مجلة رؤى
في عدد مزدوج يمتد من خريف 2023 إلى شتاء 2026، مجلة فكرية محكمة تعيد الاعتبار للتراث الفقهي وتواكب راهن السينما والأدب
في زمن يموج بالتحولات والصراعات، تصدر مجلة “رؤى” الفصلية المحكمة عن وكالة الأنباء الليبية بعددها الجديد (62) لشتاء 2026، حاملة عنواناً رئيسياً لافتاً: “صخب الأوطان”، وملفاً خاصاً موسعاً عن “المذهب المالكي والهوية الليبية”، في محاولة جادة لاستنطاق التراث الفقهي كمرجعية فكرية واجتماعية قادرة على تعزيز النسيج الوطني.
العدد الذي يقع في أكثر من 130 صفحة من القطع المتوسط، يضم نخبة من الأكاديميين والكتاب والمبدعين من ليبيا والعالم العربي، في توليفة تجمع بين العمق الفلسفي، والرصد النقدي، والإبداع الشعري والقصصي، ليكون العدد بمثابة وثيقة ثقافية جامعة تعكس راهن المشهد العربي.
يأتي ملف العدد الخاص تحت عنوان “المذهب المالكي: مرجعية فكرية واجتماعية تعزز الهوية الليبية”، بإشراف وتنسيق د. علي البوجديدي، حيث يسعى إلى تفكيك العلاقة العضوية بين الفقه المالكي والممارسة الاجتماعية في ليبيا، بعيداً عن التنظير المجرد.
تستعرض د. زكية بالناصر القعود في مقالها الافتتاحي كيف تجاوز المذهب المالكي كونه مجرد مدرسة فقهية إلى “جزء أصيل من الهوية الوطنية الليبية ومنظومة قيمها الاجتماعية والثقافية”، مؤكدة أن “تمسك الليبيين بالمذهب المالكي عبر القرون لم يكن مجرد التزام فقهي، بل هو اختيار حضاري وهويوي، صاغ الشخصية الدينية والاجتماعية للبلاد في توازن فريد بين الدين والعرف”.
وتتتبع الكاتبة مظاهر التجلي المالكي في الحياة اليومية، خاصة في المناسبات الدينية الكبرى:
أما في الجانب الأسري، فتُظهر الكاتبة كيف نظم الفقه المالكي العلاقات الأسرية والعقود، خصوصاً عقد الزواج الذي وصفه المالكية بـ”الميثاق الغليظ” القائم على المودة والرحمة، وانعكس ذلك في مراسم الزواج الليبي من “عقد الفاتحة” إلى إحياء المدائح النبوية في الليالي السابقة للزفاف، مما جعل من الزواج “مظهراً من مظاهر التلاحم الاجتماعي الذي يعكس وحدة العادات والدين”.
وتخلص الباحثة إلى أن “المالكية في ليبيا ليست مذهباً فقهياً فحسب، بل منظومة حضارية وثقافية صاغت الوعي الجمعي، وربطت التراث الديني بالمستقبل الاجتماعي، لتشكل العمود الفقري لاستمرارية الهوية الليبية الأصيلة في وجه تحديات العولمة والتحولات الثقافية”.
في رحاب الفلسفة، يقدم حسن المغربي قراءة عميقة في كتاب كلود ليفي شتراوس “العرق والتاريخ”، تحت عنوان “وهم التقدم وأخلاق الاختلاف”، حيث يتوقف عند مقولة شتراوس الشهيرة: “البربري هو قبل كل شيء الإنسان الذي يعتقد بوجود البربرية”. يرى الكاتب أن شتراوس ينتفض ضد مركزية الحضارة الغربية ويدعو إلى “تعاون الثقافات”، مؤكداً أن التاريخ “ليس نتاج عبقرية حضارية منفردة، بل نتيجة تفاعل بنيوي بين أنساق ثقافية متغايرة، يشبه في منطقه تركيباً موسيقياً لا تتحقق قيمته إلا بتعدد الأصوات”.
من جانبه، يتناول د. صالح الدين زيربو رؤية الفيلسوف الفرنسي إدغار موران التعقيدية في مقاله “بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة”، شارحاً كيف يرفض موران الثنائيات التقليدية الفاصلة بين الطبيعة والثقافة، معتبراً الإنسان “كائناً ثقافياً بالطبيعة، لأنه طبيعي بالثقافة”.
وفي سياق عربي مغاربي، يعود د. زيربو في مقال آخر ليفتح ملفاً ساخناً وشائكاً: “الدرس الفلسفي في المغرب: بين ترسيخ قيم النقد والسؤال وعائق اللغة”، حيث يناقش إشكالية تدريس الفلسفة بالعربية الفصحى في مجتمع لغته الحية هي الدارجة والأمازيغية. يرى الكاتب أن “غياب الطلاقة اللغوية يجعل المتعلم أقل قدرة على تلمس العلاقات بين المفاهيم، واستكشاف التناقضات”، مقترحاً اعتماد “مقاربة تدريجية تستعمل اللغة المعيشة خلال الثلث الأول من الحصة لتحرير التفكير وكشف التمثلات، ثم الانتقال المنهجي إلى العربية الفصحى في مرحلة التحليل وبناء الخلاصة”.
أما د. غزال هاشمي فيأخذنا في رحلة معرفية مع كتاب الفيلسوف العراقي الراحل رسول محمد رسول “رؤى ما بعد الاستشراق”، موضحاً كيف سعت هذه الرؤية إلى تجاوز الاستشراق التقليدي عبر “دراسات ميدانية معاينة للإسلام المعاصر”، بعيداً عن التنميطات الجاهزة.
تخصص المجلة مساحة لافتة للسينما، حيث يكتب د. هاني حجاج عن التجربة الاستثنائية للممثلة الأمريكية جودي فوستر في فيلم الإثارة الفرنسي “حياة خاصة” (Une vie privée) للمخرجة ريبيكا زلوتوفسكي. يتوقف الكاتب عند ندرة مشاهدة ممثل أمريكي يؤدي دوراً بالفرنسية بطاقة وسلاسة، مشيراً إلى أن فوستر “تجسد ببراعة امرأة عالقة في دوامة التحويل والكبت”، في فيلم “يتخذ شكل لغز جريمة قتل ساخر مع جانب من الميلودراما الصوفية”. ويخلص إلى أن “الفيلم يستحق المشاهدة لمجرد أداء فوستر المتميز، الذي يُبقي القصة متماسكة”.
أما فيلم “نورنبرغ” (2025) من بطولة راسل كرو ورامي مالك وإخراج جيمس فاندربلت، فتقف عنده الكاتبة لتتأمل كيف يعالج قضايا الشر والمسؤولية. تذهب الكاتبة إلى أن الفيلم “يقدم لمن يبحث -وفي ماهية سردية- ومضات صغيرة تدفع لطرح أسئلة كبيرة”، مركزة على شخصية هيرمان غورينغ التي “تظهر وديعاً حكيماً على مدار الدقائق، فنبحث عن الغلظة والوحشية التي توقعها، لكننا نفشل في العثور عليها، لنجد أنفسنا أمام تناقض مبهر”. وتشير إلى أن الفيلم لا يكتفي بمحاكمة النازيين، بل يضع المتفرج أمام “صراع داخلي محقق، قوامه فعل الخيانة المشين، المطعّم ببريق الانتماء الوطني”.
ويطل علينا عمرو أبو العطا بتغطية خاصة لفيلم وثائقي جديد للمخرج أحمد خالد يحمل عنوان “فاطمة الشقراء”، يعيد فيه إحياء قصة الفتاة التترية التي أصبحت سلطانة على مصر في القرن الخامس عشر. الفيلم الذي يتنقل بين القاهرة وقازان عاصمة تتارستان، يكشف عن “الجسور المفقودة بين التاريخ والفن”، ويؤكد أن “المعرفة التاريخية حين تتفاعل مع الفن يمكن أن تعيد تشكيل فهمنا للهوية والتعايش”.
ضمن زاوية الحوارات، يلتقي السيد حسين مع الروائية والإعلامية د. صفاء النجار في حوار خاص، تتحدث فيه عن مسيرتها الإبداعية التي مزجت بين الصحافة والأدب. تقول النجار: “لا أكتب نفسي، بل أكتب شخصيات فيها من التشابهات معي بمقدار ما تتشابه مع شخصيات أخرى في الواقع، والخيال يلعب الدور الأكبر في رسم ملامح الشخصيات وسلوكها”، مضيفة أن “الرواية عالم واسع ممتد، حياة موازية، تستطيع أن تقول فيه كل ما تريد”.
وعن جدوى الكتابة، ترى أن “الإبداع يمكن أن يطلق الوعي لدى المجتمع عبر توفير مناخ التفكير والاختلاف ومناقشة المسلمات والمقدسات”، مؤكدة أن “حرية التفكير هي الشعلة التي تنير طريق الوعي”.
وفي باب الترجمة، يقدم د. فيصل أبو الطفيل ترجمة لحوار مطول مع الكاتب الفرنسي الحائز على نوبل، باتريك موديانو، بعنوان “موديانو: ما بين السطور”، يتحدث فيه عن بداياته الصعبة، مخطوطته المفقودة، تقنياته في الحذف والتخفيف، مشبهاً الكتابة بـ”جراحة مجهرية دقيقة”. ويقول موديانو: “عندما نحلم بالكتاب الذي سنؤلفه، يبدو أكبر بكثير مما يتجسد فعلياً على الصفحة”.
كما نقرأ ترجمة الحسن عال لمقال جان فرانسوا دورتييه الموسوعي “عالم الأفكار: ما الذي حدث منذ عام 1900؟”، الذي يستعرض التطورات الهائلة في العلوم والتقنيات والفنون خلال القرن العشرين، من ولادة السينما والطيران إلى نظرية النسبية وفيزياء الكم، وصولاً إلى تحديات الذكاء الاصطناعي.
في حقل الدراسات الأدبية، تقدم د. نادية هناوي قراءة نقدية معمقة في رواية “تحولات الإنسان الذهبي” للروائي السوري نبيل سليمان، تحت عنوان “السرد غير الواقعي والمنظور المقلوب”. تتتبع الباحثة جماليات هذا النمط السردي الذي يتجاوز الفنتازيا التقليدية، عبر بطل الرواية “الأستاذ الحمار” الذي يتحول إلى إنسان، ليقدم “منظوراً مقلوباً” يعري به الواقع.
أما د. سعيد بكور فيفتح ملفاً إشكالياً طالما أثار الجدل في المشهد الثقافي العربي، عبر استطلاع آراء ورؤى مجموعة من الشعراء والنقاد حول “قصيدة النثر: جدل الهوية والشكل والشريعة”. يستعرض الباحث آراء متباينة حول شرعية هذا الشكل وعلاقته بالوزن والإيقاع، وقدرته على تحقيق الجماهيرية. ويرى أن “أكبر خطأ وقع فيه مناصرو الموزون ومناصرو النثيرة هو النظرة الإقصائية التي تلغي الآخر”، داعياً إلى النظر إلى كل شكل على أنه مستقل بجمالياته.
ويكتب سعيد بوعيطة عن ديوان “أرض تحلم بالقيامة” للشاعر إبراهيم قازو، في دراسة بعنوان “المنحى الوجودي وبناء التوازي النصي”، محللاً توظيف ثنائية الموت والانتصار، وأسلوب التطابق البلاغي والتوازي الصوتي والدلالي في نصوص الديوان.
كما تقدم د. مياة أنور الصعيدي دراسة عن مسرحيات الكاتب العماني محمد بن سيف الرحبي، بعنوان “التوهج الفني والغنى الدلالي”، متوقفة عند “انزياحاته اللغوية وتكراره المتشرب وجماله الفني المتسرب”.
يأتي ملف العدد الإبداعي تحت عنوان “صخب الأوطان”، بإشراف وتنسيق د. علي البوجديدي، ويضم نصوصاً لكتاب من مختلف أنحاء الوطن العربي تعبر عن هموم الأوطان وآلامها. يشارك في الملف كل من: محمد عبد الإله شياع، فتحي نصيب (قصة)، يوسف أحمد أبو ريدة (دروب الفراد)، دجلة العامري، سامي عوض الله البيتجالي، لبنى ياسين، منى عارف، سعد ياسين يوسف، ونيسان سليم رأفت.
كما يحتوي العدد على مجموعة من القصص الليبية القصيرة، منها:
وفي باب الترجمات، نقرأ قصيدة “الغرابان” (من الشعر الإنجليزي القديم) بترجمة محمد محمد السنباطي، بالإضافة إلى مقالات وقصص مترجمة عن الصينية.
يأتي العدد 62 من مجلة “رؤى” ليعيد تأكيد مكانتها كمنبر ثقافي وفكري متميز، يجمع بين الأصالة والراهنية، وبين التراث والإبداع. في زمن يسوده “صخب الأوطان”، تقدم المجلة قراءة متأنية وعميقة للهوية، وللفكر، وللفن، مؤكدة أن الثقافة هي الملاذ الأخير لصون الكرامة وبناء المستقبل.
رئيس التحرير: نور الدين الماقني
مدير التحرير: حسن المغربي
لجنة التحكيم (الاستشاريين):
تصميم وإخراج: نور الدين الماقني (تصميم)، فاطمة بن دردف (إخراج)
جمع مرئي: عائشة نور الدين
للتواصل والمراسلات:
Rua_mag@yahoo.com
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…
بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…