رحاب شنيب
عند رحيل الدكتور نجيب الحصادي، كنت قد مررت بظرف صعب وكنت لا أزال في حالة تعافي منه، وفي حالة إنهاك داخلي وومتنعة عن الكتابة على وسائل التواصل مما جعلني ألوذ بالصمت وبدا لي أيضا أن الكلمات أقل من أن تلامس حجم الغياب، وأن النعي، في صورته الشائعة، لا يضيف شيئا إلى معنى الخسارة خصوصا أن فقدنا لأستاذنا الدكتور الحصادي حدث بعد فقد مرير ٱخر للفنان الدكتور تامر العلواني وهو الأخ والرفيق، وقد تساءلت طويلًا: هل يصبح النعي واجبا أخلاقيا حين نفقد قامة فكرية وشخصا مقربا منا في ٱن واحد؟، أم أن الصمت أحيانا أصدق من الكلام حين يعجز الوجدان عن إنتاج ما يليق؟، وقررت أن تكون قراءتي لسيرته الذاتية (أرسان الروح) الصادرة عن دار الفرجاني أزهار ياسمين أهديها لروحه امتنانا لما منحنا النجيب.
لم يكتب نجيب الحصادي سيرته ليضيف عنوانا جديدا إلى رفّ السِير، ولا ليؤرخ لحياة يمكن اختزالها في محطات زمنية أو إنجازات مهنية، بل نحن أمام نص يتخذ من السيرة مدخلا، لكنه سرعان ما يغادرها إلى فضاء أوسع: فضاء تشكّل العقل، وترويض الروح، ومساءلة المعنى.
الكتاب لا يقوم على منطق (ما الذي حدث؟),قدر ما يقوم على سؤال (كيف أثّر ما حدث في طريقة التفكير؟), وبهذا يخرج من سرد الوقائع إلى تحليل الأثر، ومن الحكاية إلى التأمل, حيث يعيد الحصادي ترتيب مفهوم السيرة من جذوره، فاختياره لمفهوم الأرسان لا يأتي بوصفه زينة لغوية، بل باعتباره مفتاحا بنيويا لفهم النص: قوى متزامنة، غير متساوية، تشدّ الذات دون أن تلغي قدرتها على الاختيار،
فالفلسفة والمكان والترجمة والشأن العام والفن ليست فصولًا منفصلة بل توترات دائمة داخل الذات.
يفتتح الكتاب بفضاء مشبع بالذاكرة: طفولة، علاقات، يوميات، وحياة اجتماعية نابضة. غير أن هذا الامتلاء لا يستمر بوصفه مادة سردية، بل يتحوّل تدريجيًا إلى خلفية تفسيرية لما سيأتي لاحقا، ومع الدخول إلى المجال الأكاديمي، يتغيّر إيقاع السرد، ويصبح التفكير نفسه هو الحدث المركزي فلا تعود الحياة موضوعا للحكي، بل سياقا لفهم تشكّل العقل الفلسفي، وكأن الذات انتقلت من أن تعيش التجربة إلى أن تحلل شروطها.
وهذه السيرة هي ممارسة فلسفية، لا مجرد وثيقة شخصية، فالذاكرة هنا ليست حنينا، بل مادة خام يعاد تفكيكها، ترتيبها، وإخضاعها للتساؤل.
(أرسان الروح) هو سيرة عقل تشكّل تحت ضغط أسئلة، وبمصاحبة شغف لا ينفصل عن التردد.
هو عمل يقرأ بصفته تجربة فكرية مفتوحة، لا خاتمة لها، ويمنح القارئ فرصة نادرة: أن يرى كيف يمكن للفلسفة أن تكون ممارسة يومية، وكيف يمكن للسيرة أن تتحوّل من حكاية شخصية إلى تمرين على الوعي.
أرسان الروح يسرد فيه الكاتب سيرته بدءا بمدينته درنة مهبط الأسئلة البكر والتي يظهر عشقه لها طيلة سرده، ويتجول بنا عبر رحلاته التي شده إليها ولعه المعرفي، فيمر بنا عبر العديد من الأماكن ويجمعنا بالعديد من الشخصيات ويسرد لنا الكثير من الأحداث كلها تحمل أسئلة ومفارقات.
ولم يكن نجيب الحصادي فيلسوفا منعزلا عن واقعه، بل مثقفا عموميا مشغولا بقضايا بلاده. قلّما ترك شأنا يمس المجتمع دون أن يتناوله بالتفكير والتحليل؛ فكتب عن التعليم، وانشغل بأسئلة الدستور والقانون والهوية الليبية وأكد على أهمية التفكير الناقد، فلم تكن الفلسفة ترفًا معرفيًا، بل أداة لفهم الواقع ومساءلته.
الرحلة مع هذا الكتاب شيقة وثرية.

