فيلم العسّاس
في لحظة فارقة من تاريخ السينما العربية المعاصرة، وبحلول خريف عام 2025، يبرز اسم الفيلم الليبي «العسّاس» للمخرج مهند لامين كعلامة فارقة في برنامج منح مؤسسة الدوحة للأفلام. لم يكن مجرد مشروع من بين 57 مشروعاً فائزاً، بل كان صرخة بصرية قادمة من جغرافيا ظلت لسنوات طويلة “منطقة صمت” سينمائي، ليعيد تقديم الهوية الليبية لا عبر بوابة الأخبار والسياسة، بل عبر بوابة الأسطورة، الفلسفة، والجمال الروحي الذي لا ينضب.
لطالما اعتبر النقاد أن روايات الأديب العالمي إبراهيم الكوني عصية على التجسيد السينمائي؛ نظراً لسيولة الزمان والمكان فيها وطغيان البعد الصوفي على الحدث الدرامي. لكن مهند لامين، بالشراكة مع السيناريست إبراهيم البشاري، خاض التحدي عبر اقتباس رواية «نزيف الحجر».
في «العسّاس»، تتحول الصحراء من مساحة رملية صماء إلى “قوة وجودية” واعية. بطل الفيلم هو “أسوف”، ذلك الراعي الذي شاخ وهو يحرس أسرار الجبل، ويعيش حالة من الوحدة التأملية التي جعلت منه همزة وصل بين عالم البشر وعالم الغيب. “أسوف” ليس مجرد راعٍ، بل هو “العسّاس” (الحارس) الذي يحمي التوازن الفطري للكون في رقعته الجغرافية الصغيرة.
تتصاعد ذروة السرد بدخول شخصية “قابيل” إلى المشهد. “قابيل” هنا ليس مجرد صياد، بل هو رمز للإنسان المستهلك، الغازي الذي لا يرى في الطبيعة سوى طريدة. يسعى قابيل لاقتناص “الودّان”، ذلك الكائن الجبلي النادر الذي يمثل في مخيلة “أسوف” وفي الموروث الليبي روح الصحراء وقدسيتها.
هذا الصدام بين “أسوف” و”قابيل” هو في جوهره صدام بين رؤيتين للعالم: رؤية ترى في الطبيعة أماً مقدسة يجب حمايتها، ورؤية تراها غنيمة يجب إخضاعها. ومن هذا التوتر، يطرح الفيلم أسئلة كبرى حول الملكية، القداسة، والثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان عندما يقطع صلته بروحه الفطرية.
يأتي «العسّاس» كتتويج لمسيرة دؤوبة للمخرج مهند لامين. هذا السينمائي الذي صقل أدواته بين أزقة طرابلس وأروقة معهد الفنون، وصولاً إلى منصات التتويج في لوكارنو وIDFA، لم يذهب للروائي الطويل إلا وهو مسلح بخبرة وثائقية عميقة (تجلى بعضها في فيلمه “دونقا”) وحس درامي عالٍ (ظهر في “السجين والسجّان”).
لامين، وبالتعاون مع المنتجة ليندا بلخيرية، استطاع أن يقود المشروع في رحلة دولية بدأت من مختبرات التطوير في مهرجان الجونة السينمائي، وصولاً إلى نيل ثقة مؤسسة الدوحة. هذا المسار يؤكد أن «العسّاس» ليس مجرد تجربة فردية، بل هو مشروع مؤسس لـ “سينما ليبية مستقلة” قادرة على اختراق الحدود الجغرافية ومخاطبة الوجدان الإنساني العالمي.
إن وجود فيلم «العسّاس» في دورة تتسم بالتنوع الجغرافي والموضوعاتي، وفي قائمة تضم مشاريع من 46 دولة، هو اعتراف صريح بأن الحكاية الليبية تمتلك المقومات الكونية. الفيلم لا يقدم “فولكلوراً” ليبياً للاستهلاك السياحي، بل يقدم “تراجيديا” إنسانية مغلفة برمال الصحراء ونفحات الأسطورة.
إنه فيلم عن “الانتظار”، عن “الحراسة”، وعن الدماء التي قد تسيل فوق الحجر لتعلن ولادة وعي جديد. بفضل رؤية مهند لامين، يبدو أن السينما الليبية قد وجدت أخيراً “عسّاسها” الخاص الذي سيحمي ذاكرتها البصرية ويقودها نحو آفاق العالمية.
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…
بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…