كتاب غسان

منصور بوشناف

قبل «العلكة» كنت قد كتبت أكثر من ثلاث روايات، دون أن أنهي أياً منها، كنت أبدأ وأقطع شوطا ثم أتوقف، وأغادر الحقل تاركا المسودات مفتوحة كمشاريع دساتير لليبيا، أعود إليها لأجد أغلبها قد ضاع وتمزقت أوراقه، لأمزق ما تبقى ثم أدشن كما يقولون مشروعا جديدا ليتوقف بعد التدشين بصفحات، ولكنني لم أتوقف عن تدشين المشاريع والكتابة ثم التخلي وهكذا، كانت مشكلتي الكبيرة ضياع الورق الذي كتبت أو فساد حبره وورقه، لم أكن قادرا على الاحتفاظ بشيء خاصة الورق، كنت حقا ابن ليبيا الأصيل الذي لا يحب الأرشيف والاحتفاظ بالورق.

في العام 1992م أقنعني الفنان والصديق، الراحل «مرعي التليسي» بشراء جهاز كمبيوتر وتولى هو الشراء، ليدخلني عصر التقنية وبدأت الكتابة على ذاك الجهاز الذي أبهرني وأخجلني بسعة صدره واحتماله لكل أخطائي الشنيعة في تشغيله، كان لا يتوقف عن الكتابة لي معاتبا وأحيانا محتجا «ما هذا ؟» ناصحا لي بالنقر على لوحة مفاتيحه هنا أو هناك، لأصلح أخطائي العديدة والمتكررة. كان «حاسوب الفاتح»، وذاك اسمه معلما «ماحيا» لأمتي التقنية، ثم تحول إلى سكرتير ممتاز ومطيع، يحفظ ما أكتب في ملفات مرتبة.
كنت ووسط مشاريع كثيرة قد كتبت صفحة على الورق، أي قبل قدوم حاسوب الفاتح، وتركتها ولكن وما إن فتح الحاسوب ملفاته حتى أدخلت تلك الصفحة إلى أرشيفه ثم واصلت الكتابة وأنجزت «عشر صفحات طوال» لأترك المشروع كما تعودت أن أفعل مع كل المشاريع، الجديد المبهج هذه المرة كان هذا الصندوق السحري الحافظ لما أنجزت وإن كان ضئيلا وتافها.

بعد سنتين تقريبا عدت إلى الصفحات ووجدتها في الصندوق السحري سليمة ومرتبة مما جعلني استأنف الكتابة وأقطع شوطا كبيرا، في كتابة منجزي الأول «سراب الليل»، أكملت الرواية ثم سحبتها على الورق لأتحسس أول عمل مطبوع لي على الورق، وكان رواية «سراب الليل، العلكة» كما ترون الآن كان عنوانا غنائيا وعبيطا «سراب الليل»، المنجز الأول المطبوع والذي نجا من الضياع كان وعلى الرغم من إني كاتبه إلا أنه كان حقيقة أول «إنجازات الفاتح الحاسوبي» ولولاه لضاع كما ضاع الذين من قبله.
بعد أربعة عشر عاما من ذلك المنجز الذي ظل محفوظا في صندوقي الإلكتروني قدمت قرصا مدمجا في القاهرة للراحل العزيز «إدريس المسماري» وفيه «سراب الليل» ليطبعها ويصدرها بعد أسبوع «طبعا مليئة بالأخطاء المطبعية» ولكنها كانت مبهجة بالنسبة لي، لإنجاز كتابي الأول بعد ربع قرن من الكتابة والنشر في الصحف والمجلات والعروض المسرحية التي كتبت دون أن أنشر كتابا.

«سراب الليل» منعت من التوزيع في ليبيا وأهديت منها نسخا للأصدقاء ولم تلفت نظر أحد منهم ولا نالت إلا القليل من الاهتمام كي أقنع نفسي بنسيانها وأعتبرها فشلي الأول في الكتابة على الرغم من جهود وأرشيف «صندوقي الإلكتروني».

بعد ست سنوات من ذلك المنع والفشل، اتصل بي «جمعة بوكليب» من لندن وأنا أدخل البوابة الليبية عائدا من تونس قائلا إن ثمة ناشرا اسمه غسان فرجاني يريد ترجمة الرواية التي نسيت، اندهشت طبعا ووافقت متوقعا لها فشلا «إنجليزيا» ولكن غسان أحبها كما عرفت وعمل مع الكاتب غازي قبلاوي والمترجمة التي تولت ترجمتها على مداواة عللها وجروحها الليبية لتصدر أنيقة ورشيقة ولتنجح بدل توقعي بفشلها الثاني.

كان غسان وبذكاء ناشر محترف قد ألقى في الزبالة بسراب الليل كعنوان واحتفظ بالعلكة، وصارت العلكة كتاب غسان.

تجربة العلكة علمتني أن نص العمل الأدبي أو أكثر هو صناعة ناشر، تلك الصناعة التي يدفع الإنتاج الأدبي الليبي ثمن هشاشتها وضعفها تهميشا وغيابا وضياعا.

أحدث المنشورات

“العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم”

الدكتورة جيهان الدمرداش "العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم" قراءة نفسيّة أنثروبولوجيّة جماليّة في رواية…

11 ساعة منذ

«أزمة الشعر المعاصر» لشكري عياد.. إصدار جديد يعيد قراءة جوهر القصيدة وإنسانيتها

في خطوة ثقافية رائدة تهدف إلى إحياء الذاكرة النقدية العربية، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب…

11 ساعة منذ

اليوم العالمي للإذاعة.. صوت الإنسانية الذي لا يغيب في 13 فبراير

مقدمة في عالمٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتغير فيه أدوات الإعلام يومًا بعد يوم، تبقى…

15 ساعة منذ

لغز «بخنوق عيشة»: رحلة النص المشفّر من رمال ليبيا إلى مسارح الرشيدية بتونس

أغنية بخنوق عيشة.. تداخل مغاربي يجمع بين النص الليبي واللحن الجزائري والتهذيب التونس أغنية "بخنوق…

يومين منذ

نور الدين الإسماعيل يوقع “مخاتير المحصورة”: رواية تعري صناعة “المخبر” في الأرياف المسحوقة

في إطار فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، وقع الشاعر والصحفي السوري نور الدين الإسماعيل روايته…

يومين منذ

بعد غياب 7 سنوات: مهرجان “أم جرس” الدولي يعيد نبض الثقافات الصحراوية إلى قلب تشاد

بعد انقطاع طال انتظاره لمدة سبع سنوات، عادت مدينة "أم جرس" في شمال شرق تشاد…

3 أيام منذ