسة والإرادة فن والأمانة التي عرضها الله على الإنسان وظلم بها نفسه هي الإرادة هذا في تصوري وقد يعارضني الكثيرون وأنا أملك حق التصور، وأنا لا أتصور الحياة بدون فن لأنك ستتجرد من كل شئ، الخط العربي فن والزخرفة العربية فن والقصور الموجودة في الأندلس والزخرفة الموجودة في المساجد من منا عندما يدخل المسجد لا يتأمل السقف عله يجد زخرفة أو شئ يستهويه، من الفذ الذي يدخل المسجد ولا يبحث حتى عن المحراب على الأقل، ومسألة أننا نجزئ أنفسنا وندخلوا الحياة من الباب الخطأ فهذه مسألة خطيرة وأنا أوجه كلامي إلى المسؤولين المثقفين والمثقفين الذين لازالوا يبحثون عن هوية لهذا المجتمع ويطورونها ويغذونها وتهتم بالتاريخ وبالآثار، لماذا نقول الآثار اليونانية مثلها مثل آثار الفراعنة فالمصريون يفخرون بها ونحن لا نفتخر بآثارنا ونحولها عند الأجيال القادمة أنها موروث ليبي لأن الثلاثمائة يوناني الذين قدموا من اليونان ليسوا من بنى كل هذه المدن فالتاريخ يقول ثلاثمائة شخص هل يعقل أن يبنوا خمس مدن في فترة زمنية محدودة والحقيقة أن هناك ليبيين بنوا معهم كل هذه الآثار والدليل أن أجدادنا صنعوا أدوات وعملوا كهوف.

وأنا في الختام أشكرك جزيلاً أخي عبدالرحمن وأنت استدرجتني إلى حديث ذي شجون وأنا صمت منذ زمن وكلام كثير يفترض أن يقال في هذه المرحلة وكلام كثير يوجع القلب ولكن نقول أن ليبيا لازالت بخير وأتمنى أن كل الليبيين يلتفتوا إلى أشياء أخرى في الحياة هى التي تجد لهم الحل مشكلة الليبيين أنهم يفكروا في اتجاه واحد وهذا خطأ كبير وهذه الفكرة  يجب أن يتملصوا منها ويفكروا بشكل أوسع وأعمق ساعتها سينجحوا غير ذلك سنظل فترة كبيرة في هذا التخبط وحتى ولو وصلنا إلى تسويات ستكون تسويات وليست حلول ونحن نريد حلولاً جذرية لأزمتنا وشكرا لك مرة أخرى.


مجلة الفصول الأربعة | العدد: 126، السنة 32، يوليو – صيف 2020م.

ذات صلة

الضياع في غابة الإنسانية المتوحشة

suwaih

حوار مع الناقد والشاعر والباحث الأكاديمي الفلسطيني، الدكتور رامي أبو شهاب

suwaih

 الشاعرة الليبية/ عائشة إدريس المغربي : لا أؤمن بالثوابت في الشعر لأنني أنطلق من الحرية 

suwaih

حوار صريح مع المغنية اللبنانية الليدي مادونا عرنيطة

suwaih

الصحافة‭ ‬الورقية..في‭ ‬مواجهة‭ ‬الطوفان‭!!‬

suwaih

حوار مع الكاتب المغربي خالد أقلعي

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية