حاوره: أوس يعقوب
رامي أبو شهاب: في مراجعة خطاب الضحية وتفكيك إرث ما بعد الاستعمار
بين مطرقة النقد الأدبي وسندان الدراسات الثقافية، استطاع الدكتور رامي أبو شهاب أن يحجز لنفسه مكانةً استثنائية في المشهد الأكاديمي العربي. هو الباحث الذي لم يكتفِ بتوصيف الظواهر، بل غاص في تعقيدات “خطاب ما بعد الاستعمار” ممسكاً بمبضع الجراح لتفكيك الرسيْس والمخاتلة في نقدنا المعاصر. اليوم، وبعد تتويجه بجائزة جامعة فيلادلفيا للإبداع عن كتابه “كتاب الضحية: آداب الصدمة”، نلتقي بالشاعر والأكاديمي الفلسطيني الذي طاف بفكره بين أكسفورد وكامبردج وصولاً إلى جامعة قطر، لنحاوره في شؤون النقد، وشجون الشعر، وأسئلة التراوما التي تلاحق الإنسان العربي.
حوار مع الدكتور رامي أبو شهاب حول “كتاب الضحية” ومستقبل النقد العربي
أغنى الناقد والشاعر والباحث الأكاديمي الفلسطيني، الدكتور رامي أبو شهاب (مواليد الأردن عام 1974)، المتخصّص في النّقد الأدبي، والدراسات الثقافية، وخطاب ما بعد الاستعمار، المكتبة العربية بمؤلّفات أدبية ونقدية عدّة. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في النّقد الأدبي الحديث من معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة. ودرجة الماجستير في الأدب والنّقد الحديث، من الجامعة الهاشمية، في عمّان. ويعمل حاليًا محاضرًا في جامعة قطر، وسبق له أن عمل محاضرًا في مؤسّسة قطر لأكثر من عشر سنوات.
نال د. أبو شهاب، في العام المنصرم، “جائزة جامعة فيلادلفيا للإبداع والابتكار” في الأردن، عن فئة (أفضل كتاب مؤلّف لعام 2025)، عن كتابه “كتاب الضحية: آداب الصدمة (التراوما)”. كما نال “جائزة الشيخ زايد للكتاب” لعام 2014، عن كتابه “الرَّسِيْس والمُخاتلة: خطاب ما بعد الكولونيالية في النّقد العربي المعاصر- النظرية والتطبيق”.
صدرت له كتب عدّة في النّقد والشعر، ونشر عددًا من البحوث المحكّمة، والعامّة في عدد من المجلّات العربية. وساهم في إنجاز بحوث علمية في مجال تخصّصه؛ في عدد من المؤتمرات والندوات الثقافية، والدورات الأكاديمية في كلّ من أكسفورد وكامبردج بإنكلترا، واليونان، وكينيا، وإيطاليا، وفي عدد من الدول العربية. وشارك كخبير ومحكّم ثقافي في عدد من الهيئات واللجان والفعاليات الأدبية والثقافية.
“ضفة ثالثة” تواصلت مع مؤلّف “كتاب الضحية: آداب الصدمة (التراوما)”، للحديث معه عن الكتاب والجائزة، وعن أفكاره النقدية التي يقرأ من خلالها تيّار الدراسات النقدية لما بعد الحقبة الاستعمارية، وامتداده في الثقافة العربية الحديثة، ويرصد أثر دراسات ما بعد الكولونيالية في خارطة النّقد العربي المعاصر، كما تحيّنا هذه الفرصة لنتحدّث معه أيضًا عن الشعر، وعن مشاريعه المستقبلية على صعيد الكتابة، فكان الحوار التالي:
(*) كيف يرغب رامي أبو شهاب في تقديم نفسه إلى قرّاء “ضفة ثالثة”؟
مفهوم التعريف يعني بكلّ الأحوال شكلًا من أشكال خلق محدودية للذات لجعلها في إطار، وأنا لا أؤمن بماهية قارة للذات التي تبدو لي معقّدة. فثمّة خلف السؤال جملة من المحدّدات التي تتّصل بسؤال الهوية، والهوى، والوضع الاجتماعي، وغير ذلك، ولكنّها هذه العناصر تبقى جزءًا من ماهية لم نخترها في بعض الأحيان، ولكنّي متيقّن من شيء واحد فقط، وربّما في بعض الأحيان لست على ثقة منه، وأعني كوني كاتبًا، فلا أعلم إن كنت قد امتلكت هذا التعريف أم لا، ولكن ما يسكنني في الكتابة هو الحقيقة التي أنا أتلمسها كلّ يوم صباحًا حين أواجه نفسي، والعالم، وأسئلة كثيرة لا تتوقّف، ولن تتوقّف.
(*) أسألك عن فوزك، العام المنصرم (2025)، بـ “جائزة أفضل كتاب مؤلّف”: “كتاب الضحية: آداب الصدمة (التراوما)” من “جامعة فيلادلفيا” في الأردن، ماذا تعني الجائزة بالنسبة إليك؟ وماذا يمكن أن يتولّد عنها من تحدّيات؟
الجوائز قد تشكّل غاية لدى البعض، غير أنّ الهدف منها في أحيان كثيرة يتّصل بالبحث عن معنى داخلي في تجربة كلّ مؤلّف، أيّ وعيه بأنّ عمله حين يرتبط بجائزة قد يوفّر له قدرًا من التقدير أو الاعتراف بجهد يُنجَز في سياق لا يمنح الكتابة موقعها الذي تستحقّه. فالكتابة في العالم العربي ما تزال ممارسة هامشية، على الرغم من كثرة الجوائز، التي تبقى في المحصلة جزءًا من محاولات البحث عن قيمة للثقافة، ومساءلة موقعها قياسًا بما يُنفق عليه من أموال واحتفاء في مجالات أقلّ عمقًا من الثقافة والبحث العلمي.
من هذا المنطلق، فإنّ حصولي على جائزة علمية صادرة عن جامعة فيلادلفيا أضاف للكتاب شكلًا من الاعتراف بقيمته، وبما يحمله من أثر بداعي التحكيم العلمي الرصين. فبعض الجوائز، ولا سيما تلك التي تصدر عن هيئات أكاديمية، تحتمل قيمة حقيقية، لأنّها تنظر إلى العمل بوصفه منجزًا معرفيًا يستحقّ أن يُرى ويُقدّر داخل فضاء البحث.
(*) حدّثنا عن رحلتك مع كتابك “كتاب الضحية: آداب الصدمة (التراوما)” منذ ولادة فكرته وحتّى تاريخ صدوره.
تكوّن هذا الكتاب في سياق اشتغالي السابق على كتابي “الرَّسِيْس والمُخاتلة: خطاب ما بعد الكولونيالية في النّقد العربي” قبل نحو عشرة أعوام، حين كنت معنيًا بتتبّع المدارات التي يتشكّل فيها الخطاب النقدي، وبالكشف عن نقاط التماس بين المعرفة والسياق والتجربة التاريخية. خلال هذا المسار، وقعت على عدد من الأعمال التي تناولت الصدمة بوصفها حقلًا معرفيًا قائمًا بذاته، كما في دراسات كاثي كاروث، وشوشانا فيلمن، ودومينيك لاكابرا، وإحالاتهم المتكرّرة إلى فرويد، حيث جرى تأسيس مفهوم الضحية انطلاقًا من فكرة الحدث الصادم بوصفه اختراقًا للوعي، يتجلّى أثره في الذاكرة المؤجّلة، والتكرار القسري، والعجز عن السرد المباشر، غير أنّ هذا التصوّر، على أهمّيته، ظلّ في معظمه أسيرًا لنماذج معيارية مغلقة، يتقدّم فيها النموذج اليهودي، ولا سيما سرديات الهولوكوست، بوصفه المرجع شبه الحصري لفهم الصدمة والضحية.
وقد ناقشتُ في الفصل الأوّل من الكتاب حدود هذا التمركز، مبيّنًا كيف تحوّل مفهوم الضحية، لدى كاروث ومن تأثّر بها، إلى بنية نظرية تُعاد إنتاجها خارج سياقاتها التاريخية، بما يفضي إلى تهميش تجارب أخرى لا تقلّ كثافة أو تعقيدًا من حيث الألم والمعاناة.
من هنا انطلقتُ في مساءلة هذا المفهوم، لا بقصد نقضه، وإنّما لإعادة تفكيكه، والكشف عن قصوره حين يُنزَع من سياقه، ويُطبّق على تجارب عربية تعيش صدمات مزمنة ومتراكمة، لا حدثية، ولا قابلة للإغلاق أو التعافي بالمعنى العيادي الكلاسيكي. فالتجربة العربية تضعنا أمام ضحية لا تُختزل في الفرد، ولا في الذاكرة النفسية وحدها، وإنّما في وعي جمعي تشكّل عبر الاستعمار والحروب والاقتلاع والانتهاك المستمرّ للحرّية.
لقد قادني هذا الوعي إلى إعادة النظر في مفهوم الضحية بوصفه بنية ثقافية معرفية، لا مجرّد حالة نفسية. حيث تتحوّل الصدمة من حدث عارض إلى شرط وجودي، ومن جرح فردي إلى أفق يُعاد من خلاله تنظيم الذاكرة والسرد واللغة. يسعى الكتاب إلى نقل دراسات الصدمة من الإطار الغربي الضيّق إلى فضاء نقدي أوسع، ممّا يتيح قراءة الأدب العربي باعتباره مساحة لإعادة تمثيل الصدمة، لا من منظور شخصي، إنّما ضمن إطار تاريخي وإنساني مفتوح.
(*) ما هي معايير اختيارك النماذج الأدبية الثلاثة؛ مجموعة “أثر الفراشة” لمحمود درويش، ورواية “فرانكشتاين في بغداد” للروائي العراقي أحمد سعداوي، ورواية “الخائفون” للسورية ديمة ونوس، في هذا الكتاب؟
في الواقع، ينطوي الكتاب على نماذج أخرى لا تقلّ كثافة وتعقيدًا. ففي أحد محاوره حاولت تتبّع ملامح الصدمة في السرد الفلسطيني عمومًا- الرواية والسيرة- إضافةً إلى مجموعة شعرية للشاعر محمد الماغوط، انطلاقًا من فرضية مفادها أنّ هذه الأعمال، على اختلاف أجناسها، تشترك في صيغ بنيوية واحدة تتّصل بالامتداد والأثر، ومن ذلك النموذج الفلسطيني الذي يبقى مشدودًا إلى نمط من الألم التاريخي الذي لا يمكن الانفكاك عنه، كونه ألمًا مزمنًا يتّصل بالضحية والذاكرة والنفي والشتات والاقتلاع، ويتحوّل مع الزمن إلى أثر تاريخي متجدّد يعيد إنتاج الصدمة بوصفها حالة وجود. أمّا النموذج السوري فيقدّم قراءة مختلفة للصدمة، حيث تتجسّد في الخوف بوصفه حالة كامنة، وما يترتّب عليه من اختلالات تطاول الذات في مستوياتها النفسية والعلائقية. هنا تقترب الصدمة من بعدها النفسي والعيادي، سواء في الشعر أو الرواية، وقد سعيت إلى رصد بُنى الخوف بوصفها عاملًا يتجاوز لحظة الحدث، ويمتدّ إلى ما قبلها وما بعدها.
أمّا رواية “فرانكشتاين في بغداد”، فقد رأيت فيها اختزالًا مكثّفًا لما تخلّفه الحروب والقتل من تشظّيات عنيفة، حيث تنتج الضحية أشكالًا ملتوية من الانتقام بداعي العجز عن استيعاب حجم الجريمة. غير أنّ هذا النموذج لا يتوقّف عند بعده الأخلاقي أو السردي، وإنّما ينفتح على مستويات أوسع تتّصل بالصدمة حين تطاول الوعي الجمعي والمكان والبيئة، ضمن قراءة تعتمد الأثر ما بعد الكولونيالي في توليد هذه الصيغ.
(*) ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك النقدية الإبداعية؟ وبعد، ما الذي يمكن أن يضيف محتواه للنّقد الأدبي العربي المعاصر في هذه المرحلة الانتقالية التي يشهد فيها النّقد العربي نوعًا من التحوّل؟
يستجيب “كتاب الضحية” للرؤية النقدية والفكرية التي انطلقت منها بعد كتابي المركزي “الرَّسِيْس والمُخاتلة”، حيث سعيت منذ البداية إلى عدم الوقوف عند مقولة نقدية واحدة أو إعادة إنتاجها بصيغ جديدة، أو تدويرها داخل تطبيقات متشابهة تحمل الرسالة ذاتها. كان هاجسي الأساس يتمثّل في تطوير وعي الدراسات ما بعد الكولونيالية، ودفعها نحو أبعاد تتّصل بإشكاليتنا العربية تحديدًا، مع السعي إلى تكييف المناهج النقدية كي تصبح جزءًا عضويًا من واقع النّقد العربي، لا أدوات مستعارة تعمل خارجه.
وجاء كتابي “في الممرّ الأخير: سردية الشتات الفلسطيني” محاولة لإعادة تأطير الأدب الفلسطيني من خلال مفهوم الشتات بوصفه تعبيرًا عن وعي جمعي، لا نتاج تجربة فردية نخبوية كما هي الحال في مفهوم المنفى، بما يتيح قراءة أوسع تتّصل بالبنية التاريخية والاجتماعية والرمزية التي أعادت تشكيل الإنسان الفلسطيني في الداخل والخارج. وقد سعيت إلى توسيع مفهوم الشتات ليغدو إطارًا تفسيريًا قادرًا على استيعاب الأبعاد المادّية والفكرية والوجودية للأدب الفلسطيني، حتّى وإن تقاطع ذلك أو اختلف مع تصوّرات إدوارد سعيد. وفي السياق نفسه، انطلق كتاب “خطاب الوعي المؤسلب في الرواية العربية” من قناعة بتجاوز النموذج اللغوي الشكلاني نحو نقد يستثمر مقاربات ثقافية وكولونيالية ونسوية وتاريخانية جديدة لقراءة الرواية العربية، في حين جاء كتاب “الأنوات المشوّهة: مقاربات في التنوير والمعرفة واللغة” مساحة تفكيكية لاختبار قضايا فكرية عربية عبر مساءلة الظواهر الثقافية ونقضها ضمن سياق تاريخي ومعاصر في آن واحد.
ويأتي كتاب “كتاب الضحية” امتدادًا عضويًا لهذا المسار، واتّصالًا وثيقًا بواقع الإنسان العربي الذي أراه، أينما اتّجه، محكومًا بتجربة الضحية، في سياق أسهمت في تشكيله قوى داخلية وخارجية، وجعلت الوعي بالصدمة سمة عامّة تتباين تجلّياتها تبعًا للتجربة والسياق. فالشخصية العربية، في كثير من تمظهراتها، تحمل ترسّبات عميقة من القهر والإحساس بالظلم والهزيمة. من هنا جاء هذا الكتاب ليختبر النصّ الأدبي بوصفه مساحة للكشف عن هذه البنى الخفية، وليضيف بعدًا نقديًا جديدًا يمكن للباحثين الانطلاق منه في قراءة النصوص الأدبية.
(*) ماذا عن الأدوات النقدية الجديدة والناقد الجديد؟ وكيف ترى العلاقة بينه وبين الكاتب/ة؟
فكرة “الجديد” لا تعني لي شيئًا بالمعنى الاحتفائي، ما يعنيني هو وعي نقدي بالواقع، واشتباك يقظ مع ما يعتمل فيه من تشقّقات دون أن يحيف ذلك على العنصر الجمالي والأدبي، وما يختزنه من تقنيات. فالكتابة ليست وثيقةً اجتماعية فحسب، ولا خطابًا سياسيًا مباشرًا، إنها أيضًا فنّ يبتكر أدواته في قلب التجربة، ويعيد صياغة العالم بوساطة التخييل.
الناقد، بالنسبة إليّ، ليس موظفًا معرفيًا يكدّس الأوراق بحثًا عن ترقية، ولا أكاديميًا يلهث خلف عناوين براقة وكتب عابرة لا تضيف للذات الجمعية شيئًا. الناقد الذي أتصوّره هو قارئٌ قَلِق، ومفكّرٌ في آن، يستجيب لقلق الفكر بوصفه شرطًا لمعرفة حية، ومن هنا يصبح النّقد فعلًا أخلاقيًا ومعرفيًا، لا مهارةً تقنية فقط، لأنّه يتعامل مع النصّ بوصفه حاملًا لأسئلة الوجود والهوية والمعنى، لا بوصفه مادةً قابلة للشرح والاستعراض.
أمّا الأدوات النقدية، فلا أراها حقيبةً جاهزة نضعها فوق أيّ متن، ولكنّ الأدوات حقيقةً هي التي تتولّد من المتن، بمعنى مقاومته لنا، أو من قدرته على إفشال قراءاتنا السهلة وإجبارنا على إعادة النظر. لذلك أؤمن بأنّ الناقد الحقيقي يصنع أدواته أثناء القراءة، أو يعيد تكييفها، أو يفتحها على مقاربات جديدة بحسب ما يستدعيه النصّ.
(*) أترانا بحاجة لاستعادة دعوة إدوارد سعيد لإخراج “النّقد من جديد إلى الحياة العامّة، وإيجاد شكل من النّقد يجمع بين السند المعرفي وبين جماليات اللغة”؟
نعم، نحن بحاجة دائمة إلى استعادة هذه الدعوة، لا بوصفها شعارًا ثقافيًا يُستعاد، وإنّما بوصفها شرطًا حيويًا لوجود النّقد نفسه. فالنّقد، في جوهره، استجابة تصدر عن متخصّص، غير أنّ هذا التخصّص لا ينبغي أن يُختزل في مهارة تقنية أو تمرين إجرائي، وإنّما في وعي عميق بالذات وبالعالم. الناقد، بهذا المعنى، ليس قارئًا محايدًا، وإنّما فاعل معرفي يتحرّك داخل شبكة من الأسئلة التي تتّصل بالمعنى والسلطة والتمثيل، من دون أن يفقد حساسيته الجمالية التي تبقى جزءًا أصيلًا من ماهية النصّ الأدبي أو العمل الإبداعي، وغيابها يعني فقدان تلك الجاذبية التي تمنحه القدرة على الحضور والتأثير. حتّى النّقد الثقافي، الذي ينفتح على النماذج العليا والدنيا، وعلى الرسمي والشعبي، لا يمكنه أن يتجاهل أنّ كلّ عمل إبداعي، أيًّا كان موقعه، يحمل في داخله أثرًا يتّصل بخلق القبول والتأثير. وبين هذين المستويين تتحدّد مهمّة الناقد في ابتكار صيغة نقدية قادرة على قراءة العالم من داخل اللغة، لا من خارجها.
فاللغة ليست أداة توصيل بالمعنى الشائع والمسطّح، وإنّما فضاء تعبيري تتشكّل فيه الرؤية، وتُنتج عبره الدلالات. وكلّ عمل إبداعي يمتلك لغته الخاصّة، سواء أكانت لغة سردية، أو سينمائية، أو تشكيلية، أو جسدية كما في الرقص. هذه اللغات جميعها تشترك في كونها أنساقًا دلالية تولّد الأثر، وتعيد تنظيم الإحساس بالعالم.
(*) أنت ناقد وشاعر، سؤالي عن معنى الكتابة الإبداعية بالنسبة إليك؟ وبعد، كناقد، هل يمكن لك أن تكون ناقدًا لنصوصك الشعرية؟
نصوصي الشعرية ليست غايتي المركزية، وإنّما أكتبها حين تفرض الكتابة نفسها بوصفها تجربة، لا مشروعًا ولا إنتاجًا منتظمًا. في الشعر أنحاز إلى لحظة الانكشاف والانفعال مع اللغة، وهي لحظة لا تحتمل المسافة التي يتطلّبها النّقد. لذلك لا أرى إمكانًا حقيقيًا لأن أكون ناقدًا لنصوصي الشعرية، فالشاعر والناقد يتحرّكان ضمن وعيين مختلفين، حتّى وإن التقيا في شخص واحد. أفضل أن أرى شعري في عيون نقّاد آخرين، لأنّ الشاعر يقرأ نصّه محمّلًا بتاريخ انفعاله، في حين يقرأه الناقد من موقع المسافة والتأويل.
(*) بين الشعر والنّقد الأدبي وكتابة المقالة، ما الذي تهتمّ بالتوقّف أمامه ومحاولة استنطاقه؟
ما يعنيني، بين الشعر والنّقد وكتابة المقالة، محاولة فهم العالم بأيّ صورة أو صيغة ممكنة، مع وعي دائم بأنّ هذا الفهم يظلّ ناقصًا ومؤجّلًا، وربّما هو ما يدفعني إلى الكتابة أصلًا. أتنقّل بين هذه الأشكال لأنّها تتيح لي الاقتراب من العالم من زوايا مختلفة، وفي العمق أنشغل بكلّ ما يتّصل بجعل هذا العالم أقلّ قسوة، وأكثر جمالًا، وربّما أكثر معنى، وغاية.
(*) هل ثمّة عمل نقدي أو مجموعة شعرية آتية في المنظور القريب؟
نعم، أعمل على عدد من المشاريع المتّصلة بمساري النقدي، مع حرص واضح على البحث عن صياغات جديدة ونماذج تفكير مختلفة تتّصل بالأدب والرواية، وربّما تتّجه أيضًا نحو السينما بوصفها خطابًا سرديًا وبصريًا موازيًا. أمّا الشعر، فيبقى حاضرًا بوصفه فسحة للحلم والحبّ والحياة، والتذمّر، أو ربّما مساحة أعود إليها حين تضيق اللغة النقدية، وحين أحتاج إلى ما يقاوم التسمية ويُقال بقدر من الصدق والهشاشة.
***
مؤلّفات الدكتور رامي أبو شهاب:
1. خطاب الوعي المؤسلب في الرواية العربية؛ مقاربات في النّقد الثقافي، ما بعد الكولونيالية، النّقد النسوي، التاريخانية الجديدة، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2021.
2. الأنوات المشوّهة: مقاربات في التنوير والمعرفة واللغة، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2019.
3. في الممرّ الأخير: سردية الشتات الفلسطيني؛ منظور ما بعد كولونيالي، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2017.
4. الرَّسِيْس والمُخاتلة: خطاب ما بعد الكولونيالية في النّقد العربي المعاصر- النظرية والتطبيق، المؤسّسة العربية للدراسات، بيروت، 2013.
5. بناء الشّخصية الرّمزية في الرواية العربية في الأردن 1967-2003، الدائرة الثقافية لأمانة عمّان، 2008.
6. بِنية الحكاية الشعبية القطرية، النموذج والاستقبال، كتاب ملحق بمجلة المأثورات الشعبية القطرية- مركز التراث والفنون- وزارة الثقافة القطرية، 2015.
7. الأنساق الثقافية في القصّة القطرية المعاصرة، مركز البحوث والدراسات، الدوحة، 2016.
الأعمال الشعرية:
1. أما أنا فلسـتـ (من) طين، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2019.
2. عدت يا سادتي بعد موت قصير، فضاءات للنشر، عمّان، 2007.
كتب بالاشتراك:
1. الواقع اللغوي للغة العربية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، 2025.
2. الخطاب والخطاب الآخر، ضمن كتاب حارس الحكايات: دراسات مهداة لفيصل دراج، الأهلية للنشر، عمّان 2021.
3. جدلية الاقتلاع والصدمة، ضمن كتاب فلسطين في مرايا الفكر والإبداع – التقرير العربي الحادي عشر للتنمية الثقافية، مؤسّسة الفكر العربي، بيروت، 2020.
4. في حمّى النصّ؛ بحوث ودراسات مهداة إلى الأستاذ الدكتور مصطفى عليان، تحرير عيسى عودة ورائدة أخو أزهية، دار المأمون، عمّان، 2018.
5. “نحو خطاب فلسطيني للشتات: الكتابة في أزمنة الارتحال”، في كتاب “قضية فلسطين، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني؛ في الهوية والمقاومة والقانون الدولي”، والذي يضمّ دراسات لكلٍّ من المفكّر العربي الدكتور عزمي بشارة، وإعجاز أحمد، وريتشارد فولك، وغيرهم من الباحثين والدارسين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2015.

