أقلام

الكاتب/ أحمد عبد الرازق أبوالعلا، يتحدث عن كتابه ” البحث عن طريق جديد للمسرح الشعبي في مصر”

الكاتب/ أحمد عبد الرازق أبوالعلا : صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة ( الإبداع المسرحي) كتابي الجديد ” البحث عن طريق جديد للمسرح الشعبي في مصر”

ويسعدني نشر مقدمته هنا لمن يهمه الأمر .. محبتي للجميع

مقدمة الكتاب

      ليس هناك تعريف جامع مانع لهذا النوع من المسرح، ولكن من الممكن توصيفه وتحديد الأسس التي يقوم عليها، ومن بينها أنه يذهب إلى التراث الشعبي – المُدون والشفهي- ليُعالج موضوعات متباينة، مستفيدا من الطقوس والفلكلور والسير وأشعار المواويل، فضلا عن توظيفه لفنون الفرجة الشعبية ( خيال الظل- الأراجوز- صندوق الدنيا – ألعاب المولد ومظاهره ) وهو – بكل هذا – يتميز بخصوصية، ويتفرد بطبيعة فنية، تجعله مختلفا تماما عن المسرح التقليدي؛ خاصة من ناحية القالب الفني.                                                  

   وكل ما كُتب فيه – من قبل – هو اجتهادات من المبدعين والباحثين ، لكن الموضوع – نظرا لأهميته- يحتاج إلى مزيد من الاهتمام، خاصة وأن معظم الذين اهتموا به وكتبوا عنه، رحلوا عن عالمنا، ولا نود أن تغيب تلك القضية برحيلهم، وهي قضية على جانب كبير من الأهمية ، لارتباطها بثقافتنا وخصوصيتها، بحثا عن هُوية للمسرح المصري .                     

  ولأن المسرح – بطبيعته –  فن جماهيري، يستطيع تحقيق وجوده الفعلي بالتحامه مع الناس ، محققا رغبتهم العارمة في الاستمتاع بالفرجة، تكون الجماعية عاملا من العوامل المُساعدة في إحداث المتعة المؤثرة في الوجدان، وتنمية المشاعر، خاصة حين تكون رسالته قادرة على احتضان همومهم اليومية، وقادرة على التعبير عن قيم الحق والخير والجمال ..   

وتأتي العروض المسرحية الشعبية، في مقدمة الأشكال التي تستطيع تحقيق الأهداف المُشار إليها، لاستنادها وتوظيفها لعدد من عناصر الفرجة التي أشرت إليها ، وهي التي تربى عليها الناس، وأثرت في نفوسهم، تلك العناصر تحقق ما يمكن تسميته باحتفالية التلقي، وبها يتحول المسرح إلى تظاهرة شعبية، قادرة على تحريك المشاعر وإثرائها بخبرات جديدة، ورؤى مختلفة..                       

  وهنا نشير – على سبيل المثال – إلى تجارب المسرح الاحتفالي في المغرب العربي، تلك التي اعتمدت على الارتجال في الحوار والأداء، ووظفت المداحين والمولودية لتقديم عروض احتفالية شعبية، ذات صبغة تميزها عن أية عروض تقليدية أخرى .. تلك التجارب لم تتطور هناك، ولم تتطور – أيضا – في مصر ؛ على الرغم من ثراء العناصر الشعبية التي توجد في تراثنا ومنها : ( الأراجوز- خيال الظل – صندوق الدنيا -السامرالشعبي- الحكواتي) . وغيرها من العناصر التي يمكن – بها – أن يكون لدينا مسرح شعبي، احتفالي، يتميز بخصائص لا تتوفر لغيره من المسارح. 

   تلك العناصر – كلها – لها رصيد تاريخي لدى الجمهور، حين تلقاها في صغره، وحين شاهدها، ومن بينها – مثلا-  ( الأراجوز) وهو أحد الأشكال التي اشتهرت في مصر، حتى قبل  ظهور المسرح بشكله المتعارف عليه،  وكان يقدم عروضه في الأحياء الشعبية والقرى، ومازال موجودا حتى  الآن في الموالد والاحتفالات الشعبية ، ونتذكر أيضا تلك الصور المُتحركة التي يعرضها  لاعب ( صندوق الدنيا ) حين يجوب القرى والنجوع ، حاملا الصندوق الخشبي فوق ظهره، فيلتف من  حوله الأطفال، وكذلك الكبار ،  ليروا عجائبه، بالصور المتلاحقة المُصاحبة لرواية صاحب الصندوق، – الممثل والراوي معا-  يُفسر للأطفال ما يرونه، ويُعلق على الصور المُتحركة  بتعليقات تشد انتباههم .. يقدم حكاية السفيرة عزيزة، وقصة أبو زيد الهلالي، وغيرها من القصص والحكايات الشعبية.                       وأيضا (خيال الظل )  الذي يمكن أن يصنع أشباحا وحيوانات خارقة، ونتذكر -هنا – بابات ( ابن دانيال ) وفيها  قدم عددا من النصوص المُعبرة عن ذلك العنصر، والذي يرجع  اسمه ، ويستند إلى الخيال الذى نراه في الظلام، حين تسلط على أجسادنا – أو أجزاء منها – بقعة ضوء ..  كل تلك العناصر والمفردات تدخل ضمن مكونات المسرح الشعبي، وتصبح الدمية – فيه- بديلا عن الممثل البشري، فيكون التمثيل – هنا – تمثيلا شعبيا غير مباشر، كما يطلقون عليه.  وهو بخصائصه يكون قادرا على جذب الانتباه، وتنشيط الخيال، ودعم التفكير، والاستمتاع بالصورة..

  كل تلك الأشكال أو المفردات الشعبية، تكون قادرة علي مخاطبة الصغير والكبير معا، وهذا سر نجاحها، إذا تم توظيفها بشكل جيد داخل العروض المسرحية..             

   والسامر الشعبي – أيضا –  يُعد شكلا من أشكال هذا المسرح، فيه نستطيع توظيف كل تلك العناصر- التى سبق الإشارة إليها – ولقد لفت – هذا الشكل – نظر الكاتب المسرحي الرائد ( توفيق الحكيم ) حين كتب مسرحيته ( الزمار ) عام 1930 مُستلهما فيها السامر الريفي، وبعدها كتب الصفقة في عام  1956م وحاول فيها إدخال ( الفنون الشعبية الريفية من رقص وتحطيب وغناء في إطار المسرحية ) وكانت تدور كلها في العراء أو الجرن أو أمام المصطبة، والتفت – أيضا – إلى أهمية توظيف الحكاواتي والمقلداتي، وأحيانا المداح كما يقول، بل إنه أضاف من عنده (مقلداتية ) أي مقلدة للأدوار النسائية، وجاءت محاولاته – تلك- من أجل ترسيخ مفهوم المسرح الشعبي، أنهاه بنص ثالث هو ( ياطالع الشجرة )..                                       

    هذا المسرح الشعبي – للأسف الشديد – لا نوليه اهتماما يستحقه ومعظم التجارب التي ُقدمت في هذا الإطار، جاءت فردية لاعتمادها على حماس أفراد، ولم تتحول إلى اتجاه إبداعي يحقق فكرة الحفاظ على الهوية التي أشرت إليها .                       

   وتُعد الثقافة الجماهيرية هي المكان الوحيد الذي تبنى هذا الاتجاه، بفرقها الكثيرة الموجودة في الأقاليم، وعروضها وظفت العناصر الشعبية، لتحقيق أهداف المتعة والرسالة في ذات الوقت.. فقدم ( عبد الرحمن الشافعي) بعض التجارب في هذا الميدان ، وقدم (عادل العليمي ) تجارب أخرى استندت إلى توظيف الزار بوصفه طقسا شعبيا غامضا ومؤثرا، ربما يعكس إيمان البعض بالخرافة، التي يمارسها باقتناع شديد جدا، وهناك تجارب قُدمت داخل السرادق، بتوظيف كل خصائصه، بشكل الخيامية المُتعارف عليها، هذا السرادق المستخدم في الأفراح والمآتم تم توظيفه كعنصر مكاني في بعض العروض التي قدمها ( صالح سعد )، ووظف  ( بهائي الميرغني ) الأراجوز وخيال الظل في عدد من العروض التي قدمها  .                 

