النقد

حنان الشيخ.. وحكاية سرّيّة شرحها يطول

أشرف مصطفى توفيق

“في روايتها «حكايتي شرح يطول» لا تكذب حنان الشيخ ولا تتجمل، مثلما يفعل على الأقل معظم الكتّاب الفلسطينيين، حيث الآباء والأمهات والأسرى والسياسيون والشعراء والعشيقات ملائكة يدبّون على الأرض، وبعضهم، كمحمود درويش، يُصوَّرون كآلهة. إنها تقول: الجنس كان أقوى، ليس الآن فقط، وإنما منذ أيام أمي. فحنان الشيخ تبرم عقدًا مع القارئ منذ البداية بأنها تكتب سيرة والدتها «كاملة»، كما جاء على غلاف الرواية الخلفي، وأكثر من ذلك فإنها تقدّم أوراق اعتمادها للقارئ ليختبر مدى جرأتها، وهي تتحدث عن والدتها هذه المرة. فحنان الشيخ، في «حكايتها شرح يطول»، تستمر في مسيرتها الأدبية الشاهدة، المحرِّضة والكاشفة لمجتمعنا. تدخل كالأشعة السينية في ظلام أنفسنا وتقاليدنا وحقيقتنا المرّة، بكل إصرار ومثابرة، غير مبالية إن كان هذا البوح، الذي لا مكان له سوى الصدق، سيسبّب الحرج والاستنكار سواء لها أو لأهلها، ولعلها بسبب هذا الصدق هجرت الشرق كله، وليس لبنان وحده، إلى لندن”.

صنع الله إبراهيم

عن دار الآداب اللبنانية، ضمن أدب السيرة، ولكن ليس الذاتية، بل سيرة الآخر، الذي هو في هذه الرواية «كاملة»، التي تكون بالنسبة للراوية أمها. حنان قررت أن تكتب سيرة أمها كما «روتها» الأم، لأن الأم لم تتعلم الكتابة والقراءة، وهي لا تعرف في هذا الأمر شيئًا سوى قراءة اسمها وقراءة الأرقام التي كانت تعرف لمن هي من خلال الرموز التي ترسمها أمام كل رقم ليدل على صاحبه. «فإن كنت قد اكتشفتُ طريقة الكتابة بالرسوم، فارسم صاحب الرقم قرب رقم هاتفه: رجل وفي يده علبة سيجارة تشير إلى رقم الرجل الذي يبيعنا الدخان المرخّص، والرجل الذي يمسك الكتب هو القاضي، قريب والدي، أما الرأس وعليه بقع سوداء فهو يدل على رقم صديقتي الذي خدش رأسها على أثر اصطدام سيارة زوجها بسيارة أخرى».

تروي حنان الشيخ، الروائية اللبنانية، س realizing والدتها «كاملة» بأسلوب أدب «الاعتراف» المعروف عالميًا، ولكنه غير معمم عربيًا، وهي في هذه الرواية ـ السيرة، فإنها، على ما بدا من النص، تمهّد لكتابة سيرتها الذاتية من خلال تمرّنها على كتابة سيرة أمها.

تحكي رواية «حكايتي شرح يطول» سيرة «كاملة»، أمّ الكاتبة حنان الشيخ، وهي سيرة تنضح بالكثير من المعاناة والمرارة والألم. وقد اختارت الكاتبة أن ترويها بضمير المتكلم، كأنها تعير لسانها لأمها التي حُرمت من الدراسة، بسبب ظروف الفقر القاهرة التي عاشتها. «كاملة» عاشت طفولة قاسية في جنوب لبنان، بعد هجر الوالد لهم وزواجه من امرأة أخرى، فقد كانت تقتات هي ووالدتها وأخوها مما يفضل عن الحصّادين من سنابل القمح في حقول الفلاحين. أمّا الأب المستهتر فلم يكن يأبه لحالهم بتاتًا. وأمام اشتداد وطأة العيش وثقل المسؤولية على الأم، اضطرت إلى الهجرة إلى بيروت عند أبنائها من زوجها الأول المتوفى.

تقدّم حنان الشيخ صورة مختلفة للأم، غير تلك التي تظهر في أغلب الأعمال الإبداعية العربية، حيث يرى العربي، عادة، أمه أفضل أم، ودينه أفضل دين، ووجهة نظره هي الحقيقة المطلقة. فهي تقدّم سيرة ذاتية لأمها، للطفلة الصغيرة، ابنة النبطية، التي تعاني من طفولة ممزقة، وتلجأ تلك الطفلة مع أمها إلى بيروت، ليتم تزويجها لزوج شقيقتها بعد وفاة شقيقتها الكبيرة. ستصير زوجة لزوج شقيقتها المتوفاة بتواطؤ من جميع أفراد الأسرة، بمن فيهم الأب الذي أخذ ثمن صمته نقدًا. تتزوج ممن كانت تقول له «البعبع» الذي تمقته. ((فـ«كاملة» تعترف بأنها عندما لاحظت أن الكبار يضعون الملح للتخلص من الحشرات والزواحف، كانت بدورها تضع الملح في فناجين الشاي لشقيقها العابس ولزوج شقيقتها للتخلص منهما)).

وتنجب وهي لم تبلغ الرابعة عشرة من عمرها، وفي هذا العمر لم يكن يعزّي أحزانها ويخفف مظالمها سوى الأفلام في «التياترو الكبير» و«سينما هوليوود» و«الأوبرا». ولم تكن كاملة تقرأ، ولذا حصر عالمها بالأفلام المصرية. ووقعت في حب محمد عبد الوهاب، وبكت دمعًا لبكاء نجاة علي ثم موتها عند نهاية فيلم. وأشجاها وأحزنها ولوّعها صوت ليلى مراد.

وتكتب حنان الشيخ بجرأة عن هذه العلاقة (وقد لا يعرف القارئ، أبدًا، إذا كانت حنان نفسها ثمرة هذا العشق المحموم مع محمد، أم ثمرة زواج أمها التقليدي القهري «زواج الغصيبة» من البعبع؟!). فمع الشاب محمد تعوّض كاملة بعض ما افتقدته مع زوجها، ومع محيطها ستستعيد الأمان والحب ولذة المغامرة. وعندما بلغ إلى علم زوجها بعض تفاصيل هذه العلاقة، لم تتردد في القسم على القرآن بأن لا علاقة لها به. تقول: «أمسك المصحف بين يدي، وأغمض عيني، وأهمس في داخلي: يا الله راح كذب عليك يا حبيبي يا الله… دخيلك أوعى تسمعني، بس بدي ذكّرك أنو جوزوني الحاج غصبًا عني». أقسم بصوت عالٍ بأنه لا علاقة لي بمحمد…».

فـ«كاملة» عاشت حياتين: واحدة مع زوجها وأبنائه وشقيقها العابس، وأخرى مع حبيبها، متحمّلة كل شيء في سبيل هذه العلاقة. بعد انكشاف سر هذه العلاقة وحصولها على الطلاق من زوجها، الذي تدهورت أوضاعه المادية بشكل صاعق، ستتزوج كاملة من حبيبها، وستعيش معه سنوات في حب وأمان أحيانًا، وغيرة وشجار أحيانًا أخرى، إلى أن فجعها الموت في رحيله في حادثة سير مروعة.

يُسجَّل لحنان الشيخ أنها كانت صادقة مع نفسها، ومع قارئها، فأبدعت أدبًا لا يقل أهمية عن الإبداعات العالمية. ويبدو أن مياهاً كثيرة جرت في نهر حياة الكاتبة بين صدور الرواية بالعربية وبالفرنسية، جعلتها تكون أكثر صراحة، وتذكر الأسماء الحقيقية للحكاية. فبعد خمس سنوات على صدورها بالعربية، تُرجمت الرواية إلى الفرنسية، مع اختلاف جوهري عن الطبعة العربية. فالرواية، التي تُعد سيرة ذاتية لوالدة المؤلفة «كاملة»، خلت من الأسماء الصريحة لأبطالها، في حين سيتمكن قراء الرواية بالفرنسية من معرفة الأسماء، بينما يبقى فضول القراء العرب المهتمين معلقًا. وقد صدرت الترجمة الإنجليزية لرواية «حكايتي شرح يطول» بعنوان «الجراد والعصفور: حكاية والدتي».

وفي لقاء صحافي قالت حنان الشيخ إن روايتها تسرد قصة والدتها التي ناضلت من أجل الحصول على حريتها والدفاع عن أقل حقوقها، وهي اختيار من تحب، وإنها كتبت الأسماء كاملة في الطبعة الفرنسية، بعد أن حصلت على موافقة العائلة وقبولها، وهو ما لم يتيسر للطبعة العربية.

فـ«حكايتي شرح يطول» قصة امرأة تُجبر على الزواج وهي ما زالت تحلم بالحلوى وأساور الشمع الملوّنة، لكنها لم تستسلم أو تخضع لمصيرها الذي قرره الجرذ عندما عضّ يد شقيقتها وماتت نتيجة للتسمم، ولتقرر العائلة بعدها تزويج الطفلة كاملة من زوج شقيقتها الذي تمقته. ولكنها تثور في وجه القهر والخضوع والإذلال، تحب رجلًا غير زوجها، تطلب الطلاق، وتحتمل الضرب والإهانة والتنكيل من قبل أخيها لتتزوج بحبيبها. تترك ابنتيها (فاطمة وحنان) بعد زواجها عند زوجة الأب. كاملة لا تطيق أعمال المنزل لأنها تجعلها كحمير الحجارة، تعشق الثرثرة والزينة واللهو والضحك والتدخين، لا تعبأ بالمال. كسولة ومبذّرة، تدافع عن رغباتها البسيطة ولو بالسرقة، وفي الوقت الذي تسرق فيه أزواجها لا تتردد في بذل المال على الفقراء والشحاذين والمحتاجين. وهي لا تنكسر أو تيأس بعد موت زوجها الثاني (حبيبها الحقيقي)، تتحمل أعباء الحياة وأولادها الأربعة بمفردها، تظل تضحك وتبكي، تمرح وتحزن، تعلو وتهبط مع أمواج الحياة المتلاطمة. تضطرها الحرب الأهلية اللبنانية للخروج من لبنان إلى الكويت، ومن ثم الولايات المتحدة، لكنها تظل مشدودة بخيط سري إلى وطنها الحبيب، وتعود إليه مسرعة بعد أن تنتهي الحرب. تموت بعد رحلة حياة حافلة بالتمرد ورفض الخضوع والعشق للحياة، وتُدفن في مسقط رأسها النبطية في الجنوب.

لقد وجدت حنان الشيخ في حياة والدتها وتجربتها في الحياة معادلًا لحيوات عشرات النساء العربيات اللواتي عانين سابقًا وما زلن يعانين من وطأة الإلغاء والنفي والتهميش والقهر الاجتماعي، لكنهن لا يملكن جرأة وإقدام والدتها لتغيير أقدارهن وامتلاك المستقبل والمصير. فأرادت أن تلقي عليهن درس والدتها البليغ، درس البحث عن الحرية والانعتاق بمعناهما الاجتماعي والوجودي.

فهل أرادت حنان الشيخ، ابنة الجنوب اللبناني، من خلال كتابتها لسيرة والدتها، أن تتصالح مع الماضي؟ ماضيها مع والدتها التي تركتها تعاني اليتم وفقدان الأمان والحنان؟ لقد عاشت الكاتبة تكره والدتها وتعتبرها المسؤولة الوحيدة عن معاناتها وحرمانها من العناية والعطف دونًا عن بقية الأطفال، حتى بلوغها سن الخمسين وامتلاكها ناصية التجربة الحياتية والإبداعية. حينها بدأت ترهف السمع بطريقة أخرى لقصة حياة والدتها، وبدأت تنظر إلى الأحداث والشخوص بمنظار الحكمة والموضوعية، بعيدًا عن العاطفة المجرّدة. لماذا، عندما نتقدم في العمر وتموت حيويتنا، نتصالح مع الماضي؟

لقد شُفيت الكاتبة بالرواية من جروح الماضي من خلال كتابتها لسيرة والدتها، واقتنعت بوجهة نظر أمها التي كتبتها في رسالة لها، وقد قالت فيها: «لا تقسي على ماضٍ تولّى، إنه كان حلوًا لأنني تحديت الجلاد، وتحديت القيود، واسترجعت حريتي من عالم الجواري».

فمدوّنة سيرة «حكايتي شرح يطول» تشكّل تصالحاً مع تاريخ الأنوثة، وهو تصالح بديهي في النهاية لأنه يخدم الإيديولوجيا النسوية. فماذا عن تاريخ الآخر، الفحولة؟ إن المتابع لنتاج الكاتبة منذ بداياته يجد أن هاجسها الأكبر في هذه الروايات هو عبء الموروث الشيعي الثقافي والفكري وتراكماته، لأنها نشأت في عائلة ملتزمة دينياً ومذهبياً. فالرجل المسلم المتدين الزاهد في الدنيا وملذاتها، والذي يطلق عليه الناس لقب الشيخ لكثرة عبادته وتمسكه بموروثه العقائدي، الشيخ الذي يصطف اسمه بجانب اسم ابنته الروائية، بقي الموقف منه هو الجزء المفقود في السيرة، والجزء المظلَّل والإشكالي في وعي المؤلفة التي أطلقت الفكر والرأي والقلم لوالدتها «كاملة» للسخرية ونقد وتبيان مساوئ الشيخ، ومن وراءه الموروث الديني والمذهبي الذي يعتنقه ويلتزم به.

ذلك الموروث الديني والمذهبي لم تقدّمه الأم في الرواية إلا بوصفه المظلة الكبيرة التي انتهكت بها حريتها وكرامتها الإنسانية. فالطفلة التي تبلغ العاشرة من العمر أُنزلت من السطوح حيث تلعب مع بقية الأطفال لتجد في انتظارها، وكما تصف السيرة: «أدخل وأجد نفسي أمام رجال يعتمرون الطرابيش الحمراء، إضافة إلى رجل ذي عمامة كالبطيخة. أحاول أن أقول: أنت وكيلي، وأهرب من الغرفة».

الرجل ذو العمامة لا يتورع عن تزويج طفلة قاصر لا تعرف معنى الزواج، وينطقها كرهًا بكلمة «أنت وكيلي» من غير أن تعرف معناها. أمّا الرجل المتدين فيتزوج أخت زوجته المتوفاة وهو يعلم أنها ترفضه، ويتصرف معها في ليلة العرس كالتالي: «يقترب مني زوج شقيقتي، فأكمش فستاني، وأغمض عيني، وأعضّ زندي. أشعر بألم فظيع عند حلقي وبين فخذي معًا». هذا هو توصيف الساردة الأم، ومن ورائها ملقّنتها المؤلفة، التي ما من شك أنها قد تبنّت وجهة نظر الساردة. فكيف يمكن للذي يحب الله بشكل مفعم بالمودة والإجلال والخضوع أن يجهل كيف يحب امرأة، أو أن يتصرف معها بشكل لائق ولو بشكل يسير؟

الزوج المتدين يفرض على زوجته «كاملة» أن يكون اسم مولودتهما الأولى فاطمة، تيمنًا باسم السيدة فاطمة الزهراء. «لم أتوقف كيف تكونت فاطمة في بطني، مع أني عضضت زندي حتى كادت العضة تصل إلى العظم». هذه صورة التدين في الجنوب اللبناني في بداية ومنتصف القرن العشرين، صورة موشّحة بالعنف والقسوة وبلادة الإحساس وكراهية البهجة.

الشيخ بخيل، يرفض شراء فساتين العيد لنساء العائلة، ويبرر فعلته بقول مأثور: «كل يوم لا يُعصى فيه الله هو عيد». الشيء الإيجابي الوحيد الذي ذُكر لصالح الشيخ في الرواية هو مسامحته لزوجته وهما يجلسان أمام رجل الدين لتوقيع وثيقة الطلاق: «أطلب السماح من زوجي ونحن جالسان أمام الشيخ في المحكمة الشرعية: سامحني. فيجيب وهو يبكي: المسامح هو الله. يطلب السماح مني بدوره: سامحيني. فأجبته وأنا أبكي: سامحتك».

وعلى طول صفحات السيرة البالغة، تظل الساردة تشير إلى الموروث الديني للجنوب اللبناني، وهو موروث مرتبط بالحزن والألم والدم والظلم؛ فالإمام الحسن مات مسمومًا، والحسين قُتل مظلومًا وقُطعت رأسه، والسيدة زينب انشغلت بالحزن والبكاء على أهل البيت.

تذكر في الرواية بعض تجارب بعض النساء اللبنانيات اللواتي ينحدرن من أسر جنوبية معروفة بالتزامها الديني والمذهبي، وتعرض لمحاولاتهن كسر طوق التزمت الديني الخانق، وقد ذكرت بالاسم من بينهن المطربة اللبنانية المعروفة والمعتزلة حاليًا «نجاح سلام». تأتي على ذكر بعض الأحكام الشرعية التي فيها إهانة وابتذال للمرأة، ومنه «حكم التجحيش»، والمعروف عند السنة بـ«المحلل». عاشق العود قد تزوج زوجة أخرى بعد أن طلب إليه صديقه أن يُجحّش مطلقته، حسب الشرع، حتى يتمكن من الزواج بها للمرة الثالثة: «لكن شقيقي عاشق العود يعشقها، ويتزوجها غير مبالٍ بصديقه».

وتتحول السيرة الذاتية إلى مرآة تعكس مرحلة وعالمًا كاملًا ومدينة وتاريخًا. وفي حكاية امرأة معدمة من النبطية نقرأ فصلًا مثيرًا من حياة لبنان السياسية والاجتماعية والفنية.

وتستعيد شيئًا عن روائح الياسمين التي كانت تملأ المدينة، فيما تصدح ماجدة الرومي: «أليس هذا بلد اليتامى الذين يحولون أحزان الحياة إلى زهور وفل وفرح عظيم؟ أليست هذه هي بيروت التي نشأت فيها كاملة، وفيها شق رياض الصلح درب الاستقلال، وإلى هذا الشارع الصغير كان يأتي اليتيم سعيد فريحة ليساهم في بناء لبنان؟ أليس هذا هو لبنان الحب والحياة الذي صنعته كاملة من عذاباتها، وكتبه سعيد فريحة من يتمه، وحوّله رياض الصلح إلى قصة من قصص الاستقلال وتطريز الأوطان الجميلة؟».

لقد منحت الكاتبة والدتها أجمل هدية وتكريم، من خلال صهرها لوجدها وذات أمها في بوتقة سيرية، متنها الماضي وتراكماته، وهامشها وغلافها وعنوانها الحاضر بعقده وأزماته.

هذا التكريم للأم يتأكد في قولها وهي تخاطب والدتها: «لو علموكِ، كنتِ أنتِ الكاتبة، مش أنا. فالبنت جذوة من نار والدتها، وخفقة من طينها. لا فرق بين الكيانين سوى أن أمها لم تُمنح فرصة الثقافة والاختيار، ونحن نمثل الوجه المثقف والمتعلم لذوات أمهاتنا».

وتجدر الإشارة إلى وجود وشائج نصية بين رواية «حكايتي شرح يطول» و«حكاية زهرة»، فمجموعة من المحكيات التي وردت في رواية «حكايتي شرح يطول» تم استثمارها بطريقة مغايرة في رواية «حكاية زهرة».

فزهرة التي كانت تأخذها معها أمها عند عشيقها، مدعية أنها ذاهبة عند الطبيب، هي نفسها «كاملة» التي كانت تأخذ معها ابنتها «حنان» عندما كانت تذهب عند عشيقها محمد. فـ«حكاية زهرة» هي سيرة فتاة تعرضت منذ صغرها لاستغلال بشع من طرف أمها، التي كانت تأخذها معها متذرعة أنها ذاهبة لزيارة الطبيب أو الجدة أو أحد الأقارب، بينما كانت تذهب عند عشيقها.

فكانت زهرة شاهدة على علاقة الأم الغرامية، ترى وتسمع كل شيء، ولا تستطيع البوح بذلك، رغم أنها كانت تتعرض لشتى أصناف التعذيب على يد الأب الفظ والقاسي.

تقول: «حاولت أن أفكر، والصفعات تنهال على وجهي. وصوت رب الترام ببذلته الكاكية ينهال على وجهي. ونظرات أمي وصوتها وعصبيتها تنهال على وجهي، خوفًا من أن أقول الحقيقة: “قولي الصحيح، وين كنتوا تروحوا، وين كان ياخذكم”».

فهل كانت حنان الشيخ تكتب سيرتها بشكل مقنِع كي تتصالح مع ماضيها؟ ولعل هذا التواشج والتشابه بين بعض محكيات النصين يجعلنا نطرح السؤال المأثور: هل الكاتب لا يكتب إلا نصًا واحدًا بصيغ مختلفة؟ وهذا السؤال لا ينطوي على أي تبخيس أو تنقيص من موهبة حنان الشيخ، لأن إعادة الكتابة أحيانًا تكون أشق وأمتع من الكتابة. فوحدها كاملة تبقى على قيد الحياة، ولا يقتلها حب الاستقلال كما قتل رياض وكامل، تبقى وتروي لابنتها حنان فصلًا يشبه «الوردة البيضاء»، أو «يحيا الحب»، أو أوقية سمسمية.

أحدث المنشورات

مجاناً تحميل كتاب تصدع الجدران

بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان فلسفة الكتابة في المعتقل وقراءة في سوسيولوجيا أدب الحرية…

16 ساعة منذ

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

6 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

7 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

أسبوع واحد منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

أسبوع واحد منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