شعرية الرؤيا بين الرمزية الصوفية والرومانسية الكونية

قراءة في قصيدة مدارج الهوى” للشاعرة الليبية عائشة احمد بازامة

عائشة احمد بازامة

نص: مدارج الهوى
الشاعرة: عائشة بازامة
(1)
شجرةُ العمرِ تورقُ ظلالَها ياسمينًا،
تحملُ بكفّيها صحنَ الكونِ الآزفَ للرحيل.
تحيلُ الشهقاتِ ربيعًا،
يكتنفُ ذروةَ انتشاءٍ
سحبُ الدمعِ النازفِ
من مغبّةِ الاحتراقِ الدفين.
(2)
يرتوي جذرُ الحبِّ احتراقًا،
يصهرُ لذّةَ افتراشِ النزعِ الأخير.
قبلاتٌ حانيةٌ على ثمرةِ الرحيل،
يستودعُ الضوءُ روحًا ترتجي المستحيل.
(3)
تؤمُّ اصطفافَ العشّاقِ مدارجَ الهوى،
تحيلُ اللهفةَ وداعَ أيادٍ صفراءَ
تزدانُ بالعطش.
يهفو العطشُ لصحراءِ القلب مقامًا،
يتوقُ النزفُ للارتواء.
(4)
تشتدُّ الينابيعُ انذرافًا،
تغزوها غجريةُ الطهر:
بوحُ الأرواحِ،
ولذّةُ الماءِ حينَ انحدارِ الروح.
تتصدرُ المآقي رحبَ الآفاق،
ترنو صخبًا باهتًا،
ترسو قواربُها على طرفِ الذكرى.
(5)
تتآكلُ الأحداثُ،
تتفتّتُ الرؤى،
تنحتُ الأبعادُ نفوسًا غائرةً
في مساماتِ الروح.
يصرخُ بوحُ الكونِ مهيلًا،
يتلقّفُ الرؤيةَ،
ينشرُ الصبحَ مهابةً
لشجيراتِ الغسق.
(6)
تبذرُها مسافاتٌ،
تناجي العاشقين:
“حيّ على الحياة”.
قواربُ بلا أشرعةٍ
تؤجّجُ أمواجَ البعثِ البعيد.
(7)
غربةٌ ناءت بزرقةِ اللونِ البهيم،
تُعري قلوبَ العاشقين
من صمتٍ محمومٍ
يهزُّ حروفَهم رمانًا،
تفاحًا، عصافيرَ تائهةً
تجوبُ فيافي جنانِ القلوبِ المزهرة،
(8)
تشيرُ للآتي في شمعةٍ تجلّت،
تشاكسُ الفجرَ،
تهدي أجراسَ الحبِّ للأذان.
تعلنُ بزوغَ فجرٍ نابتٍ كشجرةِ العليق،
تُدندنُ الموسيقى،
تعلنُ نشيدَ الذين نسوا أنفسَهم
تحتَ سياطِ الهجر،
محفورٌ اسمُهم على تلك الشجرة.

توطئة

حين تحاصر الذّات من فرط الألم، لا تجد تيهًا ولا مخرجًا إلّا إلى دائرة السّلب، حيث تغطّي الدّراميّةُ الجزء الحيّ في الذاكرة، فيُسْرع العقل بتوفير القيم السلبية، أو كما يسميها إبراهيم الفقي: “نموّ دوائر الألم والحكيم في هذه الورطة هو من يدرك أنّ صرخة الأذان هي معيار حبّ من الله سبحانه وتعالى، يدعونا للفلاح. والتناص المستخرج من التربية الأسرية الواقدة في نصوص الشاعرة ينبئ بأنّ الأمر مضروب في الهروب إلى الحياة، وكأنها تترجم الروحي بالماديّ المتغيّر. هذا هو كُنه القصيدة كما نظرتُ إليه، وأنا ألمّ أطراف معجم البلاغة والتعميق الروحي في مصطلحات تغذّت يومًا من سماء الصوفي وهو يتأمّل ملكوت الله.

