تحت ظلال المسرح الروماني العظيم ووسط أنسام المتوسط، انطلقت فعاليات مهرجان صبراتة السياحي الثقافي، لترسم لوحة فنية تعلن بوضوح تعافي المدينة واستعادتها لدورها كمنارة للثقافة والسياحة في ليبيا. هذا الحدث الذي يتجاوز كونه احتفالية مؤقتة، يمثل انطلاقة لرؤية استراتيجية تهدف لتحويل “جوهرة المتوسط” إلى وجهة استثمارية وتنموية دائمة، حيث تمتزج أصالة التاريخ الفينيقي والروماني بمشاريع الشباب الصغرى، وبمشاركة مميزة من ربوع ليبيا تؤكد وحدة الموروث وقوة الأمل في غدٍ أجمل.
من الآثار إلى الاستثمار: صبراتة تستعيد بريقها الحضاري بمهرجان يجمع مدن ليبيا
انطلقت بساحة آثار صبراتة، الخميس فعاليات مهرجان صبراتة السياحي الثقافي، الذي تتواصل أنشطته على مدى ثلاثة أيام، في خطوة تعكس تعافي المدينة الساحلية بعد سنوات من الاضطرابات الأمنية التي شهدت سيطرة جماعات متطرفة وعصابات للاتجار بالبشر، وتواكب في الوقت ذاته انطلاق مشاريع تنموية وتحسين ملحوظ في جودة الخدمات. ويأتي انطلاق هذا المهرجان، بحسب المنظمين، كمؤشر على استعادة دور هذه المدينة السياحي والثقافي، مستندًا إلى إرث تاريخي وحضاري ضارب في عمق المتوسط.
رؤية البلدية: من مهرجان مؤقت إلى مشروع دائم
وفي هذا السياق، قال عميد بلدية صبراتة حسين الدوادي إن إقامة هذا المهرجان تمثل “خير جواب ودليل على العمل القادم”، مؤكدًا أن مهرجان صبراتة السياحي الثقافي ليس سوى “لبنة من لبنات العمل الجاري التحضير له”. وأوضح الدوادي في تصريح لوكالة الأنباء الليبية (وال) أن البلدية تعتزم إطلاق مهرجان صبراتة السياحي الدائم، الذي سيتم الإعلان عنه رسميًا خلال شهر نوفمبر المقبل، على أن يكون معتمدًا على المهرجانات والأنشطة الثقافية والسياحية بوصفها ركيزة أساسية في تنمية المدينة.
وأضاف أن المشاريع التنموية في صبراتة تقوم على شقين رئيسيين، أولهما دعم المشاريع الصغرى، باعتبار أن المدينة ذات طابع سياحي ساحلي، وتعتمد على الصيد البحري والمنتجات البحرية، إلى جانب اختصاصات أخرى تسعى البلدية إلى الاستثمار فيها مستقبلًا. أما الشق الثاني، بحسب الدوادي، فيتعلق بـالتنمية المحلية، التي تمثل جانبًا مهمًا في الاقتصاد المحلي، وتشمل الاستثمار السياحي المرتبط بالشواطئ والمدينة الأثرية، إضافة إلى المرافئ ودعم قطاع الصيد البحري، مشيرًا إلى أن البلدية تعمل حاليًا على إعداد خطة استراتيجية للمرحلة المقبلة في مجال الاستثمار المحلي.
مبادرة “المئة يوم”… خلفية المهرجان
من جانبها، أكدت عضو المجلس البلدي صبراتة ورئيسة اللجنة التحضيرية للمهرجان، خولة بلاعو، أن المهرجان انبثق من مبادرة تهدف إلى إعادة الرونق والوجه الجمالي والحضاري للمدينة، وهي مبادرة المئة يوم التي أطلقها المجلس البلدي منذ تسلمه مهامه، لتحسين المظهر العام للمدينة. وأضافت بلاعو أن فكرة المهرجان جاءت استجابة للحاجة الملحة لمثل هذه التظاهرات الثقافية، التي تعزز روح التواصل والمحبة والأمل داخل المجتمع المحلي، معتبرة أن هذا الحدث يمثل “البادرة واللبنة الأولى” لعمل المجلس، ولن يكون الأخير.
مشاركات ثقافية واقتصادية متنوعة
وأوضحت بلاعو أن المهرجان يشهد مشاركات واسعة، من بينها مشاركة جمعية اللبة للصناعات التقليدية من بلدية جالو، التي تعرض تشكيلة من التمور، والأزياء التقليدية، والمنتجات الغذائية المجففة، إلى جانب مشاركة العديد من الشركاء. وأكدت أن النساء والشباب، من أصحاب المشاريع الصغرى والمتوسطة، يمثلون أحد أهم ركائز المهرجان، من خلال مشاركتهم في بازار ضمن فعاليات تقام بساحة الآثار. كما لفتت إلى تنظيم فعاليات ثقافية تشمل محاضرات تعريفية بإرث المدينة وآليات تسجيل الموروث المادي وغير المادي، إضافة إلى أمسيات شعرية وفعاليات “حكاوي الأجداد” ومعرض للفنون التشكيلية والخط العربي.
“جالو بعيون صبراتية”… وحدة ثقافية ليبية
بدورها، أكدت رئيس جمعية اللبة النسائية للأعمال الخيرية بمدينة جالو، مبروكة إبراهيم شحات، أن مشاركة الجمعية في مهرجان صبراتة تهدف إلى التعريف بالموروث الثقافي والصناعات الغذائية والتقليدية والتجميلية التي اشتهرت بها جالو منذ آلاف السنين. وأوضحت شحات أن الجمعية قطعت أكثر من ألف كيلومتر للمشاركة في المهرجان، وقدمت عرضًا بعنوان “جالو بعيون صبراتية”، لإبراز الهوية الثقافية للمدينة وتعزيز التواصل الثقافي بين المناطق الليبية.
وأضافت أن جناح الجمعية ضم منتجات تراثية متنوعة، من بينها قهوة التمر، والروينة، والتكرة، والزميطة، إلى جانب التمور ومشتقاتها، وخلطات خاصة بشهر رمضان، وصناعات حرفية مثل “البيت الجلاوي” والثوب الجلاوي، مؤكدة أن هذه المشاركة تمثل فرصة لتعزيز الوحدة الثقافية والاجتماعية بين المدن الليبية.
صبراتة… تاريخ ضارب في القدم
تقع مدينة صبراتة على ساحل البحر المتوسط، على بعد نحو 70 كيلومترًا غرب العاصمة طرابلس، وتعد ثالث أكبر المدن الرومانية إلى جانب أويا (طرابلس) ولبدة الكبرى. وقد أدرجت مواقعها الأثرية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1982. وتشير المصادر التاريخية إلى أن الفينيقيين أسسوا المدينة، قبل أن تخضع للحكم الروماني، ثم الوندالي فالبيزنطي، وصولًا إلى الفتح الإسلامي، حيث عُرفت باسم “صبره”.
آثار وشواطئ ومرافئ
وصف العديد من الرحالة الأوروبيين، في القرن التاسع عشر، آثار صبراتة، وعلى رأسها المسرح والأعمدة والميناء، فيما أسفرت الحفريات التي بدأت عام 1923 خلال الاحتلال الإيطالي عن اكتشاف وترميم معظم معالم المدينة القائمة اليوم، بما في ذلك المسرح الكبير. وتتميز صبراتة بشاطئ رملي تحيط به غابات الصنوبر والمنتزهات، إضافة إلى عدد من المراسي البحرية، أبرزها مرسى الكابوط التاريخي، ومرسى زواغة، ومرسى الوادي، التي تشكل عناصر أساسية في النشاط البحري والصيد التقليدي.
