نبضات
شموعي التي لا تنطفئ
سمية عبدالمنعم

تتكسر الأعوام على أيامنا، كرماحٍ يقذفها القدر.. فسنة تلو سنة، ونحن نقف على طرف ممر لا نهاية له، ننتظر ضوءا ينير ظلمة كادت أن تبتلعنا.
هكذا مع كل عام يغادرني، أقف مع ذاتي موقف الجلاد، كم حلما تمنيته واستطعت إنجازه في ذاك العام المنقضي؟ كم قصة كتبتُ أو قصيدة، كم كتابا أصدرتُ؟ هل استطعت تعلم تلك اللغة التي أردت؟ هذا البحث الذي أفكر في إنجازه.. هل تم؟ هل حققت لأبنائي ما يصبون إليه؟ أم أن في نفوسهم طلبا منعه الخجل عني؟
هل.. وهل…
أمسك بأمنياتي التى حققت بيميني، بينما ترقد تلك التي لم تحقق بيساري، كجثة هامدة، فيما أصر مطلع كل عام من عمري، على تغيير دفة تفكيري، لربما حققت ما عصي على التحقق يوما..
يتعجب الأولاد والأحباب من رفضي لعكعة عيد الميلاد، رغم فرحتي بها التي مازالت تشبه فرحة طفلة في الخامسة، لكنني أعذر جهلهم بما يموج داخلي من أفكار حين أتوسطهم وأنظر إلى الرقم الذي ينغرز في الكعكة ويتكون من شمعتين، تمثلان رقمين حاصل مجموعهما هو عمري الجديد، أقف وأنا أنتظر لحظة إطفائي للشموع بتخوف؛ فأي أمنية سأطلقها لتتعلق ساخنة بالدخان المتصاعد نحو السماء، علّها تتحقق؟
وهل عساي أفكر في الجديد وما مضى من أحلام لم أحقق معظمه بعد؟
اليوم أتأمل أربعة وأربعين شمعة أطفأها نيابة عني المحبون وتمنوا لي في نفوسهم المحبة ما تمنوا، لكنني أنظر إلى الشمعة الخامسة والأربعين والتي تبتسم لي ابتسامة غامضة أعرفها حق المعرفة، فأتحسس موضع قلبي، وأحوقل.. لا، لن أطفئها، فماذا عساه يحدث إن أنا تركتها مشتعلة، ينبعث منها دخان هادئ، لا يحمل شيئا من أحلامنا أو أوهامنا؟ دعوه يتخفف منها لعام واحد، علّ الأمنيات حين تبقى على الأرض تتحقق.. ولعلي أراها من زاوية جديدة، ومبررات جديدة.
على الضفة الأخرى من التفكير أنظر لنفسي نظرة لوم عظيم، فما تحقق ربما فاق ما تمنيته، حتى وإن جاء متأخرا، فلعل التأخر خير، والمنع خير، ويكفي المرء منا لحظة سكينة، ورضا عن أولاده، وعن إنجازات يراها عادية ويراها الآخرون إعجازا، يكفيني من الحياة ألمًا مر وصحة استرددتها بعد مرض طال، ولطفًا من الله شمل ضعفي وعجز من حولي أمام معاناة لا سبيل لهم في محوها؛ فإذا برحمةٍ من الله تنجيني..
يكفيني منحة حب الناس ودعائهم حين الكرب، وفرحهم في لحظات السعادة.. يكفيني أنني لست وحدي، رغم ما يبدو ظاهرا للغير، فمن رُزق عناية الخالق ليس بوحيد، ومن التف حوله الأحباب والأصدقاء والأولاد ليس وحيدا، بل الوحيد من حُرم لطف الله، ومن تخلى عنه المحيطون وانتفت عنه أسباب الحياة.
إذن.. فلأشعل شمعتي الجديدة.. ولكن ليس انتظارًا للقادم من الأمنيات، فأنا هذا العام سأطارد أحلامي، حلما وراء حلم، حتى أحققها ولو صعبت، فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.

