النقد

“وادي الفراشات”.. رواية الكوميديا السوداء التي ترصد اغتراب الإنسان العراقي ونحسه المقيم (متاحة للقراءة والتحميل)

«المنحوس منحوس، حتى لو علّقوا على رأسه فانوس»، ورد على ذهني هذا المثل وأنا أنهي قراءة رواية «وادي الفراشات» للروائي العراقي أزهر جرجيس، الواصلة إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية هذه السنة. فـ»عزيز عواد» الشخصية الرئيسية في الرواية والراوي في الوقت ذاته، لازمَه سوء الطالع طيلة حياته، التي لم تعرف سوى سلسلة لا تنتهي من الخيبات ومعاكسة القدر مع استعداد فطري منه لمفاقمة الوضع. ويكفي أنه عاش في بغداد زمن الحصار، حيث توفي نصف مليون طفل جوعا، وحيث اجتمعت كل رذائل الدنيا في بقعة واحدة، من فقر وبطالة وفساد وقمع وخوف وتدين زائف، وحيث أصبحت الثقافة ترفاً «فـقد عزف الناس عن دخول المكتبات وغدت القراءة ضرباً من الرفاهية، لا أحد يضحّي بقوت يومه من أجل كتاب، فإن قال قائل: القراءة غذاء العقل، ردّوا عليه: أغلق فمك، نحن جائعون».

في هذا الهمّ العام تربي عزيز عوّاد، ولكن همّه الخاص كان أفظع، بدءا من وفاة والده وهو في الثالثة عشرة من عمره، هذا الوالد الذي لم يكن له حضور كبير في حياة ابنه فقد كان أخرس فاقدا للذاكرة منذ سقوطه أثناء عمله قبل مولد عزيز، لذلك تلقى وفاة والده بلامبالاة، تذكرنا بغريب ألبير كامو حين وصله خبر وفاة أمه، فعزيز يصف حزنه على والده بهذه الطريقة الباردة «جلست تحت ظل نخلة البرحي دافناً رأسي بين ركبتي محاولاً البكاء، دون جدوى. كانت أصواتهم تشغلني عن التركيز، زادها أن طائرة حربية اخترقت حاجز الصوت فتشوّش عقلي وباءت المحاولة بالفشل». وهذا الوصف يعطينا فكرة أولية عن شخصية عزيز، بما في ذلك المفارقة بين معنى اسمه وتصرفاته، التي اتسمت بضعف الشخصية، فأخوه المتسلط يعامله بقسوة منذ طفولته، عندما زعق في وجهه يوم وفاة والدهما وصفعه قائلا: «هربت من العزاء! حتى البنات أرجل منك»، وصولا إلى غصبه نصيبه من ميراث البيت العائلي، ووصفَ عزيز ردة فعله تجاه ظلم أخيه الأكبر «لم أجادله، اكتفيت بالصمت».

وصفة عدم الرجولة بما تحمل من معاني الذلّة، وردت أيضا على لسان زوجته تمارا ابنة العائلة الميسورة التي ضحت بكل شيء لأجل الارتباط به، ولكن بعد أن عاشت معه حياة مأساوية لم يكن أمامها من حل سوى أن تصرخ في وجهه بدورها «كن رجلا لمرة واحدة في حياتك وطلقني».

ولكن هل «وادي الفراشات» هي سيرة رجل وُجد في الزمان والمكان غير المناسبين؟ أم هي سيرة وطن أنهكته الحرب والديكتاتورية والحصار، وحولت شعبه إلى معذّبين في الأرض؟ هذا ما يبدو لأول وهلة، غير أن الصفحات الأولى من الرواية، بل جملتها الأولى «احتفظ بهم كي لا تقف عاريا في الريح»، تعطي للرواية بعداً آخر قال عنه أزهر جرجيس في لقاء له «لقد أردت لهذه الجملة الافتتاحية القصيرة أن تكون خيطاً يربط مفاصل الرواية كلها، بدءاً من أول حالة فقْدٍ تعرّض لها البطل… هذه الخسارات القهرية المتتالية، التي لم يحسن عزيز التصرف معها، كانت مصدر هشاشته وجعله غصناً ضعيفاً قابلًا للكسر في مواجهة قدر عبثي ساخر»، ثم تغيب هذه الجملة عن ذهن القارئ، كما تغيب معها الصفحات الأولى التي تثير تساؤلات عن سبب وجود بطل الرواية في السجن، وما هو «دفتر الأرواح» الذي سلمه له خاله، إذ ينقلنا الروائي إلى ملاحقة حياة عزيز، على امتداد ثلاثة أرباع الرواية، ليشرع في تفكيك الصفحات الأولى الغامضة مع جملتها المثيرة للتساؤل، التي وردت في حوار له مع الشيخ الدرويش حين قال له: يبدو أنك مكوي بنار الوحدة، فأجابه عزيز: أنا لست وحيداً كما تظن، حولي كثير من الأحبة، فقال الشيخ: «احتفظ بهم كي لا تقف عارياً في الريح».

كما يكشف لنا أزهر جرجيس في الموضع نفسه سر العنوان، فنعرف أن «وادي الفراشات» مقبرة خارج بغداد مملوءة بالموتى من الأطفال الرضّع ومجهولي الهوية، الذين تركوا أمام أبواب المساجد وحاويات القمامة نتيجة الفقر المدقع أو العلاقات المحرّمة، وكلما دُفن أحدهم طارت من قبره فراشة، وهذا العنوان الذي يوحي بالجمال يحمل بدوره مفارقة مع متن الكتاب، الذي يروي سيرة الخيبة والفشل، اللذين تقلّب فيهما عزيز، فلا القدر رحمه ولا رحم هو نفسه، وكان حظه البائس حاضرا في كل مفترق طرق ينتظره، وإن كنت لم أستسغ كثيرا تتابع الصدف التي تعمّق مأساة البطل، فالصدفة هي التي أدخلته السجن للمرة الأولى، حين وجد البوليس عنده كتاباً سياسياً ممنوعاً، كما أدخلته السجن ثانية حين ضبطوه في بيت دعارة، وعادت به إلى السجن ثالثة محكوماً عليه بخمسة عشر عاماً حين أوقفه حاجز مؤقت وهو يحمل في صندوق سيارته جثة طفل سرقت أعضاؤه.

تاريخ من النحس لازم البطل، منذ أن درس المسرح بدلا من الطب، لأن الروايات في مكتبة خاله ضيعته، وحين تخرّج من الجامعة وفتش طويلا عن عمل بلا جدوى أدرك «أن الشهادة الجامعية، في بلد يضرب الجوع خاصرتيه، هي أدنى قيمة من المسمار الذي يشدها إلى الحائط» ورغم أنه تزوج بالفتاة التي أحب، إلا أن حياتها معه كانت كارثية فقد أسكنها في بيوت أشبه بالخرابة، وهي ابنة تاجر ميسور والفقر يقتل الحب، وأجهضت مرتين وفي الثالثة ولدت ابناً بقلب معيوب اختُطف وهو يلعب أمام خرابتهم. ولعل الشخصية المضيئة الوحيدة في الرواية هي «جبران» خال عزيز وهو صورة مصغرة عن العراق، قبل أن تحل به كل هذه الكوارث، هذا المكتبي المثقّف يمثل نموذجا للعراقي الأصيل الشهم المحب للحياة، وهو في الرواية الملاك الحارس لابن أخيه نجده عند كل مصيبة حاضرا ليخفف من آثارها، فمرة يبيع دكانا يستفيد من إيجاره لأجل إخراج عزيز من السجن، وأخرى يوظف عزيزا في مكتبة في زمن انصرف الناس فيه عن الثقافة، وانتشر التدين فـ»انحسرت من على الرفوف أشرطة السيدة والعندليب وياس خضر في مقابل العجمي والسديس والوائلي»، وكان من قبل: قد وجد له وظيفة في أرشيف كلية الفنون، ومن بعد: كتب باسمه سيارته ليعمل عليها هذا العزيز سائق أجرة، وهو العمل الذي أحدث انقلاباً في حياته، ومفرقاً مفاجئاً في مسار الرواية أدخل على السرد – الذي بدا سيرةً ذاتية لعزيز- صدفةً غريبة حين أوصل عزيز عواد في ليلة شيخاً غريب الأطوار إلى مكان مجهول اكتشف فيه وادي الفراشات، وعرف تفاصيل الوادي من خلال دفتر الأرواح الذي كان الشيخ يسجل فيه أسماء يطلقها على الصغار الذين يدفنهم، ولأن عزيزا راكم الخيبات وفقَد ولداً أكمل مهمة الشيخ باحثاً عن هذه الكائنات البريئة الميتة من البرد والجوع والإهمال فكان يدفنها في وادي الفراشات الذي أصبح جنتهم. وفي هذا الوادي بالذات بعد أن قضى عزيز أعواماً في السجن بتهمة المتاجرة بأعضاء الأطفال يختتم أزهر برجيس روايته ببارقة أمل مفاجئة يترك للقارئ اكتشافها، إذ أعطت معنى لحياة رجل تعاون مع قدره على نفسه.

كُتبت رواية «وادي الفراشات» بلغة مباشرة بعيدة عن الشاعرية، فالواقع المأساوي الذي تدور فيه أحداثها لا يحتمل ألواناً، تشيع فيها روح كوميديا سوداء تفتكّ فيها البسمةَ من القارئ جملةٌ مثل «ثلاث وستون درجة من المئة في الفرع العلمي معدل لا يكفي حتى لدخول الحمّام»، أو حوارٌ شبيه بما جرى بين عزيز وخاله لما سأله لماذا ترك عمله فأجابه: «- لأنه عمل تافه لا يناسب أحلامي – آه وما هي أحلامك يا سموّ الأمير؟ – أحلم أن أكون طياراً مثل أبي – على حد علمي المرحوم كان مزيّت قطارات! – أقصد كان يحلم أن يكون طيارا». كما طعّمت النص جمل تصلح أن تكون حِكماً ستجد طريقها إلى اقتباسات وسائل التواصل ومنها هذه العبارات: «ضيق الحال يقتل ترف الاختيار- ينتحر السفهاء حين لا يجدون من يصغي إليهم -الكتابة كالزواج عمل شاق -عجيبة هذه البلاد نهار عفيف وليل ماجن». ولولا الأسطر الأخيرة من الرواية التي أوقدت شمعة في نفق حياة عزيز عواد المظلم لجاز لنا أن نختزل «وادي الفراشات» في مقطع محمود درويش الذي افتتح به أزهر جرجيس روايته «فأين نسينا الحياةَ؟ سألتُ الفراشةَ وهْيَ تُحوِّم في الضّوءِ فاحترقتْ بالدّموعْ».

شاعرة وإعلامية من البحرين

أزهر جرجيس كاتب وروائي عراقي من مواليد بغداد، العراق، عام 1973. عمل صحفياً في العراق منذ العام 2003 ونشر العديد من المقالات والقصص في الصحف والدوريّات المحلية العربية. ألّف كتاباً ساخراً عن الميليشيات الإرهابية في العراق، عام 2005، بعنوان “الإرهاب.. الجحيم الدنيوي” تعرّض بسببه إلى محاولة اغتيال اضطر على إثرها للهرب خارج البلاد. هاجر إلى سوريا ثم الدار البيضاء قبل أن يصل إلى منفاه الأخير في مملكة النرويج ويقيم فيها بشكل دائم.

لنحميل الرواية

أحدث المنشورات

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

5 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

5 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

7 أيام منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

أسبوع واحد منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ

الدكتور الموسيقار عبد الله السباعي: العرب يستخدمون سلمًا مشوهاً..

بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…

أسبوع واحد منذ