افتتح، أمس الأحد، بمتحف التراث اللامادي بساحة جامع الفنا التاريخية بمراكش، معرض “محمد بن علال: حكايات يومية”، الذي تنظمه المؤسسة الوطنية للمتاحف، بتعاون مع متحف بنك المغرب ومتحف الفن المعاصر الإفريقي “ماكال”، بحضور شخصيات مغربية وأجنبية من آفاق متنوعة، إلى جانب عشاق الفن والمتخصصين.
ويعد المعرض تجربة مثيرة ومؤثرة في آن واحد، لكون محمد بن علال ترك إرثا أصيلا يحتفي بالحياة الشعبية والطقوس، بأسلوب يجمع بين العفوية والحداثة.
وتميز حفل افتتاح هذا المعرض، الذي يسلط الضوء على تجربة الفنان محمد بن علال، الرسام العصامي ابن مدينة مراكش، الذي صاغ مساره الفني بعيدا عن الأطر الأكاديمية، ملتصقا بالواقع الاجتماعي والإيماءات العادية وأنماط الحياة الشعبية، حضور على الخصوص، جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي السابق، ورئيس معهد العالم العربي، ومحمد قطبي رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، الى جانب شخصيات أخرى.
ومن خلال هذا المعرض، الذي يستمر إلى غاية 25 ماي 2026، تؤكد المؤسسة الوطنية للمتاحف، حرصها على تقريب الجمهور المغربي من تراث أعمال الفنان العصامي محمد بن علال، عبر تسليط الضوء على كافة أشكال التعبير المتجذرة في الحياة اليومية والذاكرة الجماعية.
وأكد المهدي قطبي، رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، في تصريح ل”الصحراء المغربية”، أن معرض اليوم يحتفي بمحمد بن علال، ابن جامع الفنا، وأيضا بكوكبة من الفنانين التشكيليين الآخرين الذين تركوا بصماتهم في مشهدنا الثقافي، مشيرا إلى أن معرض محمد بن علال يجسد بوضوح دور الفن كذاكرة حية وأداة للنقل عبر الأجيال.
وأضاف قطبي أن معرض محمد بن علال، من خلال مشاهده اليومية، يقدم نظرة فريدة على مراكش وتقاليدها، مزج فيها بين الأصالة الشعبية والحداثة التشكيلية.
من جانبه، أشاد جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق ورئيس معهد العالم العربي، بالقوة التعبيرية وأصالة أعمال بن علال، مؤكدا أنه بالرغم من أسلوبه الفطري (الساذج)، فقد نجح في التقاط جوهر الحياة الشعبية بمدينة مراكش وجعلها شهادة إنسانية عالمية.
ويهدف هذا المعرض إلى تمجيد ذاكرة مراكش من خلال أعمال فنان سعى دائما لتمثيل ورواية المشاهد العريقة للمدينة عبر الألوان، ويعد محمد بن علال من أبرز الوجوه
المتفردة في الفن التشكيلي المغربي، حيث يكشف مساره عن أعمال ذات صبغة سردية، تدعو الجمهور لاكتشاف عالم فني تبدو فيه كل لوحة كقطعة من الذاكرة.
ترتبط أعمال محمد بن علال ارتباطا وثيقا بالممارسات الثقافية الحية بساحة جامع الفنا، باعتبارها فضاء مركزيا للتفاعل الاجتماعي ، ولتناقل التراث الشفهي، وللتعبير الفني الحي، فالحلايقية والتجمعات والأسواق والايماءات والمعارف الحرفية التي تشكل هذا الفضاء الحي، تغدي خياله التشكيلي وتسهم في صياغة لغته السردية.
وتتميز لغته التصويرية بتبسيط الأبعاد (المنظور المسطح)، ومواجهة الوجوه المباشرة للمشاهد، واستخدام لوحة ألوان غنية، مما يمنح تكويناته كثافة تعبيرية تقترب في جوهرها من فن الحكي الشفهي والقصص الشعبي.
وباعتباره مصمما ليتناغم مع هوية متحف التراث اللامادي بساحة جامع الفنا، يطرح المعرض تساؤلات حول الروابط بين الإبداع الفني والتراث، حيث تقدم أعمال محمد بن علال كأرشيف وجداني، وشهادة بصرية على الإيقاعات والممارسات وأشكال الترابط الاجتماعي التي غذت الذاكرة الحضرية لمدينة مراكش.
ولد محمد بن علال بمدينة مراكش سنة 1924، بعد وفاة والده الحرفي البسيط وعازف العود بين الحين والآخر، ترك بن علال الشاب المدرسة القرآنية ليعمل في متجر بالمدينة القديمة، لكن سرعان ما تخلى عن هذا المسار، وانجذب إلى الشارع وجاذبيته، وقضى وقته يتجول في أسواق مراكش، متأملا مشاهد الحياة اليومية غير المألوفة. وكان يحب الجلوس لفترات طويلة في ساحة جامع الفنا ليستمع باحترام إلى رواة القصص.
ترسخت هذه المشاهد في ذاكرته قبل أن يرسمها لاحقا. اتجه إلى الرسم في سن السادسة عشرة بفضل تشجيع الرسام جاك أزيما، توفي سنة 1995، وتوجد أعماله اليوم ضمن مجموعات فنية خاصة كبرى في المغرب، وفرنسا، والولايات المتحدة.
