أقلام

حسين جرود: الحب بعد الثلاثين

قد لا تحب سوى ثلاث مرات قبل الثلاثين، ولكن بعد بلوغك الثلاثين بسنوات قليلة ستكون قد أحببت ثلاثين مرة، وبينما كنت تسخر من الشباب الذين يحبون أي فتاة يشاهدونها، تصبح منهم ولو متأخراً، وتعيش مفارقة جديدة من مفارقات جيل التسعينيات السوري التي لا تنتهي.

تتنفس الصُّعداء أحياناً بعد ذهاب إحداهن، وتكتشف أن حريتك العزيزة عادت إليك، تلك الحرية التي اعتدتها. ودافعت عنها طويلاً، بعد أن حاربت طويلاً جداً للوصول إليها.

غرفتك أيضاً، أعزّ ما تملك. أن ترتبط يعني أن تخسرها وتصبح الغرفة لشخص آخر، وتقضي وقتك في الشارع. لماذا هذا الظلم؟

في مرحلة متقدمة، قد تعيش التجارب وكأنها تجري مع شخص آخر، وتصبح النظرات الأولى والاعتراف والكلمات كأنها تحدث لشخص آخر. 

نعم أنت تحبها وقد غرقت.. ولكن في الوقت نفسه لا تستطيع أن تمنع التحليل المنطقي. وتضع نسبة لجمالها وتقارنها بأخريات عرفتهن، وتكتشف حالة نزول المعايير المفاجئة التي انتابتك دون أن تدري. كأنك عاذل نفسك.

لكن تلك المعايير والأخريات تتيح لك أن تتقدم دون مجهود، وتجيب عن الأسئلة وتتصرف بذكاء، كالمطلّقة مع زوجها العاشر، أو العشرين.

تقابل إحداهنّ وتحبها، وتحار بين الاعتراف والانسحاب، وتتذكر قول الشاعر السوري الكبير نزار قباني:

“أردتُ أن أقول:

أحبيني 

أو لا تحبيني..

ولكنني أضعتُ الليرة”.

بعد الثلاثين أحببت “ن” و”د” و”ر” وثلاثة من “ه” واثنتين من “ف”… حتى الأسماء، حتى الأسماء باتت تتكرر، بل قد تكتشف قصصاً من قبل الثلاثين وتدعوها حباً أسوةً بالتجارب الحالية، لأنها لا تقل عنها قدراً وقيمة. مما يزيد التكرار والأسماء.

تكتشف أيضاً رقماً لا يمكن تجاوزه.. مدة معينة لا يمكنك تجاوزها.. هي أقصى مدة يمكن أن تشعر بها بالحب. مع أنها لا تزيد كثيراً عن عدّة المطلّقة.

أما أن تمشي في الشارع وترى أن جميع الفتيات أجمل من حبيبتك، وحدث هذا مرة، فهذا يعني انتحار المعايير. لماذا أحببتها جداً، إذن؟ ربما لأنه ببساطة: جميع الفتيات تستحق أن تُحب؟

يقال إن الرجل يستطيع أن يعيش بسعادة مع أي أنثى، بشرط ألا يحبها. تتذكر هذا وتردده، ولكنه لا ينفع معك. كأن التي لا تحبها لن تأخذ الغرفة مثلاً.

عندما تمضي في الطريق، تقول: إذا انقلبت هذه السيارة الآن، ما الذي سيحصل؟ في النهاية لا أحد يحبني. في تلك اللحظة قد تخلق صورة وتقارن بين الحياة معها وانقلاب الحافلة.

الأبراج أيضاً تتكرر… وتكتشف أبراجاً لا يمكنك الاقتراب منها وأبراجاً أخرى تبحث عنها. وتدعو أحدها برج البيستات، والآخر برج الكراشات. 

الكراش: هي التي تنفذ ما تريد.. وأنت مبسوط، وتأثيرها يفوق قنبلة هيروشيما. والبيست: هي التي تتحدث معها بحرية، وتجدها أفضل من صديقك أحمد. حتى ينتهي الكلام ببطء، كما انتهى الحب!

تقول لك: أنت لا تحب البنات؟ وهذا من حظي

  • وهل يوجد بنات غيرك؟

تجري لك امتحاناً في التواريخ، وتخطئ في اليوم بين 5 و25.

على الأقل لدينا تاريخ… شهور كثيرة وكثيرة، أكثر من عدّة المطلّقة.

مجلة أوراق/ 25

أحدث المنشورات

“العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم”

الدكتورة جيهان الدمرداش "العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم" قراءة نفسيّة أنثروبولوجيّة جماليّة في رواية…

21 ساعة منذ

«أزمة الشعر المعاصر» لشكري عياد.. إصدار جديد يعيد قراءة جوهر القصيدة وإنسانيتها

في خطوة ثقافية رائدة تهدف إلى إحياء الذاكرة النقدية العربية، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب…

21 ساعة منذ

اليوم العالمي للإذاعة.. صوت الإنسانية الذي لا يغيب في 13 فبراير

مقدمة في عالمٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتغير فيه أدوات الإعلام يومًا بعد يوم، تبقى…

يوم واحد منذ

لغز «بخنوق عيشة»: رحلة النص المشفّر من رمال ليبيا إلى مسارح الرشيدية بتونس

أغنية بخنوق عيشة.. تداخل مغاربي يجمع بين النص الليبي واللحن الجزائري والتهذيب التونس أغنية "بخنوق…

يومين منذ

نور الدين الإسماعيل يوقع “مخاتير المحصورة”: رواية تعري صناعة “المخبر” في الأرياف المسحوقة

في إطار فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، وقع الشاعر والصحفي السوري نور الدين الإسماعيل روايته…

3 أيام منذ

بعد غياب 7 سنوات: مهرجان “أم جرس” الدولي يعيد نبض الثقافات الصحراوية إلى قلب تشاد

بعد انقطاع طال انتظاره لمدة سبع سنوات، عادت مدينة "أم جرس" في شمال شرق تشاد…

3 أيام منذ