ظل الفراشات على أوراقي
في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، ولا أستطيع تحديد العام بدقة، لكن ما يؤرخ له هي بداية ظهور مواقع التدوين الخاصة على شبكة الإنترنت، أو ما سمي «مدونة»، وأذكر أن صديقي أحمد الفيتوري كان من السباقين إلى هذه التقنية الرقمية الجديدة، حتى أنه صمم لي مدونتي الخاصة في إحدى زياراتي له عندما كنت شبه أمي في هذا التقنية التي استقبلها الفيتوري بحماس وبهجة وصارت مدار حديثه.
في ذلك الوقت أخذت المدونات ــ على الأقل في ليبيا ــ شكل ومضمون حساب فيسبوك الذي عرفناه فيما بعد، فالمدونون حولوا هذا الفضاء الرقمي إلى حساب شخصي خاص بهم أو بنتاجهم أو بذكرياتهم، غير أن الفيتوري المهووس بالصحافة والحالم دائما بتأسيس صحيفته المستقلة الخاصة، وجد الفرصة عظيمة في هذا الفضاء الجديد، وأستطيع أن أقول إنه أسس الصحيفة الإلكترونية الأولى في ليبيا، ولا أجزم بذلك مع المدونات العربية، فلم تكن مدونته شخصية تهتم بشغله فقط لكنها انفتحت كمجلة سياسية اجتماعية ثقافية على كل ما يحدث حوله في هذه الدولة التي كان قد خرج من سجنها منذ عقد تقريباً، إلى اهتمامات عربية ودولية، وكان بمثابرة ينشر للجميع حتى أنه أتاح الباس وورد لمدونته لأصدقاء عدة كي يشاركوه تحرير هذه المدونة. سمّى مدونته «سريب» وهو الاسم السابق الذي لروايته الأولى، وتعني كلمة سريب في لهجتنا الكلام المتدفق الذي لا ينتهي ولا ينقطع.
وأصبح لمدونة سريب وقع مألوف على سمع كل من يهتم بالصحافة والثقافة في ليبيا، حيث أحمد لم يتحدث فيها عن نفسه كما كانت الكثير من المدونات، لكنها كانت بمساحة وطن تحيط به دوائر من الشؤون العربية ومن المسائل الدولية، بمعنى أنه اقتنص هذا الفضاء الرقمي لتأسيس جريدته، أو مجلته الخاصة دون حاجة للتنقل أو ضجيج المطابع أو مرور على رقابة المطبوعات، كان في مكتبه ببيته العتيق المطل على شارع جمال عبدالناصر، يجلس ساعات طويلة على كرسي الزان يطرق على الكيبورد محرراً ومخرجاً وموزعاً لهذه الصحيفة الإلكترونية دون أن يبرح مكانه، وتجربة سريب أصبحت فيما بعد ذخيرتنا وخلفيتنا وسندنا حين أسس بعد ثورة فبراير مباشرة صحيفته الورقية المستقلة ميادين.
كان أحمد يعد ملفات عديدة في «سريب» ويستنطق محيطه الثقافي بإلحاحه المعروف كي يشاركوه في إعداد وتعبئة هذه الملفات المتعلقة بكل الشؤون الثقافية الليبية، ومن ضمنها ذاك الملف الذي أعده عن مدينة درنة التي يرى دائما أنها مختلفة، عبر أسماء رأى أنها قادرة على وصف واستبطان روح هذه المدينة: نجيب الحصادي، فهيم المحجوب، أحمد بللو، عبد السلام العجيلي وأنا. تعودنا حين يكون الحديث عن درنة أن يرفق بصورة لأحد معالمها المعروفة، الجبل المحيط بها أو الشلال أو الصحابة مثلاً، لكن أحمد وضع على واجهة الملف صورة صديقنا رسام الكاريكاتير فتحي الشويهدي مع أنه لم يَرِد في الملف، وحين استغربت وسألته، قال لي لأن الشويهدي أيقونة درناوية بامتياز ويمثل روح درنة في كل شيء. ودائما كان الكائن الإنساني هو المَعْلَم الحقيقي في عقيدة الفيتوري.
عندما أحال لي أسئلته، ثم بعثت له محاولة إجاباتي عنها، نشر رسالتي له كمونولوج متدفق دون أسئلة أو تبويب، وانتبهت في تلك اللحظة لإمكانية كتابة سيرتي الشعرية انطلاقاً من هذا الاستجواب لذاكرتي الذي حفَّزتْهُ أسئلة الملف المستنطَقُ عبرها تأثير المكان في تكويني الشعري والثقافي، وأثر انتقالي إلى المدينة في بنية وخطاب قصيدتي.
ومن الملفات المهمة التي أنجزها حين رحل الشاعر المحبب لأحمد الفيتوري بسام حجار مع رحيل الشاعر المنبري الكبير محمود درويش، وسُلطت الأضواء، ذاك الوقت، على درويش، ليقبع حجار في تلك العتمة التي تتكثف عادة خلف الأضواء الساطعة، لكن مدونة سريب أشرعت صفحاتها الضوئية لملف ضخم عن بسام حجار استمر لأسابيع. قال لي أحمد مرة حين نقرأ قصائد شعراء عاديين تقول هذا شعر، ولكن حين تقرأ لبسام حجار تقول: هذا الشعر.
وبهذا الملف كان الفيتوري كأنه خط على شاهدة قبر حجار المنسي عبارة تقول: هنا يرقد شاعر موشوِشٌ لم ينتبه أحد لرحيله مثلما لم ينتبه أحد لمجيئه.
ورد في رسالتي (الحوار) التي بعثتها لسريب والتي ضمنتها في مخطوطي (بخور الشعر: سيرة قصيدة في المكان) تحت عنوان «ظلال الفراشات على أوراقي» لأني تعلمت أبجديتي الأولى على ضوء فتيل الفنار الزاحم بالفراشات التي كانت تنعكس ظلالها على الورق.
«أخي أحمد: أسئلتك كالعادة تربكني، وتبعث مزيداً من القلق في تجربة ما زالت تتربص بها الشكوك من طرفي، لكن إغراء مغازلتها بأجوبة ليست شافية يراودني، خصوصاً مع صديق قريب من روحي، يعرف تحت أي سياق يضع خطه، وعلى أي وجع يضع إصبعه.
أولاً، أتجرأ على أن أقول ــ محاوراً استفهامك حيال منبع السردية في قصيدتي، وبنوع من التعميم غير المخل ــ إن كل ما كُتب ويُكتب على الجدران أو أوراق البردي أو الألواح الطينية أو الورق الصقيل أو فوق صفحات الضوء لا يعدو كونه سرداً، التاريخ؛ الفلسفة؛ الفكر، الشعر؛ وبالطبع القصة والرواية. حين تدخل الأفكار أو الرؤى حيز الزمن لا يمكن إلا أن تكون سردية، وأنا لا أتصور كتابة أو فناً خارج الزمن بما فيها أقصى الفنون تجريدية؛ الموسيقى، سواء أكان الزمن تاريخياً أم متخيلاً أم فانتازياً.
ورغم ذلك نستطيع أن نجد ملمحاً سردياً واضحاً في قصيدة ما ومخفيّاً في قصيدة أخرى، فبعض التقنيات الشعرية تواري الحالة السردية تحت ألعاب زمنية داخل النص، أو من خلال التخلص من أدوات الربط بما فيها حرف الواو، فالزمن التوافقي الذي يعمل على تجاور أو تزامن أزمنة مختلفة عبر جمل أو صور متداخلة، يختلف عن الزمن الخطي الذي يأخذ فيه السرد راحته، وينمو كما في حكاية تقليدية، وأدوات الربط مثل الضمائر الغائبة تُستحضر أثناء القراءة.
كتبت القصة في بداية علاقتي بالقلم مع الخاطرة كتمرين على كتابة الشعر، وفي كلتا الحالتين كنت مأخوذاً بالوقائع والوصف، ربما يرجع هذا المنحى لطبيعة تنشئتي القروية وعلاقتي الحميمة الأولى بالخلاء. حين كنت صغيراً وأضطر للسير في طرق معتمة كنت أتحايل على الخوف بافتراض شخصية وهمية أتحدث معها، وأسرد لها حكايات مرتجلة. مثَّلَ هذا المجتمع في طبيعته مجتمعاً غنائياً بامتياز، حيث الولع بالمونولوجات وبالحكي الذي يسير بأبطاله في اتجاه واحد عبر زمن خطي.
كل تراث شعبي يجسد القريحة الغنائية بشكل ملحوظ، وضمن ولعي بالتجريب حاولت متعسفاً أن أتخلص من الغنائية التي استقبلتُها ضمن تكويني الثقافي كمسبة تلاحق الشعر، فبدأت أعمل على تعدد الأصوات داخل النص وحضور الشخصيات الهامشية المحيطة كأبطال للتجربة، لكن في مخطوطي الأخير «الوهابة سارقة الموسيقى» أعلن غربتي عن هذه التجربة وأعود لإيقاظ الذاكرة وتفكيكها عبر نصوص غنائية طويلة بعض الشيء، وفي هذه التجربة كنت مخلصاً لفتنة الحنين الإنساني إلى الطفولة حيث مرحلة التشكل والفضول واللعب دون تكلُّفٍ. وهنا كان السرد في أوجه رغم أني أخضعته لتقنيات زمنية مختلفة يتداخل فيها الراهن مع الذاكرة، الطفولة مع النضج، الهذيان مع اليقظة. الغريب أن الغنائية التي تشكل جوهر الشعر، تغدو في الرواية أو المسرح أو الخُطب السياسية ضرباً من الاستبداد الذي لا أتقبله، أو هذا ما أتصوره.
لا أستطيع أن أرسي أي علاقة جادة مع الفكر أو النقد، وكل ما كتبته في هذا الصدد كنت أضعه في سياق التأمل الشعري، لكن كتابة نص ما زال مشتَبهاً فيه نقدياً يفرض عليك المرافعة عنه بمثل هذه المقاربات النقدية.
لم يكن الخوض في مثل هذه الكتابة رصيناً أو منهجياً، لكنه كان محاولة لسرد التجربة الشخصية نقدياً في تواشجها مع محيطها العربي أو الإنساني. كتبتُ معظم ذلك في أعمدة صحفية لأنني أردت أن أكتفي بالإشارة، ولأن الحالة لم تكن خالية من الإلزام، وكما ضربت أنت أمثلة، هناك حالة ليبية من قِصر النفس في الكتابة.. ثمة دائماً أفكار مبتسرة، وطبعاً هذا لا يُنقص من أهمية انتباهها لزوايا غير منظورة غالباً، وإن كان يُنقص من فاعليتها في إنجاز تاريخ خاص بنا لكل أنواع هذه الكتابة، وأي كتابة خارج تاريخها تفقد ميزة المراكمة وتواصل الثيمات وتناسل الأسئلة. أعترف بحالة كسل قروية تجعلني ألامس المواضيع دون أن أتوغل فيها، لأن مثل هذا التوغل أو التغول المعرفي يحتاج إلى تعب أتجنبه.
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…
بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…