  وأعتقد أنه – بعد الاجتهادات الكثيرة التي قدمها هؤلاء وغيرهم، يمكن لنا الانطلاق، واثقين بأن محاولة التأصيل يمكن أن تكتمل، خاصة وأن ملامح هذا المسرح قد اتضحت من خلال النصوص الموجودة لدينا وتنتظر من يهتم بها، وسوف نتناول بعضها في فصول هذا الكتاب، هناك نصوص كتبها (توفيق الحكيم –  يسري الجندي- أبو العلا السلاموني –  شوقي عبد الحكيم – نجيب سرور – محمود دياب –  رأفت الدويري – محمد الفيل – عبد الغني داود – الفريد فرج – فاروق خورشيد – شوقي خميس– سمير عبد الباقي- السيد حافظ ) بالإضافة إلى عدد آخر من كتاب المسرح من أجيال تالية لهؤلاء اهتموا بهذا النوع من الكتابة . وأيضا وجود عدد من المخرجين المهتمين بتقديم أعمال تؤكد هذا الاتجاه .

  وبالطبع لكل كاتب طريقته الخاصة في التناول والمُعالجة والاختيار، ومن ثم فإن السمات والخصائص الفنية التي تميز إبداعه، تتشكل تبعا لوعيه وثقافته، ورؤيته التي تحدد الطريقة التي يُعالج بها موضوع مسرحيته الشعبية، فهذا النوع من الكتابة، ليس سهلا بالمرة ، ويتطلب أولا وعيا بالمفهوم ، الذي ظل لسنوات –  وربما حتى اليوم –  غير محدد بشكل قاطع ويتطلب ثانيا : أن يكون الكاتب عالما بالضرورة التي تجعله يذهب إلى عناصر الشعبية ، ليجعلها قالبا لمسرحيته، بلا ادعاء، وبشكل لا نستطيع معه أن نتهمه بأنه يقدم عملا  لا يضيف إلى المفهوم شيئا جديدا .                                

   وتلك النقطة بالذات، المتعلقة بقدرة الكاتب على إضفاء الطابع الشعبي على القالب المسرحي، شغلت ومازالت تشغل النقاد الذين يهتمون بمناقشة القضايا المُتعلقة بالمسرح الشعبي، فعلى سبيل المثال هناك من رأى أن ( المسرحيات التي ارتبطت بالتراث الشعبي، والتي كُتبت شعرا، كمسرحية ” الفتى مهران” لعبد الرحمن الشرقاوي ومسرحية ” سندباد” لشوقي خميس، وغيرهما لم تستطع أن تستغل منهج الأداء في السير الشعبية، في إضفاء الطابع الشعبي على قالبها، باستثناء مسرحية شعرية هي مسرحية ” ياسين وبهية” لنجيب سرور في أن يوائم بين موضوعه الشعبي ولغته، فاستخدم لغة شعرية مُشبعة بعناصر الإيحاء الشعبي، ومن ثم تكامل أسلوب السرد الملحمي مع هذه اللغة الشعرية ذات النبض الشعبي، على نحو يُعد تطويرا جيدا لأسلوب الأداء في السير الشعبية )(1)                                                                                  

  ويرى فاروق خورشيد ( أننا لا يمكن أن نخلق مسرحا شعبيا مصريا مكتفين بترجمة معتقداته وحكاياته إلى أشكال مسرحية تقليدية، ويمكن أن نقول إن (شوقي عبد الحكيم) استلهم الموال المصري ” حسن ونعيمة ” عملا مسرحيا تقليديا، ولكننا لا نستطيع أن نقول إنه ” ينشئ مسرحا شعبيا ” بمجرد تناوله موضوعا شعبيا، إن هذا عندي يُماثل المُتحدث عن الشعب وهمومه ، لينجح في الانتخابات، ويظل يعيش طبقته وهمومها دون أن يمارس حياة الشعب بالفعل) (2) هنا يؤكد ” فاروق خورشيد ” – كما نفهم- على أهمية أن تكون النصوص الشعبية مُعبرة بالفعل عن آلام العصر، وعليها أن تنتهج نفس مسار النصوص الشعبية الموروثة، وتلك مسألة تتطلب وعيا كبيرا ممن يريد  كتابة هذا النوع من المسرح .  

وفي هذا الإطار- المُتعلق بقضية قدرة الكاتب على تقديم نص مسرحي، نستطيع به تحديد مفهوم المسرح الشعبي – يؤكد د. حسن عطية على ( أن المسرح الشعبي لا يعني تعبيره عن القيم الثقافية للجماعة الشعبية العاملة بمجرد حمله لشعار ” الشعبية ” أو استلهامه ” البطولة الشعبية ” فالقضية كامنة في الرؤية الفكرية الكامنة وراء صياغة ذلك ( المسرح الشعبي ) وانتمائها لثقافة الجماعة الشعبية العاملة وقيمتها ) (3)

    وإذا كان هذا هو موقف النقاد من إشكالية الشعبية في المسرح، وكيف تتحقق بالفعل، فإن الفنانين الذين تعاملوا مع هذا المسرح يدركون أبعاد تلك المشكلة، ومن أدركها بحق استطاع النجاح في مسعاه، وهو يقحم تجربته في هذا الاطار .                                                    

   والمخرج ( عبد الرحمن الشافعي ) واحد من الذين نجحوا في تقديم مسرح شعبي، موضوعا وقالبا، ويتجلى هذا الفهم في  أعماله ، ومن تصريحاته التي تبين لنا هذا الفهم قوله ( إنه علينا أن نتعامل مع الجذور، إننا نملك الإبداع المسرحي منذ وقف المداح الشعبي يردد السير والملاحم، ويشخص أبطالها في تحاور رائع ) ولقد نجح في اعتقادي لأنه تمثل تجربة   ( زكريا الحجاوي) وهضمها، وسار في مسارها، ثم طور فيها، وذلك لأن ( زكريا الحجاوي) فهم المعادلة التي  تحدد شرط النجاح في قدرة هذا المسرح على التعبير عن ( المعارك التي خاضها الشعب بحثا عن فرص المشاركة الفعلية في حياة بلده، وفي القضايا العربية على السواء، ولقد ( فهم زكريا الحجاوي هذه المعادلة البسيطة فلم يفرض أشكالا جديدة على مسرحه أو سامره، أو جوقته الجوالة التي تفرقت في السبعينيات, أخذت الثقافة الجماهيرية بعض أجزائها لتعرضها على السياح في مصر والخارج، كأنها قطع من الحفريات الأثرية القديمة، دون فهم حقيقي للدور الفني والثقافي الذي يفرض استمرار الوجود المعبر عن وجدان الناس، واستمرار التطور مع أحلامهم) (4)                                                                

  فهم الدور الفني والثقافي الحقيقي، هو الذي سيفرض استمرار الوجود المُعبر عن وجدان الناس، وبدون هذا الفهم ستظل المُشكلة قائمة، ولن ننجح في تقديم تلك النوعية من المسرح ، الذي هو – في حقيقة الأمر – أداة لتأصيل الهُوية، والدفاع عنها، حتى لا تذوب في العالم المُتغير، الذي تسعى القوى المُهيمنة فيه إلى طمس الهويات الخاصة ، خاصة للمجتمعات ذات الحضارة ، والثقافة القديمة مثل مصر، وكل هذا يفعلونه بزعم أن العالم صار قرية كونية  واحدة، وأن العولمة تفرض على الجميع السير في ركابها وبشروطها، التي لاتضع خصوصية ثقافتنا في حساباتها ، ولذلك ينبغي أن نعلم أن تراثنا الفكري المستنير هو جزء من ثقافتنا ، ينبغي الحفاظ عليه وتوظيفه، وتطويره في إطار  الحفاظ على الهوية .                                                    

   ولهذا كانت دعوة (توفيق الحكيم ) للبحث عن قالب مسرحي ينطلق من تراثنا الشعبي دعوة مهمة، وكذلك كانت دعوة “يوسف إدريس” ( نحو مسرح عربي ) وبحث كلاهما عن فكرة التمسرح . والاستناد إلى بعض الأشكال الشعبية التي أنتجتها  ثقافتنا مثل السامر والحكواتي عند توفيق الحكيم، بعد أن كتب مسرحية (الزمار ) في عام 1930 مُستلهما السامر الريفي ، ثم مسرحية ( الصفقة ) 1956 وكانت محاولته إدخال الفنون الشعبية الريفية من رقص وتحطيب وغناء في اطار المسرحية ، وكانت أحداثها كلها تدور في العراء ، أو الجرن أو مصطبة، ثم ( ياطالع الشجرة ) عام 1962 وفيها ربط بعض ملامحنا الشعبية القديمة بأحدث مظاهر العصر، ليجيب على سؤال طرحه : هل نستطيع أن نلحق بأحدث اتجاهات الفن العالمي عن طريق فننا وتراثنا الشعبي ؟                               

ومع إدراكه بأن كل تلك المحاولات التي قدمها كانت داخل القالب الأوربي، لجأ إلى التجريب في قالب جديد يقوم ( أساسا على الحكواتي والمقلداتي، وأحيانا المداح إذا لزم الأمر،وأضفت من عندي مقلداتية ، أي مقلدة للأدوار النسائية، ولن يكون لقالبنا هذا بالطبع خشبة مسرح ، ولا ديكور، ولا إضاءة ولا مكياج، ولا ملابس، فكما كان الحاكي والمقلد والمداح والشاعر يقومون في الماضي بأعمالهم بملابسهم العادية، في أي مكان ويُحدثون أعمق الآثار، كذلك مسرحنا هذا سيكون بهذه البساطة، سنعود به إلى المنبع الصافي الذي يتصل مباشرة بالجوهر ) (5)                                            

    وبعد أن كتب ” يوسف إدريس مجموعة من المسرحيات ، ذات القالب الغربي – أيضا – فكر في تقديم مسرحية تتحرك بروح تراثنا، وثقافتنا، فكتب مسرحة الفرافير، وهؤلاء الفرافير كانوا لا يستطيعون – كما يقول ( أن يمثلوا إلا أدوار الفرافير لأن التمثيل عندهم وعند الحقيقة ليس حرفة باستطاعة أي ممثل أن يتقمص أي شخصية تخطر للمخرج على بال، لأن التمثيل ليس مجرد ” فن” التمثيل، كما أن الكتابة ليست مجرد فن الكتابة، إذ إن الكاتب لا يستطيع أن يكتب في أي موضوع وإلا تحولت كتابته إلى نوع من صنعة الحرفية ، وممثل دور الفرفور لا يمثل لأنه يمثل بوجهة نظر، وبالذات بوجهة نظره الخاصة )  (6)

   وإذا كان (يوسف إدريس ) قد شغل تفكيره بطريقة أداء الممثل، وأراد أن يُغير فيها، فما بالك بطبيعة المسرح نفسه، لذلك شغله نفس السؤال الذي شغل الحكيم من قبل حين تساءل: – أين المسرح المصري من تراثنا الشعبي ؟! مُؤكدا على أنه ( في الريف لايزال السامر مسرحا شعبيا لا يعرف أحد متى بدأ، وفي المدينة كاد ينقرض مسرح مماثل ، مسرح الحواري ، وخيال الظل والأراجوز ، وكل تلك الأشكال المسرحية الصريحة، ولكني لا أعتقد أشكال من احتكار الشعب المصري، ولا يمنع هذا أن شعبنا بمواهبه التمثيلية، والتأليفية طورها ونبغ فيها، ذلك الشعب المصري حدث له شيء في تاريخه لم يحدث لشعب آخر، شيء قطع تماما كل صلته بتاريخه الطويل الذي يعتبر أطول تاريخ لأي شعب معروف، وأوقف تماما سريان وتوارث التقاليد الحضارية، وتراكمها في وجدان الشعب وعقله الباطن والواعي ) ( 7) هذا الذي يذكره يوسف إدريس، كان سببا من أسباب تأخر ظهور المسرح الشعبي لدينا، تلك القطيعة بين حاضرنا وماضينا الذي يحمل خصوصية، وعادات وتقاليد وموروثات يمكن تطويرها والاستفادة منها لكي تكون لنا هُوية ، ترسم ملامحها كل مكونات الثقافة المصرية ، بما في ذلك موروثها الشعبي .     

    ولأن البحث عن صيغة عملية للمسرح الشعبي ، يتحقق على أساسها هذا النوع ، يُعد أمرا صعبا ، فإن الحكيم وإدريس اكتفيا – واقعيا –  بالتنظير للتجربة، والاكتفاء بطرح الفكرة، دونما  قدرة على تطبيقها  عمليا،  فالحكيم استمر يكتب بالطريقة نفسها التي بدأها وأطلق عليها – هو نفسه – عبارة ( المسرح الذهني ).

 ومن الواقع النظري والعملي الذي وضعه (الحكيم) نلاحظ – كما لاحظ من قبل د. إبراهيم حمادة –  ( إن القالب العربي الذي يقترح الحكيم تركيبه من عناصر شعبية، هو قالب للأداء المسرحي فحسب، وليس للتأليف على منواله، فهو نفسه لم يمارس فيه إبداعا عمليا، ولم يتصور احتمال انجذاب صمويل بيكيت، أو بيتر فايس ، أو دورنيمات ، أو تنسي وليمز ، أو هارولد ينتر، أو سعد وهبة، أو الفريد فرج، أو حتى هو ذاته  كي يؤلفوا مسرحيات جديدة ، طبقا لمنهج مُبتدع في التأليف الدرامي، وإنما هدفت الدعوة – حسبما يبدو من التطبيقات بصفة أساسية – إلى صب أي مسرحية جاهزة التأليف في هذا القالب، كذلك تردد هذا المعني أكثر من مرة في أثناء التنظير ” كما أنه يجب لكي يكون قالبا حقيقيا، أن يكون صالحا لأن تصب فيه كل المسرحيات ،على اختلاف أنواعها ،من عالمية ومحلية، ومن قديمة وعصرية “) (😎

وأيضا لم يقترب (يوسف إدريس) مرة أخرى من أي عنصر من العناصر التي ذكرها في بيانه، مُكتفيا بورقته التي تركها ورحل، فربما يأتي غيره ليقرأها ويطبق ما جاء فيها.

  وعلى المستوى البحثي والنقدي جاءت كتابات د. (علي الراعي ) عن الكوميديا والارتجال بثلاثيته عن ( مسرح الشعب) للتأكيد على تراث المسرح الشعبي (9)                                                     

   والأشكال المسرحية الصريحة التي أشار إليها كل من  ( يوسف ادريس ) و (توفيق الحكيم )  و( علي الراعي) : ( الأراجوز- خيال الظل – مسرح الشارع – السامر) مضافا إليها ( صندوق الدنيا – الحكواتي ) كلها – في واقع الأمر- أشكال للتمثيل الشعبي، حتى قبل ظهور المسرح في مصر، مضافا إليها مظاهر شعبية أخرى مثل الموالد .                                           

   ليس هذا فحسب، ولكن في ثقافتنا – أيضا – مصادر درامية لا يمكن إنكارها مثل ( السير الشعبية – الشعر – ألف ليلة وليلة- البابات – المقامة – الارتجال)                                                   

كل تلك الأشكال والمظاهر والمصادر، تُعد الإرهاصات الأولى التي قام عليها المسرح الشعبي.

وهذا الكتاب بدراساته النظرية والتطبيقية – سواء على النصوص أو بعض العروض – محاولة لتأصيل هذا النوع من المسرح، تضاف إلى المحاولات التي قدمت من قبل. وعنوانه يذكرنا بكتاب الناقد الراحل ( عبد الرحمن أبو عوف ) البحث عن طريق جديد للقصة القصيرة المصرية، لكنني وجدت أن العنوان مناسبا لمحتوى هذا الكتاب، على الرغم من اختلاف الجنس الأدبي والفني بين الاثنين، ولكن وجب التنويه .                                                     

هوامش:

(1)- د. عز الدين اسماعيل – توظيف التراث في المسرح – مجلة فصول – المجلد الأول – العدد الأول –أكتوبر 1980 – صفحة 179                                      

(2)- فاروق خورشيد – الجذور الشعبية للمسرح العربي – سلسلة دراسات أدبية – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1991 – صفحة 168

(3)- د. حسن عطية – الثابت والمتغير – دراسات في المسرح والتراث الشعبي – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1990- صفحة 4

(4)- فاروق خورشيد – مرجع سابق – صفحة 169                                  

(5)- توفيق الحكيم – قالبنا المسرحي – مكتبة مصر -1967- صفحة 15 من طبعة 1988                       

(6)- يوسف إدريس –  نحو مسرح عربي –   وهذا البيان منشور في نهاية مجلد صدر في عام 1974 – دار الوطن العربي بيروت – (علما بأن هذا البيان نشر في مجلة الكاتب عام 1964 قبل بيان توفيق الحكيم بثلاثة أعوام ) ونشر معه  مسرحيات ( جمهورية فرحات – ملك القطن – اللحظة الحرجة – الفرافير – المهزلة الأرضية – المخططين – الجنس الثالث )صفحة 485                                                   

(7)- يوسف إدريس – مرجع سابق صفحة 471                                            

(8)- د. ابراهيم حمادة – توفيق الحكيم والبحث عن قالب مسرحي عربي – مجلة فصول – المجلد الثاني -العدد الثالث – ابريل ومايو ويونيو 1982 – صفحة 66

(9)- أعني هنا بثلاثية د. علي الراعي كتبه الثلاثة : الكوميديا المرتجلة – فنون الكوميديا – مسرح الدم والدموع – نشرت في مجلد واحد بعنوان ( مسرح الشعب ) دار شرقيات – القاهرة 1993

أحدث المنشورات

محمد سمير ندا: حين يتحوّل القلق إلى سرد يفوز بجائزة الرواية العربية

أعلنت جائزة الرواية العربية فوز رواية «صلاة القلق» للروائي المصري محمد سمير ندا بجائزة هذا…

ساعة واحدة منذ

حصاد الكلمة 2025: جولة في أروقة الفكر والأدب العالمي والعربي

شهد عام 2025 حراكاً ثقافياً استثنائياً؛ فبينما استمرت الرواية في تصدر المشهد، برزت كتب الفكر…

ساعتين منذ

صدر اليوم عن دار دلمون الجديدة “على جسر قريب من السماء” رسائل الشاعرين “اسكندر حبش وعاشور الطويبي”…

صممت الغلاف م. عبلة خوري شاعران لم يلتقيا إلا مرةً واحدة في مهرجان شعري، فنشأت…

3 ساعات منذ

ريدي مشّو: الرواية بوصفها قراءة ثانية للعالم

من تماسٍّ مبكّر مع الكتاب واللغة، إلى مشروع سرديّ مشدود بين الذاكرة والهوية وتحولات الواقع…

4 ساعات منذ

ذاكرة الرواية: تشكيل التاريخ وإحياء التجربة الإنسانية في كتابة سيد أحمد حملاوي

 الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…

19 ساعة منذ

بريطانيا تطلق “السنة الوطنية للقراءة”: الاستثمار في الثقافة الكتابية

 أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…

20 ساعة منذ