الرواية والمدينة الفاضلة

محمود عبد الغني

المدينة الفاضلة هي فكرة فلسفية قديمة اختلقها أفلاطون في كتابه “الجمهورية”. وهي فكرة تعكس عمومًا تطلّع الإنسان إلى مجتمع الكمال من الناحية الاجتماعية والسياسية. والكلمة في أصلها اللاتيني تعني “لا مكان”، مما يشير إلى عدم وجودها على أرض الواقع. كيف تصوّر أفلاطون المدينة الفاضلة؟ إنها مدينة يحكمها الفلاسفة الذين كان يعتقد أنهم الأكثر قدرة على تحقيق العدالة. وقد وجد المفهوم ترسيخًا له في الفكر العربي بفضل الفارابي، الذي كان متأثرًا بالجانب الديني، ورأى في التعاون الطريق المؤدي إلى السعادة، ورأى في حاكم المدينة رجلًا يمتلك الحكمة والعدل.

نجد في الفكر الفلسفي ما بعد أفلاطون للمدينة الفاضلة تأصيلًا في كتاب “يوتوبيا” (1516) للعالم والقائد السياسي الإنكليزي توماس مور (1478-1535م). والكتاب عبارة عن عمل جامع لعدّة أنواع، صاغ فيه ت. مور مجتمعًا مثاليًا، ساهم به في إرساء المصطلح الحديث. يُعدّ كتاب “يوتوبيا” أساسيًا للأدبيات اليوتوبية، وللفكر اليوتوبي بصفة عامة. وقد تم الإعلان عنه في غلاف الطبعة الأولى سنة 1516 بالعبارات الآتية: “كتاب ذهبي حقيقي، عمل صغير، لا يقل فائدة عن كونه ممتعًا، يتعلق بأفضل شكل للمجتمع السياسي وبجزيرة اليوتوبيا الجديدة”. إنه “مدينة فاضلة جديدة” بعد المدينة الفاضلة الأولى التي تصوّرها أفلاطون. وبين 1516 و1518 طُبع الكتاب في أربع طبعات مختلفة، لم يتم فيها تقديم نص ت. مور بنفس الطريقة، فجزيرة اليوتوبيا لم يتمّ دخولها أو مغادرتها في ظل نفس الظروف. العنوان الذي تم اختياره للطبعة النهائية لشهر نوفمبر/ تشرين الثاني 1518 هو “أفضل شكل للمجتمع السياسي ولجزيرة اليوتوبيا الجديدة”. في البداية وُجّه هذا الكتاب الصغير إلى الإنسانيين، ثم وُزّع على نطاق أوسع بين المتعلمين. ومباشرة بعد انتشاره، فُسّر على أنّه دعوة إلى إصلاح السياسة المعاصرة، ودعوة إلى الالتزام الصادق بالتعاليم المسيحية، وكذلك، بالنسبة لأكثرهم علمًا، على أنّه “لعبة جدية”.

في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان الكتاب يُقرأ في الغالب على أنه سرد يوتوبي، وأحيانًا على أنه أطروحة سياسية، ونادرًا ما كان يُقرأ على أنه مقال فلسفي، ناهيك عن اعتباره أدبًا يوتوبيًا، خاصًّا بطرح تصور جديد للمدينة الفاضلة.

منذ منتصف القرن العشرين وحتى القرن الحادي والعشرين، تَمّ النظر إلى هذا النص بكونه يحتوي على مقاطع تنبئ بالأنظمة الشمولية في القرن العشرين؛ إضافة إلى اعتباره نصًّا تَمّ تطويره في لحظة محورية في التأملات حول الجماليات الأدبية في القرن السادس عشر، وأنه محاولة أصلية للتفكير في السرد وتصوّر الخيال. وأخيرًا، باعتباره كتابة على هامش مهمة دبلوماسية خلال فترة فراغ. وفي النهاية هو محصلة لخيال إنساني خصب وشامل. وكما جاء في تقديم كتاب “يوتوبيا”: “هو عمل من تلك الأعمال المتعدّدة الاستخدامات، الجادة والمرحة في آن واحد، والتي تقدم وجهًا مختلفًا لكل جيل جديد، وتجيب على الأسئلة المطروحة على كل الأجيال بطريقة مختلفة”، كما جاء في تقديم روبير آدم للترجمة الإنكليزية.

بعد هذا المناخ الفكري، وهذه القرون التي قطعها مفهوم المدينة الفاضلة، ظهرت الرواية اليوتوبية باعتبارها نوعًا أدبيًا يصور مجتمعًا مثاليًا متخيلًا يسوده الانسجام والعدل. وغالبًا ما يستخدم هذا النوع الروائي سلاح نقد الواقع واقتراح نموذج بديل. تتناول الرواية اليوتوبية مواضيع اجتماعية وسياسية وبيئية، في تناقض مع الرواية الديستوبية، التي هي نقيضها تمامًا، والتي تصور مستقبلًا كابوسيًا. ومع ذلك، يشهد هذا النوع الأدبي انتعاشًا ملحوظًا مع توجهات أكثر تفاؤلًا وواقعية.

في الرواية العالمية بلغت رواية اليوتوبيا درجة من النضج مع رواية “الجزيرة” لألدوس هكسلي (1894-1963)، التي نُشرت عام 1962. وهي عمل وصية، كُتب في العام الذي سبق وفاته. تجمع “الجزيرة” بين المواضيع والأفكار التي سبق لهكسلي أن تناولها في العديد من مقالاته (“عالم جديد شجاع”، “أبواب الإدراك”، “الفلسفة الخالدة”). تروي الرواية رحلة ويل فارنابي، الصحافي ووكيل أعمال قطب نفطي، الذي تحطمت سفينته على جزيرة “بالا” الخيالية. هناك، في الجزيرة، ازدهر مجتمع مثالي لمدة مائة وعشرين عامًا. نشأ هذا المجتمع من لقاء بين طبيب اسكتلندي وراجا الجزيرة البوذي الماهاياني في منتصف القرن التاسع عشر، والذي قرر الجمع بين أفضل ما في التقاليد الشرقية والغربية.

إن النظرة التشاؤمية للعالم التي تميّز كتب ألدوس هكسلي أصبحت جذرية في روايته الأخيرة “الجزيرة”، كما كانت في روايته السابقة “عالم جديد شجاع”، التي حققت نجاحًا كبيرًا. في مقابل مجتمع الروبوتات الآلي، يعارض الكاتب الإنكليزي الآن مجتمعًا مثاليًا، معزولًا في الأرخبيل الإندونيسي، مبتعدًا بأعجوبة عن ويلات “الحضارة”، ويعيش في حالة من الرخاء الهادئ والحكيم، يمتثل للغريزة والعقل على حد سواء، ويمارس نوعًا من البراغماتية الكونفوشيوسية والبوذية، التي علّمها مُشرّع وحكيم قبل قرن من الزمان.

تعيش جزيرة “بالا”، المحمية من خلال غياب الموانئ ضدّ مشاريع شركات النفط الأجنبية، والتي لا ترغب في استغلال ثروات أرضها، في تلك البساطة المتواضعة والاعتدال في كل شيء، وهو ما قد يكون عصرها الذهبي. وكما هو معروف اليوم، أصبح من المحرم على البشر الاحتفاظ بمثل هذه السعادة بمجرد حصولهم عليها: سعادة العزلة والفطرة والتصرف الطبيعي. لذلك سرعان ما سيستولي ديكتاتور جزيرة مجاورة على هذه الجنة الأرضية ويفرض عليها الشعارات الحمقاء والسلطة الوحشية التي يحكم بها بلاده؛ وستختفي “بالا” السعيدة تحت وطأة هذه الموجة السياسية العاتية تمامًا كما غرقت جزيرة أفلاطون “أطلانتس” المثالية في الأمواج. إن هذا الاستنتاج المرير، المتوافق مع فكر ألدوس هكسلي، يثبت مرة أخرى أن الإنسان لم يُخلق للسلام والحكمة والسعادة.

تمثل هذه المدينة/الجزيرة الفاضلة، وهي الأحدث، كل ما نتصوره عن سعادة الإنسان، وما يتعلق بشقائه. ولا شك في أن نقاد أ. هكسلي قد رأوا أن سكان جزيرة “بالا” قد حلّوا المشكلات المعقدة التي تواجه المجتمع والفرد بسرعة مفرطة وبشكل سطحي إلى حد ما. إذ أنه لا يكفي مجرد رفض تجاوزات التقدم المادي والأفكار المسببة للقلق لتحقيق السعادة؛ إذ يشعر المرء بأن شيئًا من التوتر والتقييد يبقى في هذا الشكل من الحكمة الساذجة، على الرغم من الحرية التي يتمتع بها كل فرد والموافقة التي يقدمها كل فرد على هذا الوضع.

إن رواية المدينة الفاضلة، كما هو كل أدب اليوتوبيا، تقدّم رؤية لسعادة الإنسان التي يمكن أن تكون هي مصدر شقائه. إن السعادة ترحب بنا: “أهلًا بكم في بالا”، الجزيرة التي يلتقي فيها الشرق والغرب، حيث كل شيء على ما يرام في بيئة عادلة وحكيمة وسلمية لا مثيل لها. هل هي اليوتوبيا التي يبحث عنها الإنسان في كل العصور؟ فليكن. لكن بالنسبة لويل فارنابي، الصحافي والناجي المحظوظ، فإن الحلم حقيقي للغاية. تواصل بين الإنسان والطبيعة، جنات اصطناعية، تأمل، حكمة، حرية، احترام للموارد والأفراد… إنه أمر خيالي، بل وأسطوري. لكن جزيرة “بالا” تقف أمام ناظره حقيقة واقعة. وللأسف، الكمال ليس مقدرًا له أن يدوم. سرعان ما يجذب هذا النظام المكتفي ذاتيًا أخطر الأطماع. وسرعان ما تهدد السلطة البشعة المجاورة – وما وراءها من أطماع دولية جامحة – هدوءه وسكينة “بالا”. يبدو أن أجمل ما صنعه الإنسان قادر على هدمه، بل يجب عليه ذلك. فأفضل العوالم الممكنة، بلا شك، ليست غدًا. أليست بذلك تكون رواية “الجزيرة” نبوءة أدبية توقعت ما يحدث اليوم في العالم؟

أحدث المنشورات

مجاناً تحميل كتاب تصدع الجدران

بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان فلسفة الكتابة في المعتقل وقراءة في سوسيولوجيا أدب الحرية…

9 ساعات منذ

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

5 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

6 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

أسبوع واحد منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

أسبوع واحد منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