في أوّل عمل من نوعه يتمّ إعداده في أكاديميّة ألمانيّة ووفق شروط البحث الأكاديميّ لا العمل الثقافيّ، صدرت حديثًا في برلين أنثولوجيا القصيدة العربيّة في أوروبا (بين عذب وأجاج) باللغتين العربيّة والألمانيّة عن دارEBverlag في برلين للمنشورات العلميّة. يضمّ الكتاب، الواقع في 421 صفحة، قصائد لخمسٍة وخمسين شاعرًا وشاعرة يكتبون باللغة العربيّة ويقيمون في أوروبا. ويُعدّ هذا العمل إحدى أوائل المساهمات الفعليّة في فهرسة القصيدة العربيّة المكتوبة في البلدان الأوروبيّة، وتقسيم موضوعاتها إلى محاور قابلة للدراسة، بما يبرز استقلاليّتها النسبيّة عن القصيدة التي تُكتب في الدول العربيّة. وقد صدر الكتاب بالتعاون بين شعبة اللغة العربيّة في قسم الدراسات الإسلاميّة والشرق أوسطيّة في جامعة بون والديوان – البيت الثقافي في برلين.
تم التمهيد للأنثولوجيا بمقدّمة تتناول تاريخ الترجمة من العربيّة في أوروبا، وتبحث في السياقات الفكريّة والثقافيّة والسياسيّة التي أحاطت بهذا المسار، مع التوقّف عند مظاهر النزعة الأوروبيّة المركزيّة في اختيار النصوص المترجمة وتلقّيها. كما تتناول المقدّمة التصوّرات التي سادت في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حول الشرق، وتحوّله إلى فضاءٍ تخييليّ ارتبط بالأدب والترجمة، وصولًا إلى تراجع هذه التصوّرات في العصر الحديث وصعود مقاربات تحكمها اعتبارات جيوسياسيّة وثقافيّة مختلفة.
جذور السردية: من وسطاء القرن السادس عشر إلى حداثة الستينيات
كما تسلّط المقدّمة الضوء على الدور الذي أدّاه وسطاء ومثقّفون عرب وشرقيّون في أوروبا منذ القرن السادس عشر في نقل النصوص العربيّة إلى اللغات الأوروبيّة. فمن شخصيّات مثل سليمان بن يعقوب الشامي المعروف في الغرب باسم سالومون نيغري، الذي عمل مترجمًا كتابيًّا وشفاهيًّا في البلاط الملكيّ الإنكليزيّ وتنقّل بين باريس وألمانيا وإيطاليا ولندن، إلى خليفته في الترجمة في البلاط نفسه قراعلي الأنطاكيّ الداديخي (1694–1734)، المعروف في المصادر الغربيّة باسم كارولوس رالي داديخي أو تيوخاريس داديخي وياكوب أرتميوس، والذي تنقّل بدوره بين إيطاليا وفرنسا وألمانيا قبل استقراره في لندن. ويُضاف إلى ذلك بطرس الحلبيّ المارونيّ المعروف باسم بيار ديبي (ت. 1709)، أستاذ العربيّة والسريانيّة في الكوليج رويال في باريس، وصاحب مخطوط محفوظ حتّى اليوم في المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة ، يضمّ أنثولوجيا أشعار عربيّة مترجمة إلى اللاتينيّة، وقد أهداه عام 1666 إلى الملك لويس الرابع عشر. كما تشير أعمال المستشرق الألمانيّ جورج غراف إلى وجود محاولات شعريّة عربيّة مبكّرة مرتبطة بالفضاء الأوروبيّ، من بينها قصائد للكاثوليكيّ فيليب بنّا الحلبيّ.
إن نقطة الانطلاق في هذه الأنثولوجيا تتمثّل في تركيزها الحصريّ على شعراء وشاعرات العالم العربيّ الأحياء المقيمين في أوروبا، وذلك على الرغم من صعوبة البحث والاستقصاء، إذ يبقى الوصول إلى الأحياء ونصوصهم أسهل من الوصول إلى نصوص المتوفّين، ولا سيّما في ما يتعلّق بالحصول على التصاريح اللازمة لاستخدام النصوص في إطار حماية حقوق الملكيّة الفكريّة. أمّا نقطة الانطلاق الزمنيّة، فتقع مباشرة بعد تجربة الحداثة الشعريّة في خمسينيّات القرن الماضي، التي قادها بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البيّاتي، لتبدأ الأنثولوجيا بموجة الحداثة في الستينيّات من خلال شاعر عراقيّ لا يزال على قيد الحياة وكان واحدًا من أربعة وقّعوا ما عُرف آنذاك بـ”البيان الشعريّ”.
وقد قُسّمت الأنثولوجيا إلى سبعة محاور موضوعيّة هي: السعادة والنعيم، التعالي، الفاجعة العظمى، الموت والحياة، القدريّة، الفناء، الوطن والمنفى. وتضمّ نصوصًا لأربعة وثلاثين شاعرًا وإحدى وعشرين شاعرة من: العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، الكويت، مصر، السودان، المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، اليمن، يقيمون في إحدى عشرة دولة أوروبيّة هي: المملكة المتحدة، ألمانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، النمسا، السويد، النروج، الدانمارك، بلغاريا.
أمّا توزيع الشعراء والشاعرات بحسب بلدان المنشأ فجاء على النحو الآتي:
سوريا: 16 (9 شعراء و7 شاعرات)، من بينهم خمسة شعراء أكراد يكتبون بالعربيّة، وهم: جبران سعد، عائشة الأرناؤوط، ندى وردا أوراهم، حسين بن حمزة، فرج بيرقدار، سلام حلوم، نسرين خوري، جان دوست، أحمد اسكندر سليمان، ميسون شقير، زكريا شيخ أحمد، ميديا شيخة، وئام فتال، فواز القادري، محمد المطرود، ندى منزلجي، إبراهيم اليوسف.
العراق: 14 (13 شاعرًا وشاعرة واحدة): فاضل العزاوي، عدنان الصائغ، عبد الكريم كاصد، عبد القادر الجنابي، حكمت الحاج، نسيم الداغستاني، جلال حيدر، فاضل السلطاني، إبراهيم عبد الملك، منعم الفقير، محمد جاسم، فارس مطر.
لبنان: 4 (شاعران وشاعرتان): جوزيه الحلو، ندى حطيط، عيسى مخلوف، سرجون كرم.
فلسطين: 4 (شاعران وشاعرتان): هيام بسيسو، فاتنة الغرّة، سامر أبو هواش، فؤاد ديب.
مصر: 4 (شاعران وشاعرتان): صفاء فتحي، عماد فؤاد، زهرة يسري، أحمد يماني.
اليمن: 3 (شاعران وشاعرة): حميد عقبي، جلال الأحمدي، سبأ حمزة.
ليبيا: 3 (شاعران وشاعرة): عاشور الطويبي، عمر الكدي، عائشة المغربي.
المغرب: 2 (شاعر وشاعرة): محمد ميلود غرافي، ريم نجمي.
السودان: 2 (شاعر وشاعرة): إشراقة مصطفى حامد، الصادق الرضي.
الجزائر: 2 (شاعرتان): زينب الأعوج، لويزة ناظور.
تونس: شاعرة واحدة: آمال صالح.
الكويت: شاعر واحد: بدر السويطي.
وقد أُنجز هذا العمل بإعداد وترجمة ونشر مجموعة من المترجمين العاملين في من الدراسات العليا في قسم الدراسات الإسلاميّة والشرق أوسطيّة في جامعة بون والمتخرجين منه، وهم: كورنيليا تسيرات، رينيه شنيتسماير، كريستيان كيللينغ، د. ديزيريه كايزر، ميريام قويرينغ، كورا هينشين، أماني العباس كيللينغ، ماري تيريز رودولف، مارلين نوسباوم، غوران ياسون وسرجون كرم، إضافة إلى الطالبة مونيزة يلماز.
شكري الجزيل إلى الصديق الشاعر جبران سعد الذي كان عونا كبيرا لنا في التواصل مع أسماء يصعب الوصول إليها.
الدكتور عبد الحكيم شباط مسؤول البرامج الثقافيّة في الديوان – البيت الثقافي العربيّ والدكتور كارستن والبينر من مركز أبحاث الشرق المسيحيّ التابع للجامعة الكاثوليكية في آيشتيت-إنجولشتات، ومديرة شعبة اللغة العربيّة وآدابها في قسم العلوم الإسلاميّة واللغات الشرق-أوسطيّة في جامعة بون يونيور – بروفسور باولا مانشتتين، اللذان أفادانا بمعلومات مهمّة حول شخصيّات علميّة شرقيّة في أوروبا بدءا من القرن السادس عشر ولغاية الثامن عشر. الشكر موصول أيضًا للزميلة في شعبة التاريخ والمجتمع التركيّ الدكتورة زيفغه أجاغول والأستاذ نيلز فيشر رئيس قسم الشرق الأدني والأوسط في الهيئة الكاثوليكيّة للتبادل العلميّ الخارجيّ على ملاحظاتهما القيّمة. وكذلك للزميل السابق في قسمنا المترجم سمير جريس لربطنا بالشعراء المصريّين، وكذلك الأديبة الفلسطينيّة لطيفة محمّد حسيب القاضي والشاعرة والناقدة الأدبيّة اللبنانيّة ليندا نصّار اللتان قدّمتا لنا المساعدة في التواصل مع عدد من الأسماء.
أتوجّه بشكري الجزيل إلى الديوان – البيت الثقافيّ في برلين على التعاون الثقافيّ في ما بيننا وعلى تحمّله أعباء النشر. وأخصّ بالشكر السيّدة أسماء البكر، مستشارة السفارة القطريّة في برلين ، ومدير الديوان الدكتور لورانس الحنّاوي، ومسؤول البرامج الثقافيّة والفنية الدكتور عبد الحكيم شباط.
وأخيرا شكري الجزيل إلى مدير دار النشر السيد راينر كول الذي صبر عليّ وعلى صعوبات صفّ النص العربيّ الذي لولا صبره لما وصلنا بالكتاب إلى ما هو عليه الآن.
رابط الكتاب والدار: هنا

