محمود حسن إسماعيل
لعل حياتنا الأدبية مدعوة في هذه الآونة، للاحتفال بمرور مئة وخمسة عشر عاماً على ميلاد الشاعر المتفرد الراحل: محمود حسن إسماعيل (1910- 1977م)، والاحتفال بمرور تسعين عاماً على صدور الديوان الأول لهذا الشاعر.
فقد صدر ديوان (أغاني الكوخ) في عام (1935م)، الذي كان يمثل نمطاً فريداً بين الدواوين الصادرة آنذاك، وينبئ بميلاد شاعر متفرد، فعُدّ علامة فارقة في إنتاج صاحبه، حيث كان الشاعر حينذاك، طالباً بكلية دار العلوم، لفت الأنظار بنبوغه المبكر الذي دفع أساتذته في الكلية ليقيموا له حفل تكريم، وشاركت الحياة الأدبية كلها في الحفاوة بهذا الديوان، وفى التنبؤ، الذي كان صادقاً، بأن الحياة الأدبية توشك أن تستقبل شاعرية كبيرة، لها خصائصها المتفردة وملامحها المتميزة في الفن الشعري…
كانت الميزة الكبرى لـ(محمود حسن إسماعيل)، بجانب موهبته الشعرية، هي قدرته الفائقة على إلقاء الشعر، حيث ألقى أثناء هذا الحفل عدة أبيات من شعره، وأمام براعته في الإلقاء وجمال الأبيات، التي أبهرت الحضور الذين أكدوا ميلاد شاعر جديد سيخلف الشاعر الكبير أحمد شوقي، إن لم يتفوق.
لقد أثبت شاعرنا، أنه يمثل ظاهرة فنية في أدبنا العربي بعامة، وفي الشعر المصري بخاصة، امتلك طاقة خصبة ظلت تبدع أكثر من ثلاثين عاماً، أعمالاً فنية أصيلة، منذ أن أخرج ديوانه الأول (أغاني الكوخ). تميز شاعرنا بشخصية واضحة، تجلت في أسلوبه الشعري، وجعلت له طابعاً فريداً، يتميز بطبيعة تجاربه ومفردات معجمه الشعري، الذي أغنى لغتنا الشعرية الحديثة، والذي بدأ أول الأمر خاصاً على قلم الشاعر، ثم شاع على أقلام كثيرين ممن أعجبوا به.
بدأ الشاعر محمود حسن إسماعيل، المولود في عام (1910م) بقرية النخيلة بمحافظة أسيوط، خطواته الإبداعية الأولى في الشعر، مشدوداً إلى القديم الذي اعتاده، والذي كان الشاعر الكبير أحمد شوقي، يمثل ذروته الإبداعية، مبهوراً بالجديد الذي كان يمثله خليل مطران، وعبدالرحمن شكري، وعباس العقاد، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة. وعندما وصل شاعرنا القاهرة في مطلع عامه الأول من التعليم العالي، كانت القاهرة نفسها تشهد لحظة حاسمة من لحظات التحول في تاريخها الشعري، وتودع أمير شعرائها، الذي توفي في أكتوبر (1932م). ووجد الشاعر الشاب القادم من أسيوط نفسه يسير في جنازة تشييع جثمان شوقي، وفي الوقت ذاته كانت موهبته تتأهب للانطلاق. ولم تكد تمضي أيام؛ إلا وقام ذلك الشاب بنشر قصيدة في مجلة (أبوللو)، كتبها في رثاء شوقي بعنوان (مأتم الطبيعة)، وتحت العنوان تعريف يصف القصيدة بأنها (مرثية من الشعر الحر) قال فيها:
أطرق الطير على هام الغصونْ
كذبيحٍ نفرت فيه الكلامْ
ودجا الكون وسجاه السكونْ
بدثار الموت، والموت ظلامْ
وذكا فيه لهاب للشجونْ
أخرس الشادي بشجو وغرامْ
أي خطب قد دهاهْ؟
وأسىً أطبق فاهْ؟
أترى شامُ الجنان
خمدت فيها الحياةْ
بدأ محمود حسن إسماعيل في نشر قصائده بعدد من المجلات، منها: (الثقافة) و(الرسالة).. وشهدت تجربته الشعرية، غروب الكلاسيكية الشعرية العربية، وشروق مدرسة أبوللو الرومانسية، التي تأثرت بروافد نقدية وإبداعية وافدة من الغرب. ولقد امتص هذا الشاعر رحيق عصر الإحياء الشعري فاكتمل بناؤه اللغوي، ولكنه فجر في هذا الإطار الذي تحول على يديه لعاصفة شعرية، عالماً غير مألوف من الصور الموغلة في بعدها عن النمط التقليدي. كانت المدرسة الكلاسيكية، قد أفضت بكل ما لديها من أساطين كبارٍ بلغوا ذروة النضج في الأداء الشعري العمودي، عند كل من: شوقي وحافظ إبراهيم، وظهرت مدرسة الديوان التي تزعمها عباس العقاد، وعبدالرحمن شكري، وإبراهيم عبدالقادر المازني. وكان من حسن الطالع أن تعانقت طليعة عربية تعيش في المهجر، يتزعمها: (ميخائيل نعيمة، ونسيب عريضة، وجبران خليل جبران). ثم ظهرت مدرسة أبوللو التي قدمت نماذج من شعراء، كان لهم دورهم الطليعي، أمثال: (علي محمود طه، وأحمد زكي أبوشادي).
وكان محمود حسن إسماعيل، يقف نسيج وحده بين الرومانسيين من أبناء جيله، خياله مختلف عن خيالهم، وصوره مختلفة عن صورهم، وقاموسه متفرد. تدفقت شاعريته في عطاء متواصل، وظلت موهبته الأصيلة تجود به حتى آخر رمق في حياته. تمثل عطاؤه في مجموعة هائلة من الدواوين الشعرية المتتابعة: (أغاني الكوخ)، (هكذا أغني)، (أين المفر)، (نار وأصفاد)، (لا بد)، (قاب قوسين)، (موسيقى من السر)… وهي ليست مجرد دواوين تضم قصائد، بل هي أبنية شامخة في مدينة الشعر العربي الحديث والمعاصر. قال عنه نعمان عاشور: (ولعلّي لا أكون مبالغاً إذا قلت إن محمود حسن إسماعيل، يعتبر بعد شوقي، طفرة بارزة في شعرنا الحديث، وهو التمهيد الأكيد بل الأصيل لكافة فروع الشعر الحديث، التي امتدت عندنا بعده..).
وجاء ديوانه (أغاني الكوخ)، نشيداً متصل المقاطع، يدور في رؤيته وبنيته وتجربته حول انصهار الشاعر في الطبيعة. اكتسبت الطبيعة التي يصورها الشاعر، خصوصية موهبة الشعر وخصوصية الريف الذي يعبر عنه الشاعر. ولقد تتابع ولع الشاعر بالطبيعة، التي منحها كل صفات الإنسان: من التألم والغناء والحركة والحزن والموت والبكاء والحب، ففي ديوانه الثاني (هكذا أغني)، يفرد جزءاً مهماً من الديوان لمقاطع شعرية حول موضوع (وطن الفأس)، وفي هذه القصائد مزج بين صورة الطبيعة وصورة الإنسان الذي يرعاها، فهو يرسم صورة لهذا الريف الذي يسميه (جنة):
عربد الزهر من شذاها فأفشى
سرَّ جناته على نفحاتِهِ
والفَراش الوديع يسبح في الأيكِ
ويحسو العبير من زهراتِهِ
ومن الطير سجعة ورنينٌ
ومن النخيل زفةٌ في رباتِهِ
وهنا هدهدٌ تولع في الحقلِ
بظلٍّ يفيء في نخلاتِهِ
أقام محمود حسن بين هذه الطبيعة وبين الإنسان الذي يعمرها، علاقة فريدة، هي علاقة تراسل وتواصل وحنان، فيقول:
وبكى النبت شجوه حين غنى
وأذاع الشجون في نبراتِهِ
لقد انتقل محمود حسن إسماعيل بالشعر انتقالة جريئة، قامت عليها أبنية معاصرة، فهو واحد من أبرز رواد الشعر الحديث الأوائل، في مصر والوطن العربي. ارتبط اسمه بشعر الطبيعة، واحتلت الطبيعة وجدانه، كما يقول محمد إبراهيم أبوسنة: (محمود حسن إسماعيل قد تحول إلى جزء من الطبيعة التي وُلد في أحضانها.. وحمل شعره إلى الشعر العربي في ثلاثينيات القرن العشرين، في مصر على وجه الخصوص، هزة عاتية فتحت في شرايينه دفقات عميقة وغزيرة من مشاهد ومعاناة الريف، وحيرة الشاعر بين جمال الطبيعة الخلاب وبؤس الإنسان الذي يصنع هذا الجمال الآسر).
الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…
أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…
“تذكر دوماً أنني أحبك” رواية جديدة للأديبة وفاء شهاب الدين عن دار اكتب للنشر صدر حديثًا…
صدر أخيرًا عن «دار ليبيا المستقبل» كتاب نقدي جديد بعنوان «فاعلية الواقعية السحرية في الرواية…
بدأت عروض مسرحية "الدور السابع" على خشبة مسرح محمد العلي في بوليفارد رياض سيتي، من…
قدّمت الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي أمسية فنية حافلة ضمن فعاليات موسم الرياض 2026، في حفل…