الروايات الثلاث التي فازت دورات 2025 و2023 و2022 صدرت جميعها عن دار مسكيلياني
منذ دورتها الأولى عام 2008، لم يتوقف الجدل حول نتائج الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)؛ كثير منه ركّز على خيارات لجان التحكيم لمضامين الروايات الفائزة أو توزيعها الجغرافي، وقليله توجه لنقد الأعمال المتوّجة ضمن مستواها الفني والجمالي. هذا العام، وبعد إعلان القائمة الطويلة لنسخة 2026 بأيام، نشر الكاتب العُماني سليمان المعمري مقالاً بعنوان “جائزة البوكر ودار النشر الواحدة!”، لفت فيه إلى أن الناقد والباحث التونسي محمد القاضي رئيس لجنة تحكيم الدورة الحالية، ارتبط مهنياً بدار نشر مسكيلياني التي يحضر اسمها بقوة في السنوات الخمس، مستعرضاً فوز ثلاث روايات خلالها من منشورات الدار، ووصول روايتين من منشوراتها إلى القائمة الطويلة عام 2024، وصلت إحداهما إلى القائمة القصيرة، وثلاث روايات في القائمة الطويلة لسنة 2021، صعدت اثنتان منها إلى القصيرة.
وأوضح المعمري أن القاضي أشرف أيضاً على الترجمات الفرنسية في دار رشم التي يربطها تعاون وثيق مع مسكيلياني أثمر عن فوز لروايتين (نشر مشترك بين الدارين) عامي 2022 و2023، مؤكداً أن العلاقة المهنية، بحد ذاتها، ليست تهمة ولا دليلاً على خرق نزاهة التحكيم، لكنه رأى أن الجوائز الكبرى تستدعي عادة قدراً أعلى من الإفصاح والشفافية، حمايةً للجائزة نفسها قبل أي شيء آخر، وأم كثيراً من الجوائز العالمية تعالج هذه الإشكاليات عبر إعلان سياسات واضحة لتضارب المصالح، أو عبر تنحّي المحكِّم عن تقييم أعمال له صلة مباشرة أو غير مباشرة بدور نشرها، سواء عبر العمل معها في فترة تحكيمه، أو عمل معها سابقاً.
شوقي العنيزي مالك دار مسكيلياني، توقّف في حديثه لـ”العربي الجديد” عند الإعلان عن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربيّة 2026، والتي لم تتضمّن أيّ رواية صادرة عن دار مسكيلياني بمؤسّستيْها التونسية والإماراتية، رغم أنهما رشّحتا في هذه الدورة ثماني روايات، مستهجناً نشر مقال المعمري بعنوانه مع أن القائمة أتت خالية من منشورات الدار، وأن رواية “أيام الفاطمي المقتول” لنزار شقرون التي تضمّنتها القائمة الطويلة، صدرت عن دار صفصافة المصرية وحقوقها العربية تعود إلى صفصافة وترقيمها الدولي هو ترقيم مصري، وليس لدار مسكيلياني منها غير حقوق الطبعة التونسية، وهي عادة دأبت عليها الدار مع كثير من الزملاء الناشرين من أجل توفير الأعمال الجيّدة للقارئ التونسي، مضيفاً “حتّى لو سلّمنا جدَلًا بأنّ حقوق الأعمال الروائية الصادرة بالاشتراك تعود إلى مسكيلياني، ورُشّحت باسم دار نشر ثانية، فليس هناك في قانون الجائزة ما يمنع النشر المشترك أو الترشّح بكتب صادرة في طبعات مشتركة”.
توزّعت الأعمال الفائزة منذ تأسيس الجائزة على 11 دار نشر
وأكد العنيزي أنه ليس بين الدار والقاضي أيّ عقد عمل، ولا استمرارية في التعاون معه، والدار تفيد من كفاءته العالية في مجال السرديّات مثلما تفيد منها دور عديدة أخرى في تونس، مع العلم أنّ عدد الأعمال التي تعاملت فيها الدار مع القاضي لم يتجاوز أربعة أعمال خلال سنتي 2023 و2024. وعن فكرة “تضارب المصالح المحتمل” حسب عبارة المعمري، عاد العنيزي إلى سنة 2021، حين فازت رواية “دفاتر الوراق” بالبوكر وهي صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ولكن لا أحد أشار إلى تضارب المصالح، وقد كانت الأعمال الكاملة لرئيس لجنة التحكيم شوقي بزيع صادرة عن دار النشر المتوجة ذاتها؛ أي المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وفي سنة 2023 كان رئيس اللجنة محمد الأشعري وهو ينشر أعماله لدى منشورات المتوسط التي وصلت روايتان من منشوراتها إلى القائمة الطويلة.
وعند تتبع دور النشر الفائزة بالجائزة، تحضر دار الشروق المصرية بروايتين (2008 و2009)، ومنشورات الجمل بروايتين (2010 و2014)، والمركز الثقافي العربي بالروايتين الفائزتين مناصفة عام 2011، والرواية الفائزة سنة 2012 بالاشتراك مع دار الآداب التي فازت روايتان من منشوراتها عام 2019 و2024 أيضاً، والدار العربية للعلوم ناشرون بروايتين (2013 و2018)، ودار التنوير برواية واحدة (2015)، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر بروايتين (2016 و2021)، ودار الساقي برواية واحدة (2017)، ودار ميم برواية واحدة (2020)، ودار رشم بروايتين بالاشتراك مع مسكيلياني التي نالت رواية من منشوراتها الجائزة العام الماضي كذلك.
قضيتان اثنتان طرحهما العنيزي في ردّه؛ الأولى الإيهام بأن الجائزة العالميّة للرواية العربية تستعين في كلّ دورة برئيس لجنة تحكيم، أمّا بقية أعضاء اللجنة الأربعة فمجرّد ديكور، والثانية بكفاءة لجنة التحكيم، فإذا كان أعضاؤها كتّاباً ونقّاداً ينشرون أعمالهم في دور نشر عربية، فهل يجب أن يُقصى الناشر الذي نشر لأيّ عضو في اللجنة من الترشح أم يجب أن تشكل لجنة لا يصدر أعضاؤها أعمالهم عن أية دار نشر عربية.
من جهة أخرى، اعترض العنيزي على المعايير التي أوردها المعمري لتجنّب الوقوع في تضارب المصالح، إذ إن هذا الأمرَ غير ممكن عملياً ما دام عمل اللجنة سرياً ولا يُعرف أعضاؤها إلّا عند الإعلان عن الجائزة، وبذلك فإنّ إخبار الناشر أو الناشرين المعنيّين بتضارب المصالح يخرق أهمّ مبدأ في الجوائز الكبرى وهو سريّة اللّجان، كما أنّ الأمر غير ممكن ما دام أعضاء اللّجان كتّاباً لهم إصدارات في دور نشر. ومبدأ الحياد أو تجنّب تضارب المصالح هو دوماً من مشمولات منسّق الجائزة الذي يتابع مداولات أعضاء اللّجنة ويحرص على تطبيق لوائح الجائزة وضمان الشفافيّة والنزاهة داخلها. وقدّم صاحب مسكيلياني أمثلة من جوائز عالمية، ومنها جائزة الغونكور الفرنسية التي اشترطت بداية من 2008، ألّا يكون المحكّم موظّفاً يعمل لدى دار النشر أي يعمل معها بعقد، وليس كاتباً ينشر عندها أو مستشاراً حرّاً تتعامل معه بين فترة وأخرى، فأغلب أعضاء أكاديميّة غونكور ينشرون أعمالهم لدى دار غاليمار (التي فازت منشوراتها حوالي 40 مرة بالجائزة)، موضحاً أنّ عمليّة النشر بهذا المعنى قائمة على مصالح مادية ومعنوية بين الطرفين لأنّ الكاتب يتقاضى حقوق كتبه من الناشر، ومع ذلك لم يشكّك أحد في جائزة الغونكور، وهو ما ينطبق على دور نشر مثل Knopf في حال جائزة بوليتزر.
وقد أثار العنيزي في السياق ذاته القضيّة بشكلٍ معاكسٍ مستعملاً عبارة “تضارب الأحقاد”، فإذا كنّا نفكّر دوماً في “تضارب المصالح” من أجل النزاهة والشفافيّة، فما الّذي يحول دون “تضارب الأحقاد” خاصة إذا رُفضت لأحد أعضاء اللجنة رواية أو ترجمة من الدار، وقد أشار صاحب دار ميسكلياني في هذا الإطار إلى عضو لجنة التحكيم شاكر النّوري، مذكّراً بأنّ الدار لم تنشر له روايته الموسومة بـ”الرواية العمياء” سنة 2020، فما الّذي يحول دون تصفية حساب مع الناشر بالسعي إلى إقصاء كلّ أعماله المرشّحة والتذرّع بأي ذريعة لتبرير هذا الإقصاء؟
إنّ هذا السؤال يعود بنا إلى فكرة الضمانة في أعمال اللّجان، وهذه الضمانة لا يستطيع توفيرها غير منسّقة الجائزة نفسها سواء كنّا نتحدّث عن “تضارب مصالح” أم “تضارب أحقاد”، فمنسّقة الجائزة هي وحدها المخوّلة بحكم متابعتها لأعمال اللّجان بكشف أيّ تحامل مقنّع يمارسه أيّ عضو من أعضاء اللجنة أثناء مداولاتها، وهي وحدها المؤهّلة بالحكم على مدى تطابق أعمال اللّجنة مع لوائح الجائزة، بحسب العنيزي.
وحول معايير اختيار لجان التحكيم، تساءل العنيزي: هل يُعقل أن يكون كلّ أعضاء اللجنة من الأكاديميين ولا وجود لأيّ روائيّ من بينهم مثلما حدث في الدورة الماضية سنة 2025؟ وهل يُعقل أن يكون من ضمن أعضاء اللجنة روائيّون ترشّحت أعمالهم للبوكر في أكثر من دورة ولم يدخل عمل واحد منها ضمن القائمة الطويلة ولو دورة واحدة؟ لأنّ الغاية تبقى في النهاية هي اختيار لجنة تحكيم متناسقة من الكفاءات وليس لجنة متفاوتة. ففي ظلّ غياب لجنة متناسقة من الكفاءات تصبح آليّة عمل اللجنة نفسها موضع تساؤل، فهل يُعقل أن تُمارس آليّة التصويت في لجنة يكون صوتُ الخبير فيها مماثلاً تماماً لصوتِ الهاوي؟ وهل يُعقل أصلاً أن نتحدّث عن آليّة تصويت في مجال أساسه الحجّة والبرهان، لا مجرّد الرغبة أو النيّة والذوق؟ وختم صاحب مسكيلياني قوله بأنّ الجائزة تبقى مكسباً أساسيّاً للكتّاب والناشرين والقرّاء، وأنّ أي نقد حقيقي يُوجّه إليها إنّما يسعى إلى تطويرها كي تحافظ على معيارَي الجودة والمصداقية.

