أفانين
"الهاربات": مِمَّ تهرب النساء؟ وإلى أين؟
الدراما

“الهاربات”: مِمَّ تهرب النساء؟ وإلى أين؟

منحت لجنة تحكيم “مهرجان المسرح العربي” الـ 16، الذي أقيم في القاهرة من 10- 16 كانون الثاني/ يناير الحالي، جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي للعرض التونسي “الهاربات”، نص وإخراج وفاء الطبوبي، وإنتاج مشترك بين المسرح الوطني التونسي وشركة الأسطورة للإنتاج المسرحي. وسبق للعرض أن تُوّج بجائزة التانيت الذهبي في الدورة السادسة والعشرين من أيام قرطاج المسرحية عام 2025.

يدور العرض في فضاء محطّة مواصلات عمومية، حيث يلتقي ستّة أشخاص- خمس نساء ورجل واحد- كلٌّ منهم يطارده واقع ضاغط: أستاذة غير موظفة رسميًا تبحث عن اعتراف مهني، خريجة حقوق تنتظر فرصة لتحقيق حلمها، امرأة تهرب من زواج خانق، أخرى تجمع قوارير بلاستيك لتأمين لقمة العيش، امرأة مسنّة مهمّشة، ورجل مثقل بمرارة الخيبات. كلّهم ينتظرون- ليس فقط وسيلة نقل- بل مخرجًا من ضيق الحياة، إذ تجمعهم رغبة عارمة في الهروب من واقعهم القاسي، بحثًا عن أمل أو نجاة، أو ببساطة عن مفتاح قد يفتح باب خلاصهم.

يتخطى العرض السرد الكلاسيكي الخطي، اعتمادًا على تداخل الأصوات وتقطّع السرد، بحيث تتشابك قصص الشخصيات في مونولوجات متداخلة، تنظمها لحظات انتظار، اشتباك ذاكرة، وتداخل زمني، مما يمنح العرض طابعًا تجريبيًا ورمزيًا. بمعنى آخر، “الهاربات” ليست مجرد مسرحية عن الهروب، بل نص عن محاولات النجاة، من الواقع، من الإهمال، من الفقر، ومن الانتظار المُرهق. المحطّة التي تجمع هذه الأرواح تصير مرآةً تعكس مجتمعًا يعيش هشاشة متعددة الألوان، وينطق باسم من صارت أصواتهم هامشية.

إنه عرض مسرحي نسوي بامتياز، لا بالمعنى الدعائي أو الخطابي الضيق، بل بوصفه اشتغالًا جماليًا وفكريًا على الجسد والذاكرة والخوف، وعلى آليات القمع المرئية والمستبطنة التي تطارد المرأة العربية. فهو ينفتح على سؤال مركزي: مِمَّ تهرب النساء؟ وإلى أين؟ وهل الهروب فعل نجاة أم إعادة إنتاج للألم؟ من هذا السؤال تتشعب مستويات النص والإخراج والتمثيل، لتصوغ الطبوبي عرضًا مكثفًا، قائمًا على الاقتصاد في اللغة، والتوتر الجسدي، وكثافة الصورة المسرحية.

لا يقوم نص “الهاربات” على حبكة تقليدية ذات بداية ووسط ونهاية، بل على بنية أقرب ما تكون إلى المَشاهد/ الاعترافات، حيث تتقاطع أصوات نسائية متعددة، لكل واحدة حكايتها الخاصة، لكنها تلتقي جميعًا عند جرح واحد: العنف البنيوي. الهروب هنا ليس حدثًا، بل حالة وجودية مستمرة، تتخذ أشكالًا متعددة: الصمت، الجنون، الذاكرة، الجسد، وحتى الكلام نفسه.

لغة النص شعرية مقتصدة، تميل إلى الجُمل القصيرة، المتقطعة، وكأنها أنفاس متلاحقة لنساء يلهثن من المطاردة. الحوار ليس تبادليًا بالمعنى الكلاسيكي، بل مونولوجات متداخلة، تتقاطع وتتصادم، ما يمنح النص بعدًا بوليفونيًا. أحيانًا يتحول الصمت إلى لغة بديلة، أكثر بلاغة من الكلام، في إحالة واضحة إلى ما لا يمكن قوله تحت وطأة الخوف.

الثيمات المركزية

يقوم العرض على ثيمات مركزية أبرزها: الهروب بوصفه فعلًا وجوديًا غير خلاصي، الجسد الأنثوي كحقل صراع اجتماعي وسياسي، الذاكرة بوصفها سجنًا لا يقل قسوة عن الجدران، والسلطة التي لا تظهر كشخصيات محددة، بل كظل دائم، كصوت داخلي مراقِب.

وهكذا فإن النص لا يُدين فردًا بعينه، بل يفضح منظومةً كاملةً من القيم والعلاقات التي تُنتج القهر.

الرؤية الإخراجية

تعاملت وفاء الطبوبي مع النص كمادة أولية قابلة لإعادة التشكيل، فجاء الإخراج استكمالًا للنص لا ترجمةً له، اعتمادًا على مسرح جسدي واضح، حيث يتحول الجسد إلى علامة ذات أبعاد دلالية عديدة، وإلى نص موازٍ للكلمة.

السينوغرافيا فقيرة ظاهريًا تميل إلى التجريد، بما يخدم الطابع الرمزي للعرض، لكنها غنية دلاليًا، ما يخلق إحساسًا بالفراغ واللامكان، وكأن الهاربات عالقات في منطقة رمادية بين الهرب والوقوع. هذا الفراغ يمنح الممثلات حرية الحركة، ويحوّل الخشبة إلى مساحة نفسية أكثر منها جغرافية.

الإضاءة لعبت دورًا حاسمًا في بناء المعنى؛ فهي حادة أحيانًا، خانقة أحيانًا أخرى، وكأنها أداة تحقيق أو مراقبة، بحيث تعكس الانتقالات الضوئية التحولات النفسية للشخصيات.

الإيقاع متوتر، متقطع، يعتمد على التناوب بين الحركة والسكون، الكلام والصمت، يضع المتلقي في حالة ترقّب دائم، ويمنعه من الاسترخاء، وكأن العرض يُجبره على معايشة القلق ذاته الذي تعيشه الشخصيات.

التمثيل والأداء الجسدي

تكمن قوة “الهاربات” في الأداء الجماعي المتماسك، إذ لا توجد بطلة واحدة، بل مجموعة من الأجساد/ الأصوات التي تتكامل لتشكيل صورة المرأة المقهورة. هذا الخيار ينسجم مع رؤية العرض الرافضة للفردانية، ويؤكد الطابع الجمعي للمعاناة.

اعتمدت الممثلات على الجسد بوصفه أداةً سرديةً أساسيةً: الانحناءات، السقوط، الارتجاف، التشنج… كلها حركات مشحونة بالمعنى. الجسد هنا ليس موضوعًا للنظر، بل موقع مقاومة، حتى في لحظات انكساره.

الصوت يتراوح بين الهمس والصراخ، بين النبرة المكسورة والنبرة الغاضبة. ويعكس هذا التنوّع الصوتي تعددية التجارب النسوية، ويمنع العرض من الوقوع في رتابة خطابية.

أثبتت وفاء الطبوبي في هذا العرض، وفي عروضها السابقة، أنها واحدة من أبرز المخرجات المسرحيات في تونس اليوم، أثرت المشهد المسرحي بتجاربها التي تمزج بين البحث الإنساني العميق واللغة المسرحية المبدعة. ولأنها درست التمثيل قبل أن تنتقل إلى عالم الإخراج والكتابة، فقد تكوّنت لديها رؤية فنية شمولية تجمع بين فهم عميق للأداء التمثيلي وبين القدرة على توجيه العرض كاملًا صوب رسائل قوية ومؤثرة، تركّز على القضايا الاجتماعية والسياسية والوجودية، مع تناول حساس للصراعات الداخلية لدى الشخصيات، وعلاقتها بالمجتمع والواقع الذي تعيش فيه.

ذات صلة

المركز القومى للمسرح يقدم “جاهين ضحكة مصرية” بالمسرح القومى

suwaih

المغرب: ظروف جوية تعرقل تصوير مسلسل “حموشان وهلالة”

suwaih

المهرجان الدولي للمونودراما النسائي.. دورة رابعة

suwaih

حريق يلتهم موقع تصوير مسلسل في دمشق

suwaih

المسرح العربي في 2025: أزمة مسرح أم أزمة ثقافة(1)

suwaih

المخرج  المغربي الركاب يستعين بحمزة الفيلالي

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية