أفانين
بورتريه للفنانة صليحة رمز الأغنية البدوية المغاربية وأغنية بخنوق عيشة.
الفنون

لغز «بخنوق عيشة»: رحلة النص المشفّر من رمال ليبيا إلى مسارح الرشيدية بتونس

أغنية بخنوق عيشة.. تداخل مغاربي يجمع بين النص الليبي واللحن الجزائري والتهذيب التونس

    أغنية “بخنوق عيشة” التي اشتهرت بصوت السيدة صليحة في تونس خلال الأربعينيات عبر عروض الرشيدية، ليست مجرد قطعة غنائية بل نصٌّ يحمل تاريخًا متشابكًا بين ليبيا وتونس والجزائر. ورغم تعدد الروايات حول أصلها، فإن الشهادات الشفوية والبحث الشخصي يقدمان أدلة قوية على أن الأغنية نتاج تداخل مغاربي، يجمع بين النص الليبي، التهذيب التونسي، والأداء الجزائري، لتعبر الحدود وتصبح أيقونة خالدة في الذاكرة الشعبية المغاربية.

    أغنية بخنوق عيشة التي اشتهرت بصوت السيدة صليحة في تونس خلال الأربعينيات عبر عروض الرشيدية، ليست مجرد قطعة غنائية بل نصٌّ يحمل تاريخًا متشابكًا بين ليبيا وتونس والجزائر. ورغم تعدد الروايات حول أصلها، فإن الشهادات الشفوية والبحث الشخصي يقدمان أدلة قوية على أن الأغنية نتاج تداخل مغاربي، يجمع بين النص الليبي، التهذيب التونسي، والأداء الجزائري.

    1. الشهادة الشخصية والذاكرة الشعبية

    من خلال تجربتي الشخصية، كنت أجالس جدتي رحمها الله، وكانت كثيرًا ما تدندن بألحان من التراث الشعبي المحلي، خاصة ألحان الشاعرة حدّي الزرقي، شاعرة العائلة المشهورة في الدبيلة. وذات مرة سمعتها تغني بخنوق بنت المحاميد عيشة، لكن بلحن مختلف عن اللحن المعروف الذي أدته صليحة. حينها قال لي عمي إن هذا اللحن ربما يكون قريبًا من ألحان حدّي الزرقي، وهو ما أثار فضولي للبحث عن أصل الكلمات واللحن. هذه الشهادة تثبت أن الأغنية كانت متداولة في الجزائر أيضًا، لكن بألحان محلية مختلفة، مما يعكس انتشارها الشفوي قبل أن تُؤدى رسميًا في تونس.

    2. البحث الشخصي: شيفرة السلاح الليبية

    بدافع الفضول، قمت بالبحث في المنتديات الليبية القديمة، فوجدت مقالًا يشير إلى أن الأغنية ليست قصيدة شعرية بالمعنى التقليدي، بل كلمات وضعها تاجر ليبي في صيغة مشفّرة. الرواية تقول إن التاجر كان مبعوثًا لجلب السلاح من ليبيا، وخشي أن يُكتشف أمره، فوضع كلمات بسيطة ليحفظها شخص آخر وينقلها شفويًا إلى المرسل له، الذي كان يفهم المعنى المخفي. هذه الرواية بدت أكثر إقناعًا، لأن النص بالفعل لا يحمل وزنًا شعريًا متماسكًا، بل أقرب إلى كلام يومي مشفّر، ثم جرى لاحقًا تعديل بعض الكلمات لتناسب اللحن الجديد في تونس.

    3. المقاربة التاريخية: الحقيقة بين الأسطورة والواقع

    منتصف القرن التاسع عشر (1845) ارتبطت بعض الروايات بقصة عثمان القيرواني وعيشة المحمودية، لكن هذه القصة تفتقر إلى الوثائق التاريخية، وتبدو أقرب إلى الأسطورة. أما الفترة الواقعية هي ما بين العشرينيات والأربعينيات، حيث عاش الشاعر الليبي البشير فهمي فحيمة في تونس (1924–1950)، وهي فترة أكثر انسجامًا مع انتقال النص من ليبيا إلى تونس. السياق السياسي حينها (تهريب السلاح، الحذر من المراسلات) يفسر طبيعة النص المشفّر، ويمنح الرواية الليبية قوة أكبر من الروايات الرومانسية.

    4. التداخل المغاربي: وحدة الذاكرة

    • النص ليبي الأصل: بنيته البسيطة والرمزية المشفّرة تؤكد ذلك.
    • التهذيب تونسي: محمد المرزوقي أعاد صياغته ليصبح صالحًا للأداء الفني في الرشيدية.
    • الأداء جزائري: سواء عبر أصول صليحة الجزائرية أو عبر تداول الأغنية في الدبيلة بألحان مختلفة، فإن الجزائر كانت جزءًا من مسار الأغنية.

    الخاتمة

    بناءً على الشهادة الشخصية والبحث التاريخي، يمكن القول إن بخنوق عيشة ليست أغنية تونسية خالصة، بل هي نتاج تداخل مغاربي: كلمات ليبية، صياغة تونسية، أداء جزائري. هذا التداخل هو ما منحها الخلود، لأنها تعكس وحدة الذاكرة الشعبية في المغرب العربي، وتُظهر كيف تتحول النصوص البدوية إلى أيقونات موسيقية عابرة للحدود.

    ذات صلة

    تأثير العمارة الأندلسية على أوروبا الذي مهّد لتطور العمارة الحديثة

    suwaih

    تعرف على أهم معارض الخط العربي العالمية

    suwaih

    برواق قوس ماركوس.. وزارة التعليم الليبية تطلق مسابقة الرسم الفوري لمعلمي طرابلس الكبرى

    suwaih

    أحدث ظهور للفنان محمد صبحي بعد أزمته الصحية يثير اهتمام الجمهور

    suwaih

    “Euphoria” لكيندريك لامار: ليس ألبومًا… بل محاكمة

    suwaih

    تألق في “آر آند بي” وأعاد إحياء “سول”.. وفاة المغني الأميركي دي أنجلو عن 51 عاما

    suwaih

    اترك تعليقًا

    * باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

    أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

    يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

    سياسة الخصوصية