إدغار آلان بو
رأى كلاهما في بو صوتا رؤيويا وروحا قريبة من روحيهما. اعتقد بودلير أن المجتمع الأميركي، بسبب انغماسه في المادية والتقدم، لم يقدر روح بو الرؤيوية والمتمردة، وصوره كشخصية مأسوية منعزلة، وهذا ما دفع بودلير أيضا إلى الاحتفاء بصرامته الفنية وسعيه الروحي للانفصال عن السائد. أما مالارميه، فخط مرثية له بعنوان “قبر إدغار آلان بو” ورأى فيه شاعرا انتصر على مجتمعه المادي، وتبنى تركيزه على الإيحاء والموسيقى، واحتفاءه بالمواضيع الميتافيزيقية. ألهم هذا الاكتشاف الفرنسي العديد من الأميركيين لإعادة اكتشاف القيمة الإبداعية لبو، وربما كان هذا أحد الدوافع وراء اختيار أقدم منزل في مدينة ريتشموند في ولاية فيرجينيا التي عاش فيها الكاتب وتحويله إلى متحف يكرمه ويعيد الاعتبار إليه.
يشكل متحف إدغار آلان بو في ريتشموند معرضا حيا يعكس جوانب من حياة هذا القاص والشاعر العظيم، ويعرض أكبر مجموعة متحفية في العالم مخصصة له. افتتح المتحف عام 1922 في “البيت الحجري القديم”، أقدم مبنى قائم في ريتشموند، على بعد مبان فقط من منزل بو الأول فيها، وأول مكان عمل له. يضم المتحف معارض عن حياته ووفاته، وحديقة الفناء “المسحورة”، وضريحه. كما يحتوي على متجر هدايا فريد يضم العشرات من المنتجات المتعلقة به.
يرجح أن المنزل الذي يحتضن المتحف، بني عام 1754 ولا تزال كثير من ألواح الأرضية الأصلية والمسـامير التي صنع بعضها المالك الأول للبيت حاضرة لتشير إلى عراقة البناء. من أبرز مقتنيات المتحف، نسخة من الطبعة الأولى لمجموعة بو القصصية الأولى، “حكايات غروتسكية وزخرفية” الصادرة عام 1840، وشاهدة قبره التي نقش عليها: “المكان الأصلي لدفن إدغار آلان بو، السيدة ماريا كليم، حماته، ترقد إلى يمينه، فيما ترقد زوجته فيرجينيا بو إلى يساره”.
يعرض المتحف في ركن آخر ملصقا بعنوان “الموت الجميل”، يوضح كيف كان مرض السل سببا رئيسا للوفاة قبل تطور الطب الحديث، وكيف أنه قتل والدة بو وأمه بالرضاعة وشقيقه وزوجته وأصدقاءه. يذكر الملصق أيضا أنه كان ينظر إلى مرض السل في أوائل القرن التاسع عشر على أنه “رومانسي وجميل”، خاصة بين النساء، إذ ارتبطت الإصابة به بصورة جمال شاحب وضعف أنثوي شاعري. وكانت النساء غير المصابات بالسل يحاكين مظهر المريضات باستخدام مساحيق بيضاء وملابس توحي بالنحول والضعف. ومن بين المقتنيات الشخصية لبو المعروضة: علبة مناديل ورقية رسمت عليها شقيقته أزهارا، وكانت المناديل نفسها تزين آنذاك بالأزهار الحمراء لإخفاء الدم الناتج من سعال مرضى السل.
اعتقد بودلير أن المجتمع الأميركي، بسبب انغماسه في المادية والتقدم، لم يقدر روح بو الرؤيوية والمتمردة، وصوره كشخصية مأسوية منعزلة
يعرض المتحف أيضا عكازة الشاعر الفضية التي نقش عليه اسمه، وخصلا من شعره قصها صديقه جوزيف سنودغراس بعد وفاته، وإبريقا مطليا بالفضة من فندق “ريتشموند هوتيل”، حيث أحيا بو آخر أمسياته الأدبية قبل وفاته، ونسخة من قصيدته الشهيرة، “أنابيل لي”، التي نشرت في مجلة “سارتين يونيون” بفيلادلفيا بعد وفاته بيومين، واحتفت بالحب الذي لا يموت. كان بو ينوي أن يتزامن نشره للقصيدة مع إعلانه زفافه على الأرملة إلميرا شيلتون، لكنه توفي قبل عشرة أيام من الموعد، وبعد وفاته ادعت نساء أن القصيدة مهداة إليهن.
يعرض المتحف أيضا قطعا من كفن بو، وقصة نقل رفاته بعد عشرين عاما من دفنه في قبر غير معلم، مكتوبة على ورقة سمراء معلقة على الجدار. تروي القصة أن التابوت تحطم أثناء النقل، وكشف عن جثة استحالت غبارا، إلا أن العظام وبعض خصل الشعر بقيت سليمة. وأفاد شهود عيان أن الذراعين كانتا ممددتين في وضعية الوفاة نفسها، بينما بقيت عظام الظهر والساقين سليمة، والأسنان بيضاء وفي حالة ممتازة.
يضم المتحف أيضا سرير إدغار آلن بو، مغلفا بغطاء بلاستيكي، وهو السرير ذاته الذي كان، كما يروى، يثير في نفسه خوفا دائما من أن يراقبه أحد أثناء نومه. وعبر بو عن هذا الخوف لاحقا في قصته الشهيرة، “القلب الواشي”، حيث يختبئ القاتل ليراقب ضحيته العجوز في عتمة الليل. ويعرض المتحف صديرية بو البيضاء الحريرية وجواربه، علاوة على كرسيه الذي اعتاد الجلوس عليه أثناء تحريره مجلة “ساوثرن ليتراري ميسنجر”، وكتب بعض أهم قصصه التي لا تزال تشهد على عبقريته الأدبية.
ما يميز هذا المتحف حقا هو أنه يتجاوز التقييمات السطحية لشخصية إدغار آلن بو، سواء صور ككاتب سوداوي أو شاعر عبقري أو رائد لأدب الجريمة، ويقدمه في صورة أكثر عمقا واتساعا. فبما يضمه المتحف من صور وأثاث ومخطوطات، علاوة على المعلومات المتوفرة للزوار والباحثين في تفاصيل حياته ومماته، يتجلى بو مبدعا في النثر والشعر، لم تثنه المعاناة والفقر والنقد عن ترسيخ عبقريته، بل شكلت ملامح الرحلة التي قادته ليغدو رمزا خالدا في ذاكرة الأدب. ونجح مؤسسو المتحف، بإدارتهم الناجحة وتعاونهم الجماعي، في تحويل منزل صغير كان مجهولا تقريبا إلى معلم أدبي عالمي لا يقتصر على تذكير الناس بماضي شاعر وقاص، بل يقدم فرصة تعليمية وتأملية، ويلهم الزوار من مختلف الأعمار والثقافات.
يتجلى بو مبدعا في النثر والشعر، لم تثنه المعاناة والفقر والنقد عن ترسيخ عبقريته، بل شكلت ملامح الرحلة التي قادته ليغدو رمزا خالدا في ذاكرة الأدب
متحف بو ليس مجرد بناء يعرض أشياء تنتمي إلى ماضي حياة القاص والشاعر، بل رسالة ضد الموت تقول إن الحياة تستمر آخذة شكلا آخر، ربما عظمة لا تتجسد ماديا ولا تقاس بالشهرة، بل بتأثيرها الذي يتواصل بعد الموت. ولقد تمكن إدغار آلان بو، رغم ظروف حياته القاسية والتهميش الأدبي الذي تعرض له، من أن يحدث تأثيرا ملهما لا يمحى في الأدب العالمي، ويشكل متحف ريتشموند شاهدا حيا على هذا التأثير، وعلى قدرة الأدب الخلاق على ترك بصمة خالدة في سجل تاريخ الإنسانية.
شهد عام 2025 حراكاً ثقافياً استثنائياً؛ فبينما استمرت الرواية في تصدر المشهد، برزت كتب الفكر…
صممت الغلاف م. عبلة خوري شاعران لم يلتقيا إلا مرةً واحدة في مهرجان شعري، فنشأت…
من تماسٍّ مبكّر مع الكتاب واللغة، إلى مشروع سرديّ مشدود بين الذاكرة والهوية وتحولات الواقع…
الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…
أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…
“تذكر دوماً أنني أحبك” رواية جديدة للأديبة وفاء شهاب الدين عن دار اكتب للنشر صدر حديثًا…