الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ
يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد حملاوي، الذي يرى في الكتابة فعلًا إبداعيًا يعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ عبر رؤية فنية تجمع بين الخاص والعام. ينطلق من تصور يجعل الرواية فضاءً حيويًا لسرد التجارب الإنسانية، متجاوزًا التمثيل الحرفي نحو تأويل يجمع بين الواقع والمخيال.
في هذا الحوار تتجلّى تجربة روائية تنمو عند تخوم الذاكرة والواقع، وتتشكّل من وعي سردي يرى في الرواية مساحة جامعة للتجربة الفردية والجماعية معاً. ينطلق سيّد أحمد من تصور يعتبر الكتابة فعلاً إنسانياً مرتبطاً بالسياق الاجتماعي والتاريخي، حيث يتحرّك الروائي داخل شبكة من الخبرات الخاصة والعامة، ويعيد تشكيلها فنياً من دون ادّعاء تمثيل التاريخ أو تدوينه حرفياً.
تحضر الذاكرة في هذا الحوار كعنصر بنيوي في فعل الكتابة، جزء من تكوين الكاتب ومساره، تتحوّل عبر الرواية إلى تجربة فنية قابلة للتأويل والتعدّد. الذات الساردة لا تظهر بصورتها الواقعية المباشرة، وإنما تتوزّع على أقنعة وشخصيات تتفاوت بين الواقعي والمتخيَّل، وتخضع لمنطق العمل الفني ومتطلباته.
ويضيء الحوار على العلاقة المركّبة بين الرواية والتجربة الكردية، حيث تتقاطع الكتابة مع تاريخ طويل من التهميش والانقسام القسري، وتغدو الرواية أداة كشف ومساءلة لهذا الواقع. الشخصيات المنبثقة من هذا السياق تنتمي إلى اليومي والهامشي، غير أن أفعالها ومواقفها تمنحها بعداً إنسانياً يتجاوز موقعها الاجتماعي، ويحوّلها إلى مركز للفعل السردي.
كما يتوقّف الحوار عند حضور الأسطورة والحرب والطبيعة في تشكيل المخيال الروائي. الأسطورة تنفتح على الواقع وتتماهى معه، والحرب تظهر كتجربة قاسية فرضت إيقاعها على التاريخ والوعي، في حين تبقى الطبيعة الكردية بخلفيتها الجمالية والهادئة فضاءً يمنح السرد طاقة إيحائية وتوازناً داخلياً.
ويمتد النقاش إلى أسئلة الترجمة وانتقال الرواية الكردية إلى لغات أخرى، باعتبارها انتقال تجربة إنسانية مشتركة تحمل ذاكرة جماعية وأسئلة كونية. كما يلامس مفهوم الإبداع في زمن السرعة، مع التشديد على حاجة الكتابة الأدبية إلى التروّي والهدوء، وعلى أن النص الحي يظل مفتوحاً أمام قراءات متعدّدة، نابعة من تداخل الإنساني والقومي والفني.
بهذا المعنى، يقدّم الحوار نافذة على تجربة روائية تنحاز إلى الإنسان وتراهن على الفن، وتتعامل مع الذاكرة والتاريخ والأسطورة والحرب باعتبارها مواد قابلة للتحويل الجمالي، ضمن رؤية سردية نقدية ومنفتحة.
تنتمي تجربتكم الروائية إلى فضاء تاريخي وسياسي شديد التعقيد؛ كيف انعكس هذا السياق على تشكّل وعيكم السردي منذ البدايات؟
الرواية جنس أدبي، والإنسان كائن اجتماعي، ولهذا فإن عالم الأدب يتداخل مع هذه الرؤية الأدبية والاجتماعية. وبمعنى آخر، استفدتُ، كروائي، من جنس الرواية انطلاقاً من تجربتي الخاصة والعامة معاً، كي أُعيد تدوير خبراتي الشخصية داخلها. من هنا جاءت سردياتي ذات طابع شخصي–تاريخي، مع وعي دائم بأنني روائي ولست مؤرّخاً.
في رواية “طيور زرادشت” يحضر التاريخ الكردي بوصفه تجربة إنسانية لا مجرد خلفية للأحداث؛ كيف توفّقون بين السرد الروائيّ والتاريخ دون الوقوع في التوثيق المباشر؟
لا يستطيع الروائيّ أن يتخلّى عن السرد الذاتيّ؛ فالذاكرة والاستذكار الشخصي حاضران دائماً، وأنا كروائيّ أنتمي إلى هذا التاريخ. في غياب التخييل يمكنني القول إنني أصنع تاريخاً، غير أن تجربة الكتابة الروائية تظل محاولة لتخليد تلك الخبرات الشخصية والموضوعية. والأدب والكتابة، في قناعتي، لا يمكن أن يكونا منفصلين عن الإنسان.
تلعب الذاكرة دوراً محورياً في أعمالكم؛ هل تنظرون إليها كعبءٍ سرديّ أم كطاقة خلّاقة لإعادة بناء الحكاية؟
الإنسان غير قادر على التخلّي عن ذاته؛ فالذاكرة جزء من كياني، ولهذا لا أتنكّر لذاكرتي، وإنما أعاود اختبارها عبر الرواية. غير أنّ هذه الخبرات الذاكراتية في رواياتي تكتسب وجوداً فنيّاً، ولا يظهر فيها “أنا” الواقعي، وإنما قد تتجلّى في هيئة “أنا” آخر، أو “أنا” متخيَّل.
شخصياتكم غالباً ما تتحرك في مناطق الهامش، بين الخسارة والصمود؛ ما الذي يشدّكم إلى هذه النماذج الإنسانية تحديداً؟
الكرد، بصفتهم أمة مقسّمة بين دول مهيمنة، تعرّضوا للتهميش، ويمكن القول إن الرواية والنضال يشكّلان معاً جزءاً من الخروج من هذا الهامش أو من كشفه. شخصياتي متشكّلة من تجربة واقعية، وإذا جاز التعبير، فإن ذلك القلق والمقاومة، وذلك الوجود الإنسانيّ، يعكس الوجود التاريخيّ للكرد.
تحضر الأسطورة والتراث الرمزي في رواياتكم، ولا سيما في “طيور زرادشت”؛ ما وظيفة هذا البعد الأسطوريّ في مقاربتكم للواقع؟
نشأتُ مشبعاً بسرد الأساطير؛ طفولتي كانت ممتلئة بالحكايات الشفوية المتداولة في مناطقنا. وعندما كبرتُ وعشت داخل الأسطورة، أدركتُ أن الواقع ذاته أسطورة، ولم يعد في وسعي تجاهل تلك الخبرات الأسطورية التي شكّلت حياتي وحياة مجتمعي. فالرمزية الأسطورية غير منفصلة عن رمزية الواقع.
كيف أثّرت تجربة النضال والحروب في كردستان على رؤيتكم للإنسان، وعلى شكل البطولة داخل النص الروائي؟
الحرب غير جميلة ولا خيّرة ولا مبهجة، لكنها قائمة. الواقع التاريخيّ للإنسان الكرديّ تشكّل داخل تداخلات الحروب، ولهذا فالحرب كانت مفروضة عليه. النضال في هذه التجربة المرّة يأخذ شكلاً من أشكال البطولة، وهذه القسوة الواقعية أسهمت في تشكيل رؤية الروائيّ، ولم يكن ممكناً الفكاك منها. ومع ذلك، فإن التعامل الإنساني والواعي مع هذه التجربة المريرة جعلها مصدراً لتشكّل البطولة.
تعتمدون لغة هادئة ومتماسكة، بعيدة عن الخطابية؛ هل هو خيار جمالي واعٍ أم نتيجة لطبيعة التجربة التي تكتبون عنها؟
جمالية السرد لا يمكن أن تعيش من دون لغة أدبية. وكردستان، حتى حين تعصف بها الحروب، تملك طبيعة جميلة وهادئة، وقد انعكس ذلك في سرديات عدد من الروائيين الكرد.
إلى أي مدى يمكن القول إنّ رواياتكم تنحاز إلى الإنسان الفرد في مواجهة السرديات الكبرى للتاريخ؟
أبطالي أناس عاديون ومهمَّشون، غير أنهم ينجزون أفعالاً بطولية وتاريخية. ولهذا لم أربط نفسي بصورة “البطل” التقليدي، وإنما أرى أن البشر المهمّشين، حين يُنظر إليهم من زاوية فنية، هم الأبطال الحقيقيون.
كيف تنظرون إلى موقع الرواية الكردية اليوم داخل المشهد الروائي العربي والعالمي؟
إصدار حكم على الرواية الكردية ومقارنتها بالرواية العربية والعالمية مهمّة شاقة، وربما يكون الباحثون أقدر على الإجابة عنها. ومع ذلك، فإن الرواية الكردية خلال السنوات القليلة الماضية حققت خطوات كبيرة، وتجاوزت إطار الرواية المحلية، ولدينا اليوم تجارب روائية تُترجم إلى لغات العالم.
صدرت “طيور زرادشت” مترجمة إلى العربية؛ كيف استقبلتم انتقال النص من لغته الأصلية إلى لغة أخرى، وما الذي يُكسبه أو يفقده في الترجمة؟
من دواعي سعادة أي روائي أن تُترجم روايته إلى لغات أخرى، غير أن الأدب يواجه دائماً إشكالية الترجمة. ومع ذلك، فإن روايتي، إلى جانب بعدها الإنساني، تمثل نقلاً لتجربة مشتركة بين الشعبين الكردي والعربي.
هل تعتقدون أن القارئ غير الكرديّ قادر على التفاعل مع نصوصكم بعيداً عن الخصوصية القومية؟
إذا أجبتُ بكلمة واحدة فسأقول: نعم. وكما أشرتُ سابقاً، فإن تجربتي في الكتابة فنية وإنسانية، وليست أيديولوجية أو قومية متخشّبة. غير أن أثر هذه التجربة الإنسانية غير منفصل عن الأمة التي أنتمي إليها، من دون أن يكون جارحاً لأي قارئ خارج الإطار الكردي.
ما العلاقة التي ترونها بين الرواية والذاكرة الجماعية للشعوب التي عاشت القمع والحروب؟
حكايات الحرب كثيرة، غير أن مهمّة الروائي تكمن في صياغة تلك الحكايات المكتوبة والمهمّة التي تُسهم في تشكيل الوعي واللاوعي الجمعي للأمة، وإبرازها فنياً.
كيف ترون دور الرواية اليوم في زمن التحولات الرقمية وتسارع وسائل التعبير؟
الإبداع الأدبي يحتاج إلى التروّي والسكينة، فيما يتّسم عالم اليوم بالسرعة. لذلك لا ينبغي للإبداع الأدبي أن يتحوّل إلى سباق، مع الإقرار بأن هذه السرعة لا بد أن تترك انعكاساتها بطرق مختلفة.
ما الذي يشغلكم حالياً على مستوى الكتابة؟ وهل من أعمال روائية جديدة قيد الإنجاز؟
خلال الفترة الماضية صدر الجزء الأول من مذكّراتي بعنوان “مذكّرات حملاوي” عن مؤسسة جمال عِرفان الثقافية. وفي الوقت نفسه أعمل على كتابة الجزء الثاني، وأقوم ببلورة فكرة رواية جديدة.
أخيراً، كيف تودّون أن يُقرأ مشروعكم الروائي: كشهادة تاريخية، أم كتجربة إنسانية مفتوحة على التأويل؟
كلّ نصّ أدبيّ حي يظل مفتوحاً على قراءات متعددة، لأنه ينبع من تجربة متداخلة تجمع بين البعد القومي والإنساني والفني.