الرؤيا والأنثروبولوجيا الشعرية

تتمعّن المرأة في قمّة الأرواحية وتشهد أنّ الحياة حياة، وضعها صاحب القوّة والقدرة ليعيش الإنسان تجربةً قبل أن يدخل الجنة. هذا المنطق شدّني في ديباجة قصيدة *مدارج الهوى* للشاعرة الليبية عائشة أحمد بازامة وهي تنظر إلى الحبّ الإنساني واصفةً وصفًا أنثروبولوجيًّا لمظاهره على الجسد والروح. فأصبحتُ مشدودًا لأغوص غوصًا إثنوغرافيًّا لا يدع مفردةً تخرج عن نطاق الملاحظة، وكأنّي أركب زورق السّكون نحو وجهة معلومة وسط ديكورات من الخوف والترقّب، إنّها الحياة ببساطتها وما خفي على العين، حتى تتوارى المحبّة في شكل إفناء. فالحكاية تلوّن وتُفصح على حين مسافة من التأمّل بين الألم والبَوْح صَرمَدًا، يُدسّ فيه شقالب كثيرة من الفقد. والفقد في اللغة الوجدانية هو زوال الجسد وبقاء رفرفة الروح كامنةً لا تفنى إلّا بتقدّم العمر، لا بفناء كليّ.

الرمز والتكرار في “مدارج الهوى”

تجلّت المشتركات بين مفاهيم الزمن والمكان، والروح والطبيعة والجسد، واضحةً في ملفوظات بائنة كشمس الولاد كالزمن الماضي، الحاضر، الآتي الرّحيل – الوداع – البعث المكان: الصحراء، الغسق، الآفاق، الشجرة.، * الروح والجسد: العطش الارتواء، الاحتراق/الربيع. الطبيعة: الياسمين، الينابيع، العصافير، الشجرةk أما البطل والبطلة فهما: * العاشق (المتكلم/الشاعر) الذي يمر بمدارج الهوى والبطلة المرأة المحبوبة التي تتحوّل إلى (شجرة ماء غجرية الطهر/شمعة/جرس حب)، رمزٍ للحياة نفسها وليست مجرّد أنثى بشرية.

أمارست الشاعرة تقنية التخفّي لا تزال مستمرّة، والدليل إضفاءُ الكثير من الصور البلاغية؛ فمرةً نجد المرموز حياةً ذاتها، أو أملًا متجدّدًا، أو وطنًا، أو أنثى بالمعنى الإنساني. ولعلّ أجمل صورة أدبية ذهنية هي مزاوجتها الوجدانَ الدينيّ بالأذان كدعوة (حياة روحية)، يتحوّل في القصيدة إلى موسيقى، لكون الحبّ عندها طقسًا عباديًّا، والعشق سماويًّا كما عبّرت عنه السيّدة رابعة العدوية.

أحبّكَ حُبَّيْنِ: حبَّ الهوى

وحُبًّا لأنّكَ أهلٌ لذاكا

فأمّا الذي هو حبُّ الهوى

فشُغلي بذكركَ عمّن سِواكا

وأمّا الذي أنتَ أهلٌ لهُ

فكشفُكَ للحجبِ حتّى أراكا

فلا الحمدُ في ذا ولا ذاك لي

ولكنْ لكَ الحمدُ في ذا وذاكا

المشهدية السينمائية في القصيدة

الزاوية السينمائية راقت لي في هذه الصورة، وأنا أحمل كاميرا تصوّر لقطة من مسلسل المرأة المرموزة:

المشهد الأوّل:

الكاميرا في لقطة بانورامية على مجموعة من وجوه نساء يعكسن المرأة في القارات بمختلف أزيائهنّ، وصياح يتعالى، وهنّ في أوج جمالهنّ كأنّهنّ قوارير، بل كأنّهنّ صروح مُمَرّدة. ابتساماتهنّ تتركّز عليها الكاميرا في لقطة فرعية لشفاههنّ كأنّها نوارس.

المشهد الثاني

تتحوّل في اللقطة الموالية تلك الضحكات إلى دموع، تعصف في وجه امرأة غجرية بلباسها الأسود والأبيض. تضحك ملء شفاهها في تجسيد للحياة.

المشهد الثالث:

مآذن الدنيا وأصوات “حيّ على الصلاة”… تنتفض الغجرية، تتهاطل دموعها، تتستّر في مشهد امرأة كاملة الهيئة تصلّي وترفع يديها إلى السماء. الكاميرا تركّز على يد بيضاء ممدودة بالدعاء: “اللهمّ أنت الغفور الودود، اجعل الحياة لنا خيرًا من دور الشرّ”.

ثم تتهاوى المستغيثة وهي تقول: “يا مقلّب القلوب، قلّب قلبي إلى جنّتك”. ترصد الكاميرا حركة أمواج تلطم اليابسة، ومنظر شمسٍ يتصاعد كأنّه الغسق.

أحدث المنشورات

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

5 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

6 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

7 أيام منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

أسبوع واحد منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ

الدكتور الموسيقار عبد الله السباعي: العرب يستخدمون سلمًا مشوهاً..

بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…

أسبوع واحد منذ