النقد

مسرحية «الذباب»

اسم الكتاب: الذباب أو.. الندم

المؤلف: جان بول سارتر

المترجم: محمد القصاص

سنة النشر بالفرنسية : 1946

الإسم الأصلي: Huis clos: suivi de Les mouches.

الفكرة المركزية

تُعيد مسرحية «الذباب» تفسير أسطورة أوريست الإغريقية في إطار فلسفة الوجودية.

يطرح سارتر السؤال المحوري:

هل الإنسان حرّ فعلاً، أم أنّه يختبئ خلف الذنب ليتهرّب من مسؤوليته؟

في مدينة أرغوس الموبوءة بالشعور بالذنب والذباب، يقدّم سارتر درساً دراميًا حول الحرية، والمسؤولية، والتمرّد على السلطة الدينية والسياسية..

المحاور الأساسية

1) أرغوس – مدينة الذنب

المدينة تعيش تحت هيمنة الملك إيجست وزوجته كليتمنسترا اللذين قتلا الملك السابق أجاممنون.

الشعب خاضع لسلطة دينية تصنع شعوراً جماعياً بالذنب، يتجسّد رمزياً في الذباب الذي يغزو المدينة..

2) أوريست ووعي الحرية

يعود أوريست بعد سنوات طويلة ليجد مدينة خانعة تعتقد أنّ الذنب قدرٌ أبدي.

يدرك أنه ليس محكوماً بماضيه، وأن الحرية فعلٌ يصنعه الإنسان عبر قراره، لا عبر الموروث..

3) إلكترا والتمرّد الجمالي

تمثّل أخته إلكترا الرغبة الأولى في التحرر، لكنها تفتقر إلى القوة الوجودية.

تثور لكنها لا تستطيع مواجهة ثقل الشعور المقدّس بالذنب الذي فرضه الكهنة..

4) القتل كفعل وجودي

يقتل أوريست أمه وزوجها القاتلين، لا كعمل انتقامي، بل كـ تأسيس لذاته الحرة.

هنا يطبّق سارتر فكرته:

الفعل هو ما يجعل الإنسان إنساناً، والحرية لا تتحقق إلا بالتزام كامل ومسؤولية مطلقة..

5) مواجهة الآلهة

يظهر الإله زيوس ليخيفه ويعيده إلى دائرة الذنب، لكن أوريست يرفض.

يعلن أنّ الآلهة لا سلطان لها إلا على من يقبل الخضوع، وأن الحرية تعني رفض الاعتذار عن فعل اختاره بوعي..

الاستقبال النقدي

استقبل النقاد المسرحية بوصفها من أهم نصوص الوجودية في الأدب المسرحي الأوروبي خلال الأربعينيات.

رأى البعض فيها احتجاجاً مقنّعاً على الاحتلال النازي لفرنسا (نشرها عام 1943)، حيث تُشبه أرغوس فرنسا المستسلمة، ويُشبه أوريست صورة الفرد المتمرّد ضد القهر والاستسلام.

نُقدت أيضاً بسبب قراءتها الوجودية الصلبة للأسطورة، لكن تأثيرها ظل هائلاً في الفلسفة والأدب..

المغزى الفكري

تؤكّد المسرحية أن:

الحرية ليست هدية بل عبء ومسؤولية.

الشعور بالذنب قد يُستخدم كأداة سياسية ودينية لإخضاع الناس.

الإنسان لا يُعرَّف بنواياه بل بأفعاله.

مواجهة السلطة تبدأ بمواجهة الخوف الداخلي.

إنها رسالة سارتر الأساسية:

“الإنسان محكوم عليه بالحرية.”.”.

المغزى السياسي في «الذباب» — قراءة وجودية في نقد السلطة

رغم أن المسرحية تُقدَّم في إطار أسطوري، إلا أنها تحمل مغزى سياسي واضح يرتبط بظروف كتابتها عام 1943 خلال الاحتلال النازي لفرنسا. الذباب يتحول من رمز أخلاقي إلى رمز سياسي لقمع السلطة وترويض الشعوب.

1) الذنب كآلية حكم سياسي

سارتر يقدّم نموذجاً لسلطةٍ تستمر عبر زرع الشعور بالذنب في رعاياها.

الآلهة ــ خصوصاً زيوس ــ تمارس سياسة صناعة الذنب كي يبقى الناس خاضعين، تماماً مثل الأنظمة التي تُبقي شعوبها تحت ضغط الشعور بالخطأ والخيانة والعار، فتشلّ قدرتهم على المقاومة.

2) الطاعة الناتجة عن الخوف لا عن القناعة

شعب أرغوس لا يخضع لأن القانون عادل، بل لأن الخوف صُمّم كأداة حكم:

الخوف من الآلهة، من العقاب، من الماضي، من الذباب نفسه.

هذا نقدٌ مباشر للأنظمة التوتاليتارية التي تُخضع الجماهير عبر التخويف الطقوسي.

3) تفكيك الشرعية الدينية-السياسية

الدين، كما يظهر في المسرحية، ليس إيماناً، بل أيديولوجيا للسيطرة السياسية.

الكهنة والآلهة يتواطؤون لإبقاء المدينة في حداد أبدي، ما يشبه التحالف بين المؤسسة الدينية والسلطة القمعية لإنتاج مواطنين مطيعين.

4) التحرّر فعل سياسي قبل أن يكون وجودياً

اختيار أوريست رفض الذنب ليس فعلاً نفسياً فحسب، بل فعل تمرّد سياسي.

حين يقول: «لن أعيش مع الذباب»، فهو يعلن خروجه من نظام الحكم القائم على الخوف، ويستعيد حقه في تقرير مصيره خارج الشرعية المفروضة.

5) رسالة سارتر المقنّعة لفرنسا المحتلّة

المسرحية كانت دعوة رمزية للفرنسيين إلى:

رفض الإذعان

كسر خطاب الخوف

تحمّل مسؤولية التحرّر

وهو خطاب مقاومة مموّه نجح في الإفلات من رقابة الاحتلال.

الخلاصة السياسية

«الذباب» ليست مسرحية أسطورية، بل بيان سياسي ضد كل سلطة تبني شرعيتها على الخوف والذنب.

الحرية، في نظر سارتر، تبدأ عندما يكفّ المواطن عن قبول الذنب المفروض عليه، ويتحمل مسؤولية خياراته السياسية.

.

نبذة عن المؤلف

جون بول سارتر (1905–1980)

كاتب وفيلسوف فرنسي، يعتبر أحد رواد الوجودية في القرن العشرين.

درس الفلسفة في السوربون، ودرّس في عدد من المؤسسات قبل أن يصبح من أهم المثقفين في أوروبا.

كتب الرواية، القصة، المسرح، والفلسفة، ومن أشهر أعماله: الغثيان، الوجود والعدم، الأبواب المغلقة.

رفض جائزة نوبل عام 1964 متمسّكاً برغبته في الحفاظ على استقلاله كمثقف..

خلاصة نهائية

«الذباب» مسرحية تضع الإنسان وجهاً لوجه أمام سؤال الحرية.

هي قصة تمرّد شاب على مدينة غارقة في الذنب، ودرس فلسفي حول مسؤولية الاختيار، وجرأة الفعل، ورفض كل قوة تحاول تعريف الإنسان نيابة عنه.

إنها نصّ يجسّد الوجودية في أصفى صورها الدرامية.

هامش

سبب تسمية مسرحية سارتر بـ «الذباب» يعود إلى رمزٍ مركزي يربط بين الذنب و العقاب و الخوف في مدينة أرغوس الأسطورية داخل المسرحية.

إليك المعنى بوضوح:

1) الذباب رمزٌ للذنب الجماعي

في المسرحية، ينتشر الذباب في مدينة أرغوس كعلامة على الخطيئة التي يقترفها الناس و شعورهم الدائم بالذنب بعد مقتل الملك أجاممنون. الذباب ليس مجرد حشرات، بل تجسيد مادي لثِقَل الذنب الذي يسيطر على السكان.

2) الذباب كأداة قمع

الآلهة، خصوصاً زيوس، تستخدم الذباب كـ”عقاب” دائم يذكّر الناس بخطاياهم، ليبقوا خاضعين وخائفين. الذباب هنا يصبح رمزاً لـ استمرار السيطرة ومنع الناس من التحرر.

3) الذباب مقابل الحرية

عندما يصل أوريست إلى المدينة، يكتشف أن الحرية تبدأ حين يرفض الإنسان الشعور بالذنب المصنوع سياسياً ودينياً. لذلك، صراع أوريست مع الذباب هو صراع تحرّر، يذكّر بفكرة سارتر الأساسية:

“الإنسان محكوم عليه بالحرية”.

الخلاصة

سُمّيت المسرحية «الذباب» لأن الذباب يرمز إلى الخوف، الذنب المفروض، والعبودية الطوعية التي يعيشها الناس، وهو ما يقف في مواجهة اختيار الإنسان لحرّيته ومسؤوليته الوجودية.

أحدث المنشورات

محمد سمير ندا: حين يتحوّل القلق إلى سرد يفوز بجائزة الرواية العربية

أعلنت جائزة الرواية العربية فوز رواية «صلاة القلق» للروائي المصري محمد سمير ندا بجائزة هذا…

35 دقيقة منذ

حصاد الكلمة 2025: جولة في أروقة الفكر والأدب العالمي والعربي

شهد عام 2025 حراكاً ثقافياً استثنائياً؛ فبينما استمرت الرواية في تصدر المشهد، برزت كتب الفكر…

46 دقيقة منذ

صدر اليوم عن دار دلمون الجديدة “على جسر قريب من السماء” رسائل الشاعرين “اسكندر حبش وعاشور الطويبي”…

صممت الغلاف م. عبلة خوري شاعران لم يلتقيا إلا مرةً واحدة في مهرجان شعري، فنشأت…

ساعتين منذ

ريدي مشّو: الرواية بوصفها قراءة ثانية للعالم

من تماسٍّ مبكّر مع الكتاب واللغة، إلى مشروع سرديّ مشدود بين الذاكرة والهوية وتحولات الواقع…

3 ساعات منذ

ذاكرة الرواية: تشكيل التاريخ وإحياء التجربة الإنسانية في كتابة سيد أحمد حملاوي

 الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…

19 ساعة منذ

بريطانيا تطلق “السنة الوطنية للقراءة”: الاستثمار في الثقافة الكتابية

 أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…

19 ساعة منذ