يقدم هذا النص قراءة نقدية بصرية لعمل الفنان الليبي خالد محمد أحمدي المغربي، الذي أعاد صياغة أيقونة “الموناليزا” بروح ليبية خالصة. من خلال تتبع الخطوط اللونية واستنطاق ملامح الوجه العربي وتفاصيل الزي التقليدي (الجرد)، يحاول التحليل الإجابة عن تساؤلات محورية حول الهوية والحضارة، وكيف يمكن للفن أن يعيد استملاك الجمال المسلوب عبر التاريخ، ليؤكد أن الابتسامة الغامضة قد تكون في الأصل مستمدة من عمق الصحراء الليبية وتجارتها العريقة.
أرسل إلى الصديق الأديب درمشاكي بن قرين مجموعة صورٍ زيتية، لعلّها تُطفئ حماستي في التقرب إلى الحضارة الليبية التي استخدمت المدونة اللونية منذ عصورٍ سابقة. وفي السياق نفسه، وجدتُ في إحدى اللوحات التقليدية تقليدًا متوازيًا للوحة ليوناردو دافنشي المعنونة بـ”الموناليزا الليبية”، وهي على قمرة التربع، جمع الرسام فيها الألوان وفرّخها، محاولًا إخراج البسمة من على ثغر اللبؤة الليبية في مقاييس الحضارة.
الصورة التي استقرأتُ عليها دامغًا لأخرج بعض أغوارها التي تطلع الناقد على تفاصيل ومواهب وقرارات يتخذها الرسام في حدِّ ذاته. ومن الصعب على أيٍّ كان أن ينتقد الرسمة التشكيلية بكل مدارسها، لأن التدارك في حدِّ ذاته مسألة ابتكارية، رغم أن الفنان حاول أن يصنع للموناليزا الحقيقة التي شدّت إليها الكثير من الدراسات.
* كيف جاءت فكرة التقليد الصورولوجي للموناليزا؟
* لماذا استُعملت الألوان الحمراء المخططة؟
* لماذا رُسمت النجمة السباعية، وما علاقتها باللون الأسود؟
بالرجوع إلى بداية البعد الأول، وهو المقيد إلى الزاوية 90 درجة من جهة اليمين، نقرأ في ظل تضمين صورة رولان بارت. أجد تطابقًا جيدًا في مستوى الخطوط البيضاء، وكأنها شلالات مائية تحجب الملاية المتسترة بها، ولا تُغيب شعرها. فجمال الشعر يكاد يصنعه سواد اللون الأسود على تخطيطٍ أبيض، مما له أثر ودلالة على منسوب النظرة الجيوكندية، وهي تحاول إعادة النظر إلى شيء تراه مبهِرًا، وتعيشه في اصالة بلون الجرد المفرش والمزين طقمه بخطوط فرشية تحيل الأمل الراجع إلى المرأة وثقتها بنفسها، ومن حقيقة وجودها ككائنٍ فاعلٍ في الدوامة الإنسانية، يبرق لنا ذلك في أيقونةٍ ظاهرةٍ لحركة الجمال في البعد الثاني على اليسار؛ إذ نلاحظ في القراءة الأولى للوجه أنه ليس إيطاليًا، وإنما وجهُ امرأةٍ عربيةٍ تختزن ألف أيقونةٍ من البشرة الطبيعية، وزوال الإكسسوارات ذات الرفعة السامية في زينة المرأة الليبية.
أما هذا التطابق الصورولوجي، فترجمته الابتسامة الصامتة، التي خلف أسنانٍ عاجيةٍ فضيةٍ بلونٍ قرمزيٍّ ناعم، ولعل الشفتين أرادتا أن تبتسما وتتكلمان في الوقت نفسه، معبرتين عن سعادةٍ في الأفق، فالصورة المقلَّدة هي نوع من إفراد الجمال في لونٍ واحدٍ أو طبعٍ واحد، وكأن شاعرًا يقول إن ليوناردو سرق صفة الجمال الليبية وطرحها على كائنٍ إيطالي، ربما تناقلت إليه عبر الحركة التجارية البحرية التي كانت نشيطة في القرنين الرابع والخامس عشر الميلاديين.
يتفاعل الكاتب ويتفاءل مع أيقونةٍ لونيةٍ تُشبه مدلهمّات ليلية تعصر الون الفراشية والجر معا، لكنها ألوانٌ تبقى الأمل المفتوح، مثل ذلك المريض الذي ينتظر الطبيب ليزيح الضمادة عن عينيه ليرى النور في وضح النهار. مما يجعلنا ندرك أن الرسام كثير الترمّش أثناء البحث عن أعضاء أو توصيلات لونية أو عضوية لإكمال الريمة. فغالبية اللون الأسود وتخطيطه بخطوطٍ بيضاء هي لياقةٌ فنيةٌ ذات معنى غريب، ليس بغرابة البحث عن شيء مفقود، وإنما بغرابة التعبير عن شيءٍ ربما لا يُفهم عند الغالبية، في غمرة التأويلات الظلامية لأعمال المتفردين بالإبداع.
فالمرأة يكاد ليلها يغيب في الحضارة، إلا المرأة التي تمسكت بتقاليدها وعنفوانها المصرَّح به خُلقيًا. لم أرَ هنا أي مظهرٍ يدعو إلى ممارسة الطقس التحضّري، ولا أظن الرقبة كانت واضحة، لأنني رأيت الصورة وكأنها مرتدية “تريكو” أبيض يغمرها كضوء القمر المشع في ظلمة الألوان. فمن يرى الصورة كشبهٍ يقول إنها تقليد، ومن يراها خلق الشبه يدرك أنها المرأة الليبية في مختلف حضورها المخلّد للحضارة، كتلك المرأة التي ظلت على طاعةٍ لزوجها، وكانت ترفع حاشية البيت لسيدها المجاهد وهو يدخل خيمته، وهي تقول: “لا تحنِ ظهرك إلا وأنت واقف”.
هذه الصورة التضمينية لبقاء المرأة الليبية بموقفها المشرف، لو مَسَّنا من ألوان التفرد في الخلق والجمال العربي الخلّاق، وزادها رداء اللباس التقليدي وسامةً، فصارت كالقمر وأشعة السراج، لونان لعملةٍ واحدة.
الرسام أبدع تضمنيًا، وأعطى للألوان أرواحًا معبّرةً لوحدها، ولعملية دمج الأشكال صفتها الحقيقية المعبّرة عن ذكاءٍ في ربط الأشياء، وخاصةً لوحته التي ربط فيها النجمة السباعية أو “الشميسة” بفتيلة الرداء، ونثر الألوان البيضاء الخارجة في المقاطع، وكأنها تصب في اتجاه النجمة، وهو يعني تأويليًا أن المرأة الليبية، قاطبةً في تواجدها، هي في الأصل واحدة.
الزاوية النقدية هي رؤية جمالية لهذه اللوحة التاريخية المفسِّرة لظاهرة تاريخ المرأة، تشبه منهج دراسة أنثروبولوجية أراد الرسام أن يزيدها تفاسير أخرى، لو سمح لنا إطار الفكرة، وخوفًا من الوقوع في الملل الشَرحي كتبنا في هذه الزاوية عدة أركان: أنثروبولوجيا اللباس، والجسد المستور، والألوان، وغيرها كثير.
الدكتورة جيهان الدمرداش "العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم" قراءة نفسيّة أنثروبولوجيّة جماليّة في رواية…
في خطوة ثقافية رائدة تهدف إلى إحياء الذاكرة النقدية العربية، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب…
مقدمة في عالمٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتغير فيه أدوات الإعلام يومًا بعد يوم، تبقى…
أغنية بخنوق عيشة.. تداخل مغاربي يجمع بين النص الليبي واللحن الجزائري والتهذيب التونس أغنية "بخنوق…
في إطار فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، وقع الشاعر والصحفي السوري نور الدين الإسماعيل روايته…
بعد انقطاع طال انتظاره لمدة سبع سنوات، عادت مدينة "أم جرس" في شمال شرق تشاد…