رواية “أصل الأنواع”: ديستوبيا التحولات ومسخ الكائن السردي
المقدمة: الرواية كمرآة لتعرية الذات والعالم
تستحضر رواية “أصل الأنواع” (2025) مقولة دوريس ليسنج حول دور الروائي في تمكيننا من رؤية أنفسنا كما يرانا الآخرون. في هذا العمل، يذهب أحمد عبد اللطيف بعيداً عن “الرواية الساذجة” التي انتقدها ميشيل بوتور، ليقدم نصاً يعيد الاعتبار لعنصر الخيال الفانتازي. الرواية، التي وصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2026، تطرح عالماً كافكاوياً أورويلياً، حيث يفقد الإنسان أعضاءه ومشاعره في آن واحد، ليتحول المجتمع إلى كتلة من المسوخ التي تحاول التكيف مع قانون وجودي جديد، يتداخل فيه الواقع والوهم، والأحياء والأموات.
دوريس ليسنج
عمدت الرواية في الفترة الأخيرة، استجابة لما اتسمت به من مرونة، إلى تماهي حدودها مع أنواع قريبة وأخرى غير قريبة، وهو ما فتح المجال أمام الروائيين كي ينسجوا حكايات يستعير بعضها من الرواية عنصرها الأساسي وهو الحكاية، بما تتضمنه من حبكة مرتبطة بعلّة سببية، ثم يذهب إلى مناحٍ شتى تحت إهاب المرونة التي منحته إياها طبيعة النوع؛ فتارة مالوا إلى اجترار ذواتهم، وتارة ثانية لجؤوا إلى المدوّنة التاريخيّة لاستنهاض أحداث التاريخ المهملة، أو إحدى الشخصيات الأدبيّة أو التاريخيّة لكتابة سيرة غيريّة عنها. وابتعدت الرواية رويدًا رويدًا، إلا فيما ندر، عن طبيعة الرواية، وتمثّلها لعنصر الخيال، الذي هو الحد الفاصل بين الرواية وغيرها من مرويات تتاخم حدودها، فصارت المرويات العربية تسرد خطاطتها من قماشة واحدة، الفارق الوحيد هو تغيير الأسماء، والأماكن، وهو ما كان له مردوه على فعل القراءة (التلقي)، التي يمكن وصفها بالاستهلاك الساذج، على نحو ما وصف ميشيل بوتور “الرواية الساذجة”، التي لا غرض لها سوى تلهية القارئ والترويح عنه بإشباع غريزة الفضول لمعرفة عمّن تتحدث عنه المروية، وإن كان ثمة هدف آخر تقصده الرواية يتمثل في “تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، والأسلوب الذي نتكلم به عنه، وبالتالي تغيير العالم نفسه” (بوتور، بحوث جديدة في الرواية الجديدة، ص 96).
ومن ثم تأتي رواية أحمد عبد اللطيف الجديدة “أصل الأنواع” منشورات حياة (2025)، القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2026، كواحدة من الروايات التي تعمد في خطاطتها السردية إلى حكاية قوامها الخيال، وأي خيال؟ خيال فانتازي بامتياز، يلوذ بميراث كافكاوي من حيث خرق منطق الواقع من طرف، وأورويلي ديستوبي من طرف آخر، بما تقدّمه من قتامة وسوداوية بمآل الشخصيات التي تتحوّل من مخلوقات كاملة الأعضاء إلى مخلوقات (أخرى) فاقدة لبعض أعضائها، ثم في مرحلة لاحقة فاقدة لمشاعرها، فيتبدّل قانون الوجود، بالبحث عن بدائل تُساهم في التكيّف والتعايش مع هذه التحولات. عالم تتماهى فيه الخيوط الفاصلة بين الواقع والوهم، وبين السرد الواقعي وما بعد الطبيعي؛ حيث الأموات يعودون إلى الحياة من جديد بأكفانهم، يختلطون بالناس، ويتحدثون إليهم، ويتفاعلون معهم دون أن يصابوا بالهلع أو الخوف منهم، فتكسر المسافة الزمانية بين الحقيقي والمتخيّل، الماضي والحاضر، في محاولة لخرق منطق الواقع والوعي معًا، كآلية تتحدّد بها ماهية الرواية في رصد التحولات التي تصيب بنية المجتمع وإنسانه، فالمؤلف واعٍ بهذه الرؤية الغرائبية باستبصاره لهذه التحولات الثقافية والعضوية ومآلاتها الفادحة بارتداد الإنسان إلى عصره البدائي، وتشويه الواقع ومسخه بسلخه عن هويته.

مدينة الأشباح
تبدأ الرواية بمشهد فانتازي يتمثّل في استيقاظ المهندس رام المؤمن بالأشباح، المشرف على مشروع تطوير القاهرة القديمة، أو هدم الجبَّانات، بسقوط شعر رأسه دون مقدمات في بداية اليوم ثم برحيل مريم في نهايته؛ ثم يتوالى مع تنامي السرد وظهور شخصيات الرواية تباعًا عالم الاختفاء والفَقد في “أحد الزعف، أو أحد الآلام” ليس في حياة رام وحده، وإنما في سائر شخصيات الرواية يحيى الحافي لاعب المنتخب الوطني، وسيد باتشان الفاكهاني واللص السابق، ثم جميع الناس في المدينة، باستثناء طبقة السلطة التي تميزت بالقوة الجسمانية واكتمال أعضائهم، وطولها وضخامتها، في مفارقة غريبة تعكس سطوة السلطة واستحواذها، وانفصالها عن واقع مَن تحكمهم، فلا أمراضهم تصيبها، ولا أزماتهم تفتك بها، بل تقف شامخة وقاهرة، فهم كما وصفهم باتشان “مخلوقات أخرى”.
هكذا يؤسّس الراوي لحكاية عن عالم من الاختفاء وفَقد المكان بتغيير هويته، وكذلك لشخصيات من الطبقات الدنيا كنقيض للطبقة الحاكمة والمهيمنة، دون أن يكون الأمر مرتبطًا بوباء كارثي حلّ بالمكان وأصاب أفراده، وإنما هو حدث مفاجئ، وهو ما سبّب دهشة وسخرية لكل مَن وقع عليهم التحوّل أو مَن ارتبط بهم. وهنا تبدو عبثية الرواية في فَقد الشخصيات لأهم ما يفتخرون به. رام شعره “مفخرته الكبرى”، وسيد باتشان اختفت أصابع يديه “بطلة حياته لسنوات”، ثم اختفاء أصابع قدمي يحيى الحافي مصدر مهارته منذ صغره، وبهما “اكتسب شهرة حتى بات يعاملونه كبطل شعبي تتنافس فرق الأحياء المجاورة على ضمه”، فقد “خلق ليكون لاعبًا وتميمة حظ”، ولكن مع المأساة صارتا “مسطحتين”؛ وبعدها اختفى صدر كل من ناريمان وفاتن.
يرصد أحمد عبد اللطيف عبر ثلاث حكايات تتقاطع وتتشابك مع بعضها البعض، تتوحّد عبر المكان (حي المنيل أو المدينة بصفة عامة، فبعضهم وفد إليها من أماكن نائية مقفرة الموارد، في إشارة إلى حالة الفقر والعوز التي تدفع بأبناء الأقاليم إلى الهجرة والبحث عن مصادر رزق بديلة، ومجاهدتهم في رحلة بحثهم لإثبات وجودهم)، ومأساة الفقد (الأعضاء أو الأحباب، أو الأقارب الأم في حالة يحيى الحافي)؛ أزمة الإنسان المعاصر، وهو يواجه صراعاته مع ذاته (أو أشباحه) تارة، وواقعه بكل إكراهاته تارة ثانية؛ أزمات تبدأ من ماضيه بكل جروحه وندباته، وتأثير هذا على علاقاته بكافة أنواعها الحب والكره، الزواج، الروابط الأسرية، السلطة، ومفهومه لماهية السعادة وكيف تتحقق، وما ينتج عنها (أي الأزمات) من تفسّخٍ للذات، وانتكاسات في الحب تعصف بالمحبين وطموحاتهم، ومن ثم لا غرابة أن تتوالى الهزائم التي تصل إلى الفصام (رام)، أو الاغتراب الداخلي (فاتن)، أو التيه (ناريمان/سيد بتشان)، أو الفجيعة (ليلى خطيبة يحيى)، أو الموت (نادية أم فاتن ويحيى).
يرسم الراوي لتجسيد هذه الأزمات التي خلقت إنسانًا مسخًا مشوّهًا يفقد أعضاءه، ومن ثم وجوده؛ عالمًا مصغرًا لمدينة (وإن كانت مدينة ديستوبية) تغتالها يد التجريف بزعم التطوير، وهو ما يتوازى مع حالات المسخ أو الفَقد التي تصيب الشخصيات، سواء أكان فَقد أعضاء من أجسادهم (شعر، وأصابع يد، وأصابع قدم، وصدور)، حتى إن رام بدا وكأنه مخلوق فضائي، أو فَقد لمشاعرهم بفَقد مَن يحبون، رام/نيفين ونادية/يحيى وفاتن، وسيد بتشان/ناريمان، التي كانت ترتبط به بحب مشروط أو بحسب ما تسميه نظرية “هات وخد”، فهي ترى في الحب أو الزواج ليس مشروعًا بين رجل وامرأة، بقدر ما هو مشروع ربحي يحقق مكاسب مادية ومعنوية، فتكشف هذه العلاقة الرأسماليّة التي تغلغلت في النفوس، ومن ثم كان الوباء بفقدان الأعضاء لتحدث عملية الكشف عن الأصل والمزيف. لكن الميزة الوحيدة لهذه الأزمات أنها كشفت عن قدرة هذا الإنسان على التحايل على الفَقد (بالموت وفَقد الأعضاء) للتكيف مع الواقع الجديد، في تأكيد لقدرة الإنسان على إعادة تضميد جراح ذاته بذاته.
