رحيل محمد حربي: انتصر لضميره رافضًا انحرافات ثورة بطولية
رحل المؤرخ والمناضل السياسي التاريخي، والباحث الأكاديمي، والأستاذ الجامعي الجزائري، محمد حربي، في الفاتح من السنة الجديدة، في باريس، عن عمر يناهز الثانية والتسعين (1933 ــ 2026) متأثرًا بعدوى رئوية في مستشفى سان أنطوان (القديس أنطوان)، الذي تعالج فيه الروائي الطاهر وطار قبل وفاته في الجزائر.
ترك الراحل إرثًا علميًا يتمثل في كتب مرجعية لا يختلف حول تفنيدها البحثي الدامغ للقراءة الرسمية الأحادية الطابع للثورة والاستقلال، مثل كتاب “جبهة التحرير الوطني: سراب وواقع”، الذي منع تداوله لسنوات، وكاد أن يتسبب في سجن طالب جامعي عام 1982 بسبب حاجته العلمية للكتاب التاريخي (جدار صفحة يخلف عبد الفيسبوكية).
نعى الراحل كثير من السياسيين الرسميين، والمثقفين والإعلاميين، الذين يشاطرونه توجهه الماركسي، أسوة بآخرين كثر يختلفون مع توجهه الفكري كأبرز مثقف وممثل لليسار في جبهة التحرير الوطني التي أصبحت الواجهة الأولى والرئيسة لحكم عسكري. كما أكد ذلك مرارًا وتكرارًا في حواراته العديدة المتداولة على أوسع نطاق ساعة تحرير هذا المقال.
“ضفة ثالثة”، التي انفردت عربيًا، وربما عالميًا، بنشر الحوار الأخير معه قبل حوالي شهر، تعود للرجل ميتًا، بعد أن طارده مراسلها مريضًا حيًا لسنوات، قبل أن يظفر بلقاء تاريخي مثل عصاه التاريخية التي ساعدته على تجنب التعثر قبل وصوله إلى المقهى الشعبي الذي يرتاده المهاجرون الجزائريون في حي “منيلمنتو” القريب من مقر سكناه المتواضع في “ببلفيل”.
مثقف الماركسية كمقاربة ثورية
الراحل المنحدر من عائلة أغنياء نبلاء بمنطقة “الحروش” القريبة من سكيكدة بشرق الجزائر، انطلق بمعانقة الماركسية وهو طالب في الثانوية بفضل أستاذيه في التاريخ، الأمر الذي تركه يقارب الثورة الجزائرية شابًا يافعًا بروح عقائدية اشتراكية لازمته حتى عشية لفظ أنفاسه في ليلة باردة جدًا بعيدًا عن وطنه في منفاه الباريسي الذي شهد على كفاحه ضد أشرس استعمارييها. توزعّ تاريخه النضالي الاستثنائي مبكرًا في صفوف جبهة التحرير خارجًا من رحم حزب الشعب، وحركة انتصار الحريات الديمقراطية، بالتزامن مع تخصصه في الفلسفة بعد نيله شهادة البكالوريا عام 1952 في التاريخ. هو يساري الجناح الاشتراكي في جبهة التحرير، وأحد أبرز أممييها المتراوحين بين الشيوعية والتروتسكية. نحت اسمه بأحرف من نور كأحد أبرز الثوار الجزائريين عبر الاتحاد العام للطلاب المسلمين الجزائريين (1955) قبل أن يبتعد عن فيدرالية جبهة التحرير في باريس إثر اغتيال رفيق الدرب النضالي، الواحد عبان رمضان عام 1958. الراحل الذي نجا من التصفية، شأن عبان وآخرين، تقاطع تصوره غير الشعبوي للثورة الجزائرية ولاستقلالها في نظره بمعارضته التفسير الخرافي لوطنيي جبهة تحرير انحرفت عن أهداف الثورة والاستقلال بتصوره. السفير الجزائري اللاحق في غينيا عام (1961 ــ 1962)، ومساعد كريم بلقاسم نائب رئيس الحكومة المؤقتة (اغتيل عام 1970 في فرانكفورت بألمانيا)، والمشارك في مفاوضات إيفيان الأولى للاستقلال، رافق الرئيس الأول الراحل بن بلة مستشارًا له، داعيًا إلى تطبيق التسيير الزراعي الذاتي حتى عام 1965، تاريخ رفضه للانقلاب الذي قاده الرئيس الراحل الثاني هواري بومدين. نفت سلطات تلك الفترة عام 1968 الراحل إلى أدرار مدينة سحر الصحراء مع رفيق دربه الأيديولوجي حسين زهوان، حسب الأستاذ عبد القادر بكراوي (ابن المدينة المعروفة بتقنية الفقارات للسقي)، والذي شهد عبر صفحته الفيسبوكية على تواضع ودماثة أخلاق رجل كان يرفض كل أنواع المساعدات الرسمية. أصبح الراحل أحد أكبر وأشهر المؤرخين في باريس من مطلع السبعينيات حتى تاريخ وفاته، وأبرز بروفيسور في جامعات باريسية (باريس 8)، و(باريس ديكارت)، و(باريس 7). عاد إلى الجزائر لأول مرة عام 1991.
كتب تاريخية تتركه حيًا يرزق
| “ترك الراحل إرثًا علميًا يتمثل في كتب مرجعية لا يختلف حول تفنيدها البحثي الدامغ للقراءة الرسمية الأحادية الطابع للثورة والاستقلال، مثل كتاب “جبهة التحرير الوطني: سراب وواقع”، الذي منع تداوله لسنوات” |
مدير مجلة “الثورة الأفريقية” (1963 ــ 1964)، وحامل أفكار المناضل المغربي الراحل الكبير المهدي بن بركة، وكبار القادة اليساريين عربيًا وأفريقيا وعالميًا، وأحد المؤسسين لـ”منظمة المقاومة الشعبية”، والمّنّددين بالتعذيب، ذاق طعم السجن (1965 ــ 1968)، والإقامة الجبرية (1971)، قبل فراره من السجن نحو فرنسا عام 1973. في باريس، صنع لنفسه وجودًا ثانيًا وغير مسبوق في تاريخ رفقاء دربه بمختلف توجهاتهم، وأصبح مرجعًا أكاديميًا في تفكيك ونزع الهالة التقديسية عن تاريخ ثورة واستقلال شعب قام بحراك سلمي مذهل جسده الراحل هو الآخر بسلمية فكرية وصلبة قبل عقود. الكتب التاريخية التي ستشهد على بقائه حيًا يرزق من دون جسد مثل صناع التاريخ غير العادي، وذات الطابع البحثي العميق والعجيب والعاكس لسيكولوجية صاحب النفس الطويل، كثيرة ونوعية(1).
كتب تفرض نفسها على مناصريه وعلى خصومه سياسيًا وفكريًا، وهي الكتب التي لم تعرف بالقدر الكافي في بلده، وفي الوطن العربي، بالعالم الأنغلوساكسوني لبقائها حبيسة اللغة الفرنسية التي لم يوظفها كزاني، أو كقاطع تاريخ.
النعي بين الصمت والرقابة الذاتية
الانفجار الفيسبوكي الذي ما زال يدل على حزن مناصريه وخصومه الأيديولوجيين الكثر في ظل صمت كثير من أعدائه الذين وصفهم بالشعبوية، حقيقة تاريخية أخرى انتصرت للرجل الذي فاز أخلاقيًا بتلبية نداء ضميره وأخلاقه وأفكاره ومعتقداته القابلة للنقاش والنقد، كما أشار إلى ذلك الأستاذ مولود عويمر، المؤرخ مثله، في مقاله الفيسبوكي الشامل والناقد للطرح الماركسي الخالص للثورة كما عالجها حربي. خلافًا للذين التزموا الصمت، أو كتبوا مّكّرمين الراحل، ممارسين رقابة ذاتية نوعية وعالية المستوى، كتب ناصر جابي، المّحّلل الاجتماعي، مستبقًا موت حربي مقالًا ارتقى به إلى حقيقة هويته السياسية الناقدة والمسكوت عليها لحكم قام على التزييف السياسي الذي كان منطلق كل تحاليل المؤرخ الكبير وغير المسموح بالجهر بها بوطنه حتى بعد رحيله، كما جاءت في كتبه. وحده، الأستاذ عبد الوهاب يعقوبي (النائب الممثل للجالية الجزائرية في الخارج عن حزب “حمص” الإسلامي والإصلاحي النزعة) خرج عن السرب العام والخاص ناعيًا الراحل، ومعزيًا عائلة الفقيد بقوله: “ساهم بعد الاستقلال في بناء مِؤسسات الدولة قبل أن يدفع ثمن رفضه للانحرافات اعتقالًا، ثم إقصاء، ثم منفى. كتب تاريخًا أعاد الاعتبار للعقل وللتعددية، مذكرًا بأن الثورة كانت مسارًا إنسانيًا معقدًا فيه المجد كما فيه الصراع، وفيه البطولة كما فيه أخطاء الشر. سيظل اسمه حاضرًا يرفض التلقين، وتاريخًا يرفض التحنيط، وذاكرة تصر على أن تبقى حية مفتوحة”.
وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية (وأج) أنشط صحافي(2)، حسب نكتة لم يسمع بها كل الإعلاميين، كانت السباقة بحكم مهمتها في نشر تعزية الرئيس عبد المجيد تبون، كما كان متوقعًا، واكتفت بتعريف “تقني وعلمي” للمؤرخ الفذ الذي تم تذكره ونعيه على أعلى المستويات الرسمية والنخبوية المخملية والشعبية العادية بعد موته في ظل تجاهل جيل صاعد لا يعرفه. نسجت الصحافة الجزائرية مبدئيًا على منوال “وأج”، الأمر الذي سمح للإعلام الفرنسي بشقيه اليساري واليميني انتهاز الفرصة لنعي حربي كمعارض دحض التأويل الأسطوري للثورة والاستقلال. رفيق دربه المؤرخ المعروف بنيامين سطورا، لم يختلف بتقديرنا عن الذين قاموا بتكريم الراحل عبر صيغ فضفاضة، وإشارات إلى تاريخه المعروف كمؤرخ علمي وعميق، وكمناضل نقدي معارض، كما جاء في تصريح المؤرخ بيار فيرميران اليميني (حربي مؤرخ انحرافات النظام الجزائري)، وهي الانحرافات التي ذكرها الأديب الكبير إدريس بوديبة بعبارات كلها إشادة بالراحل بعيدًا عن التشخيص السياسي المباشر: “سلام لقلمك الذي لم ينحن يومًا للغوايات. قارعت الوهم والخرافات بخيارات المعارض النبيل الذي لم يصمت ولم يهن ولم يخن”. أما اليمين المتطرف، عدو الراحل الأول والأخير، فلم يحزن على رحيل حربي.
هوامش:
(1) كتب محمد حربي:
ــ عن أصول جبهة التحرير الوطني: الشعبوية الثورية في الجزائر (1975).
ــ جبهة التحرير: سراب وواقع… من الأصول حتى الاستيلاء على السلطة (1980).
ــ أرشيف الثورة الجزائرية (1981).
ــ 1954: الحرب تبدأ في الجزائر (1984).
ــ الإسلاموية في كل حالاتها (1991) (إشراف).
ــ الجزائر ومصيرها: مؤمنون أم مواطنون (1993).
ــ حياة واقفًا: مذكرات (1991).
ــ رفقاء الإخوة: تروتسكيون وتحرريون في حرب الجزائر. بالتعاون مع سيلفان باتيو (2002 ــ 2018).
ــ جبهة التحرير: وثائق وتاريخ (1954 ــ 1962). بالتعاون مع الراحل جيلبير مينييه (2004).
ــ التسيير الذاتي في الجزائر: ثورة أخرى (1962 ــ 1965).
ــ حرب الجزائر: بالتعاون مع بنيامين سطورا (2006).
ترك الفقيد العشرات من الدراسات والمقالات والتسجيلات السمعية والبصرية.
(2) “مفاد نكتة” وأج: يقال إن أحد القراء أعجب بها، معتقدًا أنها اسم أنشط صحافي في الجزائر بحكم اعتماد الصحف الوطنية على الوكالة الحكومية بشكل قوي ومنتظم.
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…
بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…