الأدب

تصنيف لساني للرواية «بلاد العم لام» ليوسف جابر المحسن…

التشكل الدائري للرواية:

بداية نرى أن الرواية توجهت نحو مفاهيم عدة ترتبط بها بشكل مباشر، فمفهوم السرد الذي يرتبط بنوع الرواية، من خلال جنس السرد، الذي يجعل الرواية ذلك النوع السردي الشيق، من جهة تحويل الوحدات السردية لمتن الحكاية، إلى متن سردي ويكون بالتالي روائيا، وهناك محور التاريخ، ففي توهم البعض على وجه الخصوص ربط الرواية الفرنسية بلحظة حاضرة مباشرة التفسير، كما عند ألان روب غرييه وناتالي ساروت، وأكدت رواية «جن» التي قدمها ألان روب غرييه وكذلك رواية «طفولة» التي قدمتها ناتالي ساروت، التمسك التام بتلك اللحظة الحاضرة، على اعتبار أن عالم ما بعد الحداثة هو لحظة ليس إلا، والتاريخ والسرد والسرديات الكبرى مراحل مضت، لكن الرواية في أغلب بلدان العالم تتمسك بالتاريخ، ليس فقط كقيمة نوعية بل كمتن سرد كذلك.
رواية «بلاد العم لام» ليوسف جابر المحسن الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، جمعت كل المقومات، بل أضافت مقومات التاريخ بتعدد وحدات الزمان والمكان، وكما عبرت عن تلك اللحظة الخالدة بما لا يدع الشك بوجود التزام بتلك اللحظة، فقد ورد فيها «في أيام طفولته وصباه لم يحظ بكفايته من اللعب»، وتلك إشارة من الرواية لتأكيد التمسك بكل المقومات والوجوه بشكل دائري، ومن دون الاتاحة لتغير صيغة التناسب الموضوعي، وكان التاريخ يتعدد ويشكل منعطفات عديدة في الرواية، وبعد وجوه وصيغ، وبوحدات سرد اتجهت نحو التفسير المباشر للمضامين.

الانهماك الميثولوجي:

علاقة الرواية بالميثولوجيا عادة ما تكون توافقية، وفي أحد التفسيرات المعرفية فسرت الرواية على أنها أسطورة، أو ملحمة، لكن بروح اجتماعية، والنسق الأسطوري لم يهدم أفق الواقع أبداً، وإنما ذلك الواقع يحتاج على الدوام لعوامل تأثير، يكتسب من خلال تلك العوامل صورة مغايرة لما هو مألوف ومعتاد، وذلك مهم جدا أن تكون الرواية خرجت عبر النسق الأسطوري من التفسير المألوف الذي اعتدنا إدراكه بشكل مباشر، وعلى الرغم من كون الرواية مثال الحاضر وواجهة المدينة، لكن ذلك معنى لها وليس السياق المفروض، وعوامل تفسير الكتابة الروائية تتجه نحو البعد الأدبي، وما يصل إليه ولا تتجه نحو البعد ومتن الحكاية، وعوامل التأثير هي الأهم والأجدر، فعملية القراءة تنساق صوب تلك التأثيرات، وليس نحو الواقع المدرك، والفن الروائي يعتمد على مستويات التحليل المعرفي، وليس على التفسيرات المباشرة للرواية، وبنية الرواية قادتنا نحو ما تحقق من ذلك، فقد قدمت لنا تلك الصورة المتعددة الوجوه والتي ليست هي بوجه واحد محدد، «هكذا يخيط وصل الحكايات بعضها ببعض»، والتفسير الأحادي سرعان ما يجد في الرواية، التوجه لتغيير المستوى الدلالي له بمستوى دلالي جديد، يحتمل ويستدعي التوجه نحو إدراك عقلي للفكرة، ومن الطبيعي في الكتابة الروائية حضور الفكرة، الفكرة تقود وتدعم التالي اكثر مما هو حالي وتم حصوله، واكتسب المعنى العام له.

التصنيف اللساني:

من أهم مقومات قراءة الرواية في ظروف ما بعد الحداثة هو التقييم اللساني، حيث الرواية غارقة في المبنى الأساس لها وتلك اللغة مفهومة في تشكلها التعبيري المباشر، وهنا يدخل التصنيف اللساني في الرواية في ما بعد تجاوزنا لمستوى التعبير المباشر، وبنية الرواية في الجانب المفهومي قد تقدمت كثيراً بعد التحولات التي مرت بها الحداثة من منطقة الواقعية المتعددة إلى منطقة الميتافيزيقا الموضوعية في ظروف ما بعد الحداثة، وهنا اكتسبت الكتابة واللغة والسرد تلك الأهمية الكبرى في التصنيف اللساني، حيث عوامل جديدة تحتاج منا رفع مستوى الوعي للتمكن من بلوغ الفهم الأفضل، والرواية ليست لغة فقط، ولا سردا فقط، ولا تاريخا فقط، بل تشترك تلك العوامل في المضمون الأدبي، الذي لا يحتاج الإشارة لمظهره، بل لتحليل بنيته وتصنيف تلك البنية على المستوى اللساني، والرواية التي نحن بصددها تمكنت من خلق لغة مشتركة ما بين الواقع والحس البشري لدينا، وكان التسريع الزمني هو أحد المقومات في اشتغال تلك الرواية. وفي أغلب الصفحات وقلما تجد هناك صفحة تكون فيها اللغة بلا تصنيف لساني، وشكّل عامل التسريع الزمني أحد الموجهات لدعم وتمثيل ذلك التصنيف اللساني، وهناك لغة رفع مستوى التصنيف اللساني «الغموض حزمة أسئلة تترك كرسياً فارغاً للخرافة كي تستقر» وتلك اللغة المركبة ما بين الحس النثري والقصد النفسي والأيديولوجي والإنساني.
ناقد عراقي

أحدث المنشورات

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

5 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

6 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

7 أيام منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

أسبوع واحد منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ

الدكتور الموسيقار عبد الله السباعي: العرب يستخدمون سلمًا مشوهاً..

بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…

أسبوع واحد منذ