المطرب والملحن الليبي محمد حسن
في مثل هذا اليوم، تطوي الذاكرة الليبية صفحةً مؤلمة من صفحاتها الفنية، بذكرى رحيل المطرب والملحن الليبي محمد حسن (1946 – 17 ديسمبر 2017)، أحد الأصوات التي شكّلت وجدان المستمع الليبي لعقود طويلة، ورافقت تحوّلات الأغنية المحلية من بساطتها الأولى إلى نضجها الفني واللحني. سبعة وثلاثون عامًا من الحضور، وثلاثة وسبعون عامًا من العمر، ترك خلالها أثرًا لا يُمحى في الذاكرة السمعية والثقافية لليبيين.
لم يكن محمد حسن فنانًا عابرًا في المشهد الغنائي الليبي، بل صوتًا خرج من قلب الناس وعاد إليهم محمّلًا بتجاربهم وأحلامهم وأوجاعهم اليومية. امتلك خامة صوتية صادقة، بعيدة عن التكلّف، قادرة على النفاذ إلى المستمع دون وسائط أو ادّعاء، لذلك ظل حضوره قويًا حتى في الفترات التي خفت فيها الأضواء عن الساحة الفنية.
تميّز بأسلوب أدائي يزاوج بين الطرب الشعبي والذائقة الحديثة، محافظًا على هوية الأغنية الليبية من دون انغلاق، ومنفتحًا على التطوير من دون قطيعة مع الجذور. وكان لهذا التوازن دورٌ أساسي في استمراريته الفنية، وفي اتساع قاعدته الجماهيرية عبر أجيال متعاقبة.
بدأ محمد حسن مسيرته الفنية في ستينيات القرن العشرين بمدينة بنغازي، التي احتضنت انطلاقته وبقي فيها حتى تسعينيات القرن الماضي. ومن هناك شق طريقه بثبات، معتمدًا على موهبة فطرية وثقافة موسيقية عميقة، وشغف واضح بالبحث في التراث الليبي وإعادة تقديمه برؤية معاصرة.
إلى جانب الأغاني العاطفية، قدّم أعمالًا وطنية رسّخت حضوره في الوجدان العام، وجعلت صوته مرتبطًا بقضايا الناس ومشاعرهم الجمعية، لا بلحظة طربية عابرة.
تميّز محمد حسن بكونه أحد أهم الملحنين الليبيين الذين تجاوزوا الحدود المحلية، إذ لحّن لكوكبة من كبار نجوم الغناء العربي، من بينهم: وردة الجزائرية، سميرة سعيد، لطيفة العرفاوي، ذكرى محمد، غادة رجب، محمد عبده، وأنغام، إضافة إلى فنانين من تونس ومصر وسوريا، فضلًا عن عشرات الأصوات الليبية.
هذا الامتداد العربي لم يكن بحثًا عن الانتشار بقدر ما كان اعترافًا بقيمة اللحن الليبي حين يُقدَّم بوعي موسيقي يحترم الخصوصية ولا يفرّط في الهوية.
كان محمد حسن شغوفًا بالتراث، لا بوصفه مادة محفوظة، بل باعتباره ذاكرة حيّة قابلة لإعادة الاكتشاف. ومن أبرز تجاربه في هذا المجال: ملحمة الواحة، ملحمة النجع، وسيرة أولاد هلال. أعمال استندت إلى الأهازيج والأغاني القديمة التي رددها الأجداد الليبيون، لكنه أعاد تقديمها بعد سنوات طويلة من البحث والتنقيب، برؤية فنية حديثة تحترم الأصل دون أن تجمّده.
وفي سنواته الأخيرة، شكّل تعاونه مع الشاعر عبد الله منصور محطة فنية مهمّة، خاصة في أعمال مثل «الواحة» و«النجع»، التي عكست نضجًا فنيًا ووعيًا عميقًا بالهوية الثقافية.
امتدت مسيرة محمد حسن عبر مراحل سياسية وثقافية واجتماعية متغيّرة انعكست على المشهد الفني الليبي برمّته. ومع ذلك ظلّ صوته حاضرًا، لا بوصفه شاهدًا صامتًا، بل فاعلًا ثقافيًا حافظ على خطه الخاص. لم ينجرّ إلى الاستسهال، ولم يتخلَّ عن معاييره الفنية، حتى حين تغيّرت الذائقة العامة.
قدّم خلال مسيرته عددًا من الأعمال التي رسخت في الذاكرة، سواء من حيث اللحن أو الكلمة أو الأداء، وأسهم في ترسيخ نمط غنائي قريب من الناس، يُغنّي للحب والحنين والفقد والوطن، دون شعارات مباشرة أو خطابات زاعقة.
في عام 2002، قدّم محمد حسن واحدة من أبرز محطاته الفنية، حين أحيا حفلاً استمر خمس ساعات متواصلة ضمن خيمة فنية ليبية في قاعة رويال ألبرت هول بلندن، في حدث شكّل تتويجًا لمسيرته، ورسالة واضحة بأن الأغنية الليبية قادرة على الحضور في أرقى المسارح العالمية.
في سنواته الأخيرة، خاض الفنان الراحل معركة صامتة مع المرض، بعيدًا عن الأضواء. معركة كشفت هشاشة الدعم الصحي والاجتماعي للفنانين، وطرحت أسئلة مؤلمة حول مصير المبدعين بعد أن يخفت وهج الشهرة. ورغم قسوة المرض، ظل محمد حسن محتفظًا بكرامته وهدوئه، كما عرفه جمهوره دائمًا.
وفي 17 ديسمبر 2017، توفي محمد حسن في تونس بعد صراع طويل مع المرض. رحل الجسد، وبقي الصوت شاهدًا على مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود.
لا تُقاس قيمة محمد حسن بعدد الأعمال وحدها، بل بالأثر الذي تركه في الوجدان العام. إرثه الحقيقي يتمثل في تلك العلاقة الحميمة التي نسجها مع جمهوره، وفي صدق التجربة، وفي الإصرار على أن تكون الأغنية مساحة تعبير إنساني، لا سلعة عابرة.
في ذكرى رحيله، لا يودّع الليبيون مطربًا فحسب، بل يودّعون مرحلة ونبرة وذاكرة صوتية ارتبطت بلحظاتهم الخاصة. يبقى محمد حسن حاضرًا بأغنياته، وبذلك الصدق الذي لا يشيخ، مهما غيّبه المرض أو غاب الجسد.
رحم الله الفنان محمد حسن، وأبقى صوته حيًّا في ذاكرة الأغنية الليبية.
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…
بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…