الفنان محمد الزواوي
حين نتحدث عن محمد الزواوي، فنحن لا نتحدث عن فنان كاريكاتير مر بسلام على صفحات الجرائد الليبية، بل نتحدث عن “مفجر ثورة” صامتة، استخدم الحبر سلاحاً، والورقة ميداناً، والضحكة وسيلة للكيّ والتطهير. الزواوي لم يكن يرسم “نكتة”، بل كان يصيغ “بياناً اجتماعيًا” متكاملاً. هو الفنان الذي استطاع أن يحول الكاريكاتير من “فن هامشي” للتسلية إلى “فن مركزي” للتوثيق، حتى صار يُعرف برائد المدرسة الليبية، بل وأحد أعظم رسامي الكاريكاتير في القرن العشرين باعتراف كبار فناني العرب.
وُلد محمد محمد الزواوي الترهوني في عام 1935 بضواحي بنغازي، في بيئة بدوية بسيطة (منطقة سلوق). هذه البداية هي مفتاح فهم عبقريته؛ فالفنان الذي بدأ حياته “رعياً للبقر” في وادي القطارة، لم يكن يملك سوى الطبيعة معلماً. كان يحول بتلات الزهور وأوراق العنب إلى أصباغ يلون بها الصخور، في محاولة فطرية لاستنطاق الجماد.
انتقاله للدراسة في مدرسة “الأبيار” الداخلية ثم بنغازي، واضطراره لترك الدراسة بسبب الظروف العائلية، لم يكن عائقاً بل كان دافعاً. عمله المبكر في القسم السمعي والبصري بـ “النقطة الرابعة الأمريكية” صقل موهبته تقنياً، حيث احتك بمناهج بصرية حديثة، قبل أن ينطلق في الستينيات عبر مجلتي “الإذاعة” و”المرأة”، ليضع اللبنات الأولى لجمهورية الكاريكاتير الزواوية.
ما يميز الزواوي عن غيره من رسامي الكاريكاتير العرب هو ما يمكن تسميته بـ “هوس التفاصيل”. في الكاريكاتير التقليدي، غالباً ما يكتفي الرسام بخطوط بسيطة وخلفية بيضاء لإيصال الفكرة. أما الزواوي، فقد كان يبني “عالمًا دراميًا” كاملاً.
لنتأمل عبقرية الزواوي من خلال تفكيك مشهده الشهير لصراع “المواطن والموظف”؛ هنا يبني الزواوي متاهة بصرية تحكي قصة الفساد الإداري:
من خلال مجلداته الثلاثة (الوجه الآخر، أنتم، نواقيس)، قدّم الزواوي أرشيفاً وطنياً لا يقل أهمية عن كتب التاريخ.
لم يقتصر إبداعه على الكبار، بل غرس في وجدان الأطفال شخصيات مثل “البطل الصغير” الذي يحمل رسائل عمر المختار، مؤكداً أن الكاريكاتير عنده هو أداة نضالية وتربوية أيضاً.
حادثة الرسام “أبو النون” الذي اقتبس أعمال الزواوي كانت شهادة اعتراف دولية. فالمقلّد لا يقلد إلا “الأستاذ”، والسرقة هنا لم تكن لخطوط عابرة، بل كانت محاولة لسرقة “روح” عجز المقلد عن ابتكار مثلها. الخط الزواوي عصيٌ على التزوير لأنه نابع من بيئة محلية مشبعة بالخصوصية؛ فكيف لغير الليبي أن يقلد بدقة طريقة “الربطة” أو جلسة “القعمز” الليبية؟
في إحدى لوحاته العميقة، يصور الزواوي كاتباً يعيش في فوضى عارمة، يحلم بجائزة نوبل وسط ركام من المخطوطات. هنا يتجلى البعد الفلسفي عند الزواوي؛ فهو لا يسخر من الكاتب، بل يسخر من “الواقع” الذي يهمش الإبداع. الزواوي كان يشعر بمرارة المثقف، وكان يرى أن الكاريكاتير هو “مبضع جراح” (كما في مجلة “لا”) يعالج الأورام الاجتماعية قبل أن تستفحل.
في تجربته مع جريدة “الصدى” الرياضية، ابتكر الزواوي شخصية “القنفذ”. وكما كان “حنظلة” ناجي العلي شاهداً على المأساة الفلسطينية، كان “قنفذ” الزواوي هو المشاغب الليبي، المتلقي الذي سئم دور المتفرج وقرر أن يدخل إلى كادر اللوحة ليعلق، يسخر، وينتقد.
في 5 يونيو 2011، توفي محمد الزواوي وهو على مكتبه، في مشهد درامي يليق بفنان أعطى حياته للورق. مات وهو “يرسم”، وكأن القدر أراد أن يقول إن ريشة هذا الرجل لا تتوقف إلا بتوقف قلبه.
رحل الزواوي وترك خلفه أكثر من مجرد رسومات؛ ترك “مدرسة” تخرج منها عشرات الرسامين، وترك “هوية بصرية” لليبيا. اليوم، وفي الذكرى الثالثة عشرة لرحيله، تظل المطالبات بإعادة طباعة أعماله ليست مجرد مطلب ثقافي، بل هي ضرورة وطنية للحفاظ على “ذاكرة الضحك والوجع” الليبية.
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…
بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…