أفانين
الأم السورية في السينما بوصفها رمزًا ثقافيًّا
النقد

الأم السورية في السينما بوصفها رمزًا ثقافيًّا

في السينما السورية المعاصرة، لا تظهر المرأة، ولا سيما الأم، بوصفها فاعلًا سياسيًّا مباشرًا أو حاملًا لخطاب أيديولوجي، بل بوصفها حاملة للذاكرة. ذاكرة تُصوَّر أكثر مما تُقال، وتُلمح في تفاصيل الجسد، والنظرة، والإيقاع البطيء للحركة. الكاميرا لا تطلب منها أن تشرح، ولا تضعها في موقع الخطابة أو التمثيل الرمزي الصريح، بل تمنحها مساحة الوجود الصامت، حيث يصبح الصمت نفسه لغة، وتتحوّل التفاصيل اليومية إلى حامل للمعنى.
منذ اندلاع الثورة في سورية عام 2011، تغيّرت صورة المرأة السورية في السينما، كما تغيّرت صورة البلاد ذاتها. لم تعد المرأة تُقدَّم فقط كضحية مباشرة أو كأيقونة تعبوية، بل ككائن يعيش داخل الفقد، ويحمله معه يومًا بعد يوم.
السينما، بخلاف الخطاب العام، لم تُحمّل الأم مهمة التبرير أو الشهادة العلنية، بل جعلتها مستودعًا بصريًّا للغياب: حضورًا يثقل المشهد من دون أن يتقدّمه، ويمنع الحكاية من التحوّل إلى خطاب جاهز.
في الفيلم الوثائقي “ماء الفضة”، 2014، للمخرج أسامة محمد وبمشاركة وئام سيماف بدرخان، لا تظهر المرأة بوصفها متحدثة باسم السياسة، بل بوصفها عينًا ترى الخراب وتعيشه. فالمخرجة وئام كانت تصوّر من داخل حصار حمص. هنا، لا تُطلب من المرأة الكلمات، بل تُمنح حق النظر. الصورة تتحوّل إلى ذاكرة جماعية محمولة عبر جسد أنثوي حاضر في التفاصيل، لا في الشعارات، وكأن الفيلم يسلّم المرأة موقع الرؤية لا موقع التبرير.
ويتجلّى هذا المنحى بوضوح في الفيلم الوثائقي “الكهف”، 2019، للمخرج فراس فياض، حيث تتقدّم شخصية الطبيبة أماني بلّور لا بوصفها رمزًا سياسيًّا، بل بوصفها جسدًا يعمل داخل الذاكرة.
حماية الحياة تحت الأرض، وإدارة الخوف، والاستمرار في إنقاذ الآخرين. الفيلم لا يطلب من بلّور أن تفسّر السياسة، بل يترك فعلها اليومي — أي عملها بوصفها مديرة مستشفى ميداني في الغوطة الشرقية المحاصرة التي تتعرض لقصف مستمر ويومي — يتحدث عنها، ورغم تلك الظروف كانت الطبيبة أيضًا تواجَه بنظرة ذكورية ترفض عمل المرأة، هكذا تصبح المرأة فاعلة من داخل التجربة، لا من فوقها، ويغدو الجسد الأنثوي موقعًا لإنتاج المعنى لا مجرد وعاء له.
في السينما الروائية، يتجلّى هذا التحوّل بوضوح في فيلم “يوم أضعت ظلي”، 2018، للمخرجة سؤدد كعدان. البطلة ليست مناضلة ولا شاهدة سياسية، بل أم تحاول تأمين تفاصيل الحياة اليومية لابنها في مدينة تنهار. فقدان الظل الذي يصيب النساء في الفيلم لا يأتي كاستعارة سياسية مباشرة، بل كتجسيد لفقدان الذات تحت ضغط العيش. الأمومة هنا ليست هوية خطابية، بل عبء إنساني يُحمل بصمت، وتُصوَّر تفاصيله بعناية شديدة.

“السينما لم تُحمّل الأم مهمة التبرير أو الشهادة العلنية، بل جعلتها مستودعًا بصريًّا للغياب: حضورًا يثقل المشهد من دون أن يتقدّمه، ويمنع الحكاية من التحوّل إلى خطاب جاهز”

ورغم هذا الحضور العميق للمرأة بوصفها حاملة للذاكرة، لا يمكن تجاهل أن السينما السورية، حتى في أكثر تجاربها حساسية وصدقًا، ما تزال تعاني من ذكورية كامنة، غير معلنة، ربما غير مقصودة. فالكاميرا، حتى حين تتعاطف مع المرأة، كثيرًا ما تبقيها في موقع الاحتمال لا الفعل، وفي مساحة الانتظار لا القرار. الأم تُصوَّر بوصفها مستودعًا للصبر، لا بوصفها ذاتًا كاملة، وكأن دورها الطبيعي هو التحمّل لا الاختيار. هذه الذكورية لا تظهر بوصفها قمعًا فجًّا، بل تتسرّب عبر اللغة البصرية نفسها: في اختيار زاوية النظر، وفي توزيع الصمت والكلام، وفي افتراض أن المرأة “تفهم كل شيء”، لكنها لا تقول كل شيء. إنها ذكورية ناعمة، تتخفّى خلف التعاطف، وتجعل من المرأة رمزًا أخلاقيًّا ساميًا، لكنها في الوقت ذاته تحرمها من أن تكون محرّكًا دراميًّا مستقلًّا.
يتجلّى هذا المنحى في الفيلم الروائي “الغريب”، 2021، للمخرج أمير فخر الدين. فرغم انشغال الفيلم بأسئلة العزلة والانكسار والهوية في فضاء الجولان السوري المحتل، تبقى الشخصيات النسائية محكومة بدور الانعكاس لا المبادرة. المرأة حاضرة كذاكرة وجرح صامت، وكمرآة لما يعانيه البطل الذكر، لا كمسار سردي مستقل. هي تعرف، وتشعر، وتحتمل، لكن الحكاية لا تُمنح لها كي تتحرك عبرها.
هذا لا ينتقص من القيمة الجمالية لهذه الأعمال، بل يكشف نمطًا متكرّرًا في السينما السورية: المرأة بوصفها ضمير الحكاية، لا محرّكها. وهي مفارقة لافتة، لأن سينما نجحت في تفكيك العنف السياسي والاجتماعي، ما تزال مترددة في تفكيك البنية الذكورية التي تنظّم نظرتها إلى المرأة، حتى حين تنحاز إليها أخلاقيًّا.
ومع ذلك، فإن تحويل المرأة إلى رمز ثقافي للذاكرة كان خطوة جمالية وأخلاقية مهمة. السينما السورية اختارت أن تحمي الأم من الاستهلاك الخطابي، وأن تُبقيها في منطقة إنسانية عميقة، حيث لا شعارات ولا إجابات نهائية. لكن الخطوة التالية، وربما الأهم، هي إخراج المرأة من موقع الرمز إلى موقع الفعل، ومن مساحة الاحتمال الصامت إلى مساحة الاختيار.
بهذا المعنى، تحوّلت المرأة السورية في السينما إلى رمز ثقافي لا سياسي: لا تشرح بل تُذكّر، لا تطالب بل تتحمل، لا تصرخ بل تُبقي الأثر حيًّا.
الثقافة هنا لا تبحث عن حلول جاهزة، بل عن معنى قابل للبقاء. والمرأة، كما تصوّرها السينما السورية، أصبحت المكان الذي تُخزَّن فيه هذه الذاكرة، بلا ضجيج.
في بلدٍ صُوِّرت مأساته مرارًا، اختارت السينما أن تقترب من المرأة لا لتجعلها أيقونة بطولة، بل لتجعلها مرآة للحياة حين تُكسَر. ولهذا تبقى المرأة السورية على الشاشة لا كشعار ولا كصورة جاهزة، بل كإنسانة كاملة، تحمل الذاكرة وتمشي. 

ذات صلة

رواية «منام القيلولة» لأمين الزاوي: الخيانة، الذاكرة، وجنون التاريخ الجزائري

suwaih

قراءة في رواية ” بغداد-مالبورو ” للكاتب نجم والي

suwaih

لغة الأشياء / ما يستحق «الانتظار»

suwaih

قدامة بن جعفر رائد التنظير النقدي في العصر العباسي

suwaih

قراءة في كتاب “شيفرة دافنشي” تأليف دان براون 

suwaih

“حامل الصحف القديمة”: اليأس المتوالد وشظايا الأمل

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية