النقد

تفكيك الثّنائيات في سرد فتحي نصيب: قراءة نقديّة في “الحُلم الَّذي يَنأى وقِصَص أُخرى”

بقلم د. دورين نصر.

قراءة تفكيكية: كيف تُخلخل قصص فتحي نصيب الثنائيات التقليدية؟

تتشكل مجموعة “الحلم الذي ينأى وقصص أخرى” لفتحي نصيب باعتبارها فضاء حكائيًّا مُتعدّد الأصوات، حَيْثُ تَتجاور اللُّغة الشِّعريّة مع اليومي العابر وتتصادم السخرية السوداء مع الذاكرة المثقلة بالغياب. غير أن ما يمنح هذه المجموعة فَرادَتَها ليس فَقَط تَراؤُها الموضوعي، بل بُنيتها النصية التي تقوم على التوتّر بين الحضور والغياب، والهويّة والتّشظّي والمركز والهامش. هذه الثنائيات التي تبدو للوهلة الأولى ثابتة وراسخة، سرعان ما تنكشف للقارئ في حالتها الهشة، قابلة للتفكيك والانقلاب.

من هنا تبرز أهمية اعتماد منهج التفكيك (Deconstruction) في قراءة هذه القصص. فالتفكيك كما طرحه جاك دريدا، لا يكتفي بتأويل النصوص أو الوقوف عند مضامينها المُباشرة، بَل يَذْهَب إلى زَعَزَعَة بُنيتها الداخلية وكشف تَناقُضاتِها، مُظهِرًا أَنَّ ما يظهر في النَّص كَمَرِكَرْ أَو كَحَقِيقَةٌ مُطلقة لا يلبث أن يَنقَلِب إلى هوامش مُتشظّية. بهذا المعنى، تُصبح قراءة نَصيب عبر التفكيك مُحاوَلَة لإعادة التفكير في القصص لا باعتبارها مُجرد تمثيل للواقع، بل بوصفها مُختَبَرًا يُفَكِّكُ الثُنائيات الكبرى التي حكمت الثقافة السردية العربية: البطولة / الهامش، العقل / الجنون، الحقيقة / الوهم، السلطة / الهشاشة.

الواقع، النصوص في “الحلم الذي ينأى” لا تُقدَّم كحكايات متتالية فقط، بل بوصفها تفكيكا عمليًّا لمفهوم السرد التقليدي، حيث يتحوّل الحدث البسيط إلى استعارة عميقة، والشخصية الهامشية إلى مركز، والذاكرة الفردية إلى أرشيف جماعي. هذا ما يجعل المجموعة أكثر من مجرد ممارسة سردية: إنّها مشروع لخلخلة البنى الثابتة للوعي الجمعي، وإعادة إنتاجها عبر مفارقات اللغة والحكاية.

فالقصة الأولى على سبيل المثال: “البيت” لا تقوم على حكاية تقليدية متسلسلة، بل تُبنى على وضع متكرّر يُحبس فيه البطل داخل فضاء مغلق. تبدأ القصة بإيحاء أن البيت هو مكان طبيعي للإقامة والطمأنينة، لكن سرعان ما يتبيّن أنّه يتحوّل إلى دائرة مغلقة تُعيد الشخصية دائمًا إلى النقطة نفسها. يدخل البطل أو يحاول الخروج، غير أن الحركة لا تقوده إلى أي مكان، بل تلتف عليه وتعيده إلى الداخل مرة أخرى.

هذا التوصيف البسيط يوضح للقارئ أنّ ما يحدث في القصة ليس فعلًا متقدمًا أو حبكة تقليدية. بل هو تجربة دوران لا نهاية لها. وهنا تظهر البنية دائرة تفرض على الشخصية أن تتحرك، لكن من دون أن تنجز انتقالاً حقيقيًّا. بهذا المعنى، فإنّ السّرد نفسه يصبح “بيتا” آخر، يكرر المواقف ويغلقها بدل أن يفتحها. كما نلاحظ أن النص يُقدّم ببنية دائرية تعيد القارئ دائمًا إلى نقطة الانطلاق. فالسرد يبدو وكأنه يتحرك إلى الأمام، لكنه يعود ليكرّر الوضع الأول.

هذه الدائرية لا تأتي كزخرفة فنية، بل بوصفها آلية بنائية تكشف أنّ الحكاية مقيّدة بحدود الفضاء الذي تجري فيه. إنّها ليست قصة عن بيت فحسب، بل هي نص يتصرّف كبنية بيت: إغلاق، دوران، تكرار. البيت في النّصّ لا يعمل بوصفه مكانًا محددًا فقط، بل بوصفه بنية ضابطة للسرد. كل حركة داخل القصة إما تفضي إلى الداخل أو تعود إلى الخارج، لكن من غير أن تنتج انتقالاً حقيقيًّا. إنه بيت لا يوفر مأوى بل يفرض طوقا: شخصية لا تجد ملجأ بل تتورّط في تكرار مقفل.

ولذلك يتسم السرد في “البيت” بالتقطيع: جمل قصيرة، مشاهد متجاورة، وانقطاعات تعطل الانسياب. هذا التقطيع يعكس توتر الداخل والخارج، ويزرع في النّص إحساسًا بالانشطار؛ القارئ يقرأ مشهدًا وراء آخر، لكن لا يصل إلى “حدث” يفتح القصّة، بل يجد نفسه في نص مهشم، حيث البنية تسبق المضمون وتفرض عليه الانغلاق.

وعليه، فإن العنوان “البيت” يعمل بوصفه محورًا بنائيا يجمع شتات الحكاية. غير أن المكان الذي يُفترض أن يعطي الاستقرار يُكشف في القصة بوصفه بنية مغلقة تحوّل الاستقرار إلى تقييد. وبهذا ينهار التقابل التقليدي بين المأوى والمجهول؛ يصبح المأوى نفسه هو مصدر التوتر واللايقين، ويغدو النّصّ نفسه “بيتا” آخر، يضع القارئ في الدائرة ذاتها التي علق فيها البطل.

إذا كانت قصة “البيت” قد كشفت عبر بنيتها الدائريّة أنّ المأوى يمكن أن يتحوّل إلى دائرة مغلقة تحاصر الشخصية، فإن قصة “الزيارة” تقدم شكلا آخر من الانغلاق. هنا لا يكون الانغلاق داخليا في المكان، بل خارجيا بفعل سلطة تتكرّر دون مبرر. فالانتقال من البيت إلى الزيارة هو انتقال من فضاء مغلق بفعل بنيته الداخلية، إلى فضاء مفتوح شكليًّا لكنّه محكوم بآلية تكرار سلطوية تفرض الرعب من الخارج.

تقدم قصة “الزيارة” حدثًا بسيطًا: طرق على الباب في الليل، دخول رجال السلطة، أسئلة مبهمة، ثم خروجهم من جديد. للوهلة الأولى يبدو الأمر مجرد مشهد اعتيادي من الحياة في ظل سلطة بوليسية، لكن السرد لا يهتم بالتفاصيل الواقعية بقدر ما يركّز على تكرار الحدث. فالزيارة لا تحدث مرة واحدة، بل تعود لتفرض نفسها في كل مرة كطقس روتيني يرسخ الخوف.

هنا يمكن توضيح أن القصة لا تبني حبكة ذات بداية ونهاية، بل تبني بنية التكرار؛ فالطرقات على الباب، الدخول والخروج، الأسئلة نفسها، كلها عناصر تتكرّر بحيث يتحوّل الحدث إلى دائرة مغلقة. الشخصية لا تعيش “زيارة” بقدر ما تعيش انتظار الزيارة المقبلة. السرد إذا يعمل بوصفه دائرة سلطوية؛ الزيارة تتكرّر من دون سبب، والباب يُطرق من دون إنذار، والأسئلة لا تفضي إلى معنى. إنه بناء سردي يعيد إنتاج الفراغ نفسه، حيث لا يتغير شيء سوى تكرار الطقس نفسه.

اللغة في “الزيارة” قصيرة ومقطعة تشبه الطرقات نفسها. كل جملة تعمل كطرقة على الباب، تعلن حضور السلطة وتقطع مجرى الحياة. هذا التقطيع البنائي يعكس انقطاع الزمن؛ لا تدفق، لا تطوّر، بل لحظة متجمدة تعاد مرارًا. وعليه، يمكن القول إن الزيارة تفكّك ثنائية الحضور / الغياب؛ السلطة حاضرة في غيابها، وغائبة في حضورها. فهي لا تقول شيئًا، لكن مجرد حضورها على الباب كافٍ ليعيد تشكيل النص. بهذا يتحوّل الفراغ إلى حدث، ويصبح اللاحدث أكثر حضورًا من الحدث نفسه.

بعد أن كشفت قصتا “البيت” و”الزيارة” عن بنيتين مختلفتين للانغلاق (الأولى داخلية دائرية، والثانية خارجية سلطوية)، يتضح أن مجموعة “الحلم الذي ينأى” لا تسعى إلى تقديم حكايات منفصلة بقدر ما تنسج شبكة سردية تكشف عبر كل قصة وجهًا جديدًا من وجوه التصدّع البنيوي في علاقة الفرد بالمكان والسلطة والهوية.

في “العطب”، يواجه القارئ شخصية تُستجوب من قبل أقزام يرتدون زياً برتقالياً. المشهد يبدو في ظاهره سوريالياً، لكن بنيته تكشف أنّ الهويّة ليست جوهراً ثابتاً بل شظايا تُبنى من خلال شهادات الآخرين: الزوجة، الجيران، الرفاق. كل شهادة تناقض الأخرى، لتتكوّن صورة متفككة للذات؛ البنية هنا قائمة على تفكيك الأنا، فالشخصية لا تملك تعريفها، بل تُستنزف بين أصوات متعددة، فلا يبقى من الهوية سوى فراغ متنازع عليه.

وفي “المدينة”، البطل يتسكّع جائعاً بين الأزقة، والمطاعم مغلقة، والقمامة نظيفة على نحو مبالغ فيه. على مستوى البنية القصة تعكس مفارقة المدينة التي يُفترض أن تكون مركزاً للحياة تتحوّل إلى فضاء طارد. حتّى اللقاء بالمرأة التي بدت لحظة خلاص سرعان ما ينقلب إلى خيانة. البنية السردية هنا قائمة على نقض المركز؛ المدينة لا تحتضن، بل تقصي، وهيكلها المكاني يعيد إنتاج الجوع والخذلان بدل أن يوفر الغذاء والانتماء.

أما قصة “اللعبة”، وهي القصة الثانية من المجموعة، فتقدّم بنية تقوم على التوزيع المتوازي للمشاهد، حيث يبدأ السرد من موقف حلاقة يبدو عاديّاً، لكنه يتشظّى عبر المرآة. المرآة لا تعمل هنا بوصفها أداة وصفية، بل تعمل كبنية داخلية تعكس الانقسام بين زمنين: زمن الحاضر وزمن الذاكرة. يتكرر حضور المرآة في النَّص لتؤسس بنية قائمة على الازدواج: صورة الطفل أمام الحلاق من جهة، واستدعاء مشهد الجدة والألعاب من جهة أخرى.

هذا التوازي لا يوحد مستويات السرد بل يضاعفها، فيحوّل القِصَّة إلى نص منقسم على ذاته. إن استدعاء مشهد الألعاب مع الجدة لا يظهر بوصفه تزييناً للمضمون، بل بوصفه استراتيجية بنائية تجعل التكرار عنصراً مركزياً. فكل صورة تعيد إنتاج أخرى؛ المرآة تعكس الوجه، اللعبة تعكس الصراع، والذاكرة تعكس الفقد. هذا التكرار لا يرسخ المعنى بل يزعزعه، إذ يكشف أنَّ الحاضر مشروط دومًا بذاكرة تتداخل معه.

العنوان نفسه يعيد توزيع مركزية السرد: ما يبدو لعباً بسيطاً يتحوّل إلى محور بنائي يمسك بخيوط النّصّ. وبهذا تنهار الثنائية التقليدية بين اللعب والجدية، إذ يصبح اللعب البنية التي تكشف تهافت الجدية نفسها.

وفي قصة “القطار”، امرأة تنتظر ابنها العائد من حرب مضت منذ نصف قرن. الحدث لا يقوم على وقوع العودة، بل على انتظارها السرمدي؛ البنية هنا قائمة على تعليق الزمن؛ القطار لا يصل، والانتظار هو النّصّ. إنّها بنية التجميد، حيث يصبح الوهم أقوى من الواقع، والزمن نفسه ينكشف كحلقة مفرغة.

وعليه، تظهر مجموعة “الحلم الذي ينأى وقصص أخرى” أنّها ليست مجرد تجميع لحكايات متفرقة، بل مشروع سردي متكامل يقوم على تفكيك البنى المهيمنة التي تنظم علاقة الفرد بالمكان والسلطة والهوية والزمن. فالتحليل يكشف أن كل قصة على اختلاف موضوعها، تشتغل وفق آلية بنائية تُعيد إنتاج الانغلاق بطرق متعدّدة: “البيت” عبر الدائرة الداخلية، “الزيارة” عبر الطقس السلطوي المتكرّر، “العطب” عبر تفتت الهوية بين شهادات متناقضة، “المدينة” عبر انقسام المركز إلى فضاء طارد، “اللعبة” عبر التكرار المراوي، و”القطار” عبر تعليق الزمن في دائرة انتظار لا تنتهي.

فالنصوص لا تُقدّم لتمثيل ثنائيات مألوفة (داخل/خارج، حضور/غياب، هوية/فقد، زمن حاضر)، بل لتفكيكها من الداخل. فكل ما يبدو مركزاً ينهار ليتحوّل إلى هامش، وكلّ ما يُفترض أن يمنح الاستقرار ينقلب إلى مصدر توتر ولايقين. إنّ المضمون في هذه المجموعة لا يكتسب أهميته من الحبكة أو من تطوّر الحدث، بل من البنية التي تُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم، وتحوّل التفاصيل اليومية إلى مختبر يكشف هشاشة الكليات والثوابت.

وبذلك يتضح أن القيمة الجوهرية للمجموعة تكمن في قدرتها على جعل التفكيك ليس مجرد منهج نقديّ يُطبق من الخارج، بل منطقاً داخلياً يُسيطر على بنيتها السردية نفسها. فهي قصص تقرأ بوصفها تمارين على زعزعة اليقين، وفضاءات لإعادة التفكير في مفهوم الأدب ودوره في مساءلة وجود الإنسان. إنّها ليست نصوصاً لتوثيق الواقع أو تمثيله، بل نصوص تعلم القارئ كيف يرى الواقع متشظّياً ومفتوحاً على احتمالات لانهائية، حيث الهامش يغدو مركزاً، واللاحدث يصبح أكثر دلالة من الحدث.

أحدث المنشورات

“العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم”

الدكتورة جيهان الدمرداش "العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم" قراءة نفسيّة أنثروبولوجيّة جماليّة في رواية…

23 ساعة منذ

«أزمة الشعر المعاصر» لشكري عياد.. إصدار جديد يعيد قراءة جوهر القصيدة وإنسانيتها

في خطوة ثقافية رائدة تهدف إلى إحياء الذاكرة النقدية العربية، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب…

23 ساعة منذ

اليوم العالمي للإذاعة.. صوت الإنسانية الذي لا يغيب في 13 فبراير

مقدمة في عالمٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتغير فيه أدوات الإعلام يومًا بعد يوم، تبقى…

يوم واحد منذ

لغز «بخنوق عيشة»: رحلة النص المشفّر من رمال ليبيا إلى مسارح الرشيدية بتونس

أغنية بخنوق عيشة.. تداخل مغاربي يجمع بين النص الليبي واللحن الجزائري والتهذيب التونس أغنية "بخنوق…

يومين منذ

نور الدين الإسماعيل يوقع “مخاتير المحصورة”: رواية تعري صناعة “المخبر” في الأرياف المسحوقة

في إطار فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، وقع الشاعر والصحفي السوري نور الدين الإسماعيل روايته…

3 أيام منذ

بعد غياب 7 سنوات: مهرجان “أم جرس” الدولي يعيد نبض الثقافات الصحراوية إلى قلب تشاد

بعد انقطاع طال انتظاره لمدة سبع سنوات، عادت مدينة "أم جرس" في شمال شرق تشاد…

3 أيام منذ