ثم ينسلّ خيط الفَقد إلى سائر الناس، فكانوا يسيرون برؤوس صلعاء، وأصابع مبتورة، وعرج نسبي، وتسير النساء بصدور ممحوة، وتضمر الأعضاء الذكورية، وتفُقد اللذة، بل إن لغتهم قد تغيرت، تبدلّت المدينة وصارت بالفعل مدينة أشباح.فالحياة توقفت تمامًا، الأشجار ميتة، والهواء معبّء برائحة الموت، ولم تعد الورش والمطاعم تعملان وتوقف النجارون والميكانيكيون عن العمل، وصارت السماء رمادية، وكل أخضر تحوّل إلى رمادي، والمياه رصاصية لا تجري ساكنة، والأسماك تطفو على سطح الماء ميتة بأحجام مختلفة، وكأنهم عادوا إلى الحياة البدائية قبل عصور التكنولوجيا، وهجَر الموتى المدافن وراحوا يتجولون بكامل أعضائهم في الشوارع والطرقات والشقق، وإن كانوا يسيرون بأكفان متربة، حفاة وإلى الخلف عكس اتجاه السير. في المقابل، كان قطيع الكلاب يتجول “بأصابع كاملة، وشعر كامل”. كما تغيّرت السلوكيات، فالتحية بين الناس غابت، والابتسامة صارت شحيحة، وإن حدثت فهي صفراء. وكذلك تتبدل الصفات، فالقطيع ينظر إلى الناس برعب خشية “أن يهجموا عليه”. المكسب الحقيقي من وراء هذه التحولات أن جميع الشخصيات تحرّرت من الخوف، وصارت أكثر صدقًا وشفافيةً. ناريمان تعترف لبتشان بأنها أحبت رام وتمنت أن تكون زوجة له، ومن قبل اعترفت لفاتن أنها جاءت إلى الشقة، وعرفت رام، بل نامت على سريره.
هذه العوالم المتناقضة يُجسّدها الراوي العليم/المهيمن على السّرد، والمحايث للشخصيات في كافة ظروفها، وبكل أجوائها وما زرعته في نفوس سكانها من قلق وخوف وقهر. مثل نموذج فاتن المتمردة على الأهل والزواج كنوع من المقاومة لممارسات القهر المتعدّدة عليها من الأسرة بغرض الزواج، ومن الشاب الذي أوهمت أسرتها بأنه دجال لاستخراج السحر منها ومارس عليها ساديته، وعلاقاتها المتنوّعة مع رجال، وقد أفضت جميعها إلى الألم أو الصمت.
وكذلك أحلام سكان المدينة المبتورة؛ كحلم رام بمدينة تطل على نهر، دون أن يُفكّر فيمن يسكنها، ولا في شكل غرفها، وحلم ناريمان البعيد في انتظار مكالمة رام، ثم حلمها المستحيل بأن تكون زوجة له، وحلم يحيى الحافي بأن يدخل اسمه التاريخ بهدف يقوده مع فريقه إلى كأس العالم، واللعب أمام لاعبين تمنّى لو يراهم ويتصور معهم، فتبدّد بالحلم المفزع قبل مباراة المنتخب، حيث لم يجد قدميه وإنما قدمًا واحدة في المنتصف. وأيضًا أحلام فاتن أخت يحيى في أن تكون كاتبة روايات مسليّة، فتاهت في وحدتها وسلطويتها، وأيضًا في صخبها (الدعاية للرئيس، وأيام مباريات المنتخب). وفي سرياليتها أيضًا، كحالة الدكتور إدوار الذي قرّر منذ 30 عامًا أن يكون طبيبًا، وهو في الأصل خريج معهد تعاون، فاستأجر شقة ووضع لافتة باسم الدكتور إدوار لأمراض العظام والروماتيزم، وعلاقة ناريمان برام – مع تباين فوارق السن والتعليم والطبقة بينهما – التي لم تتجاوز نزهة بالسيارة، ورحلة في النيل كي تكون مبسوطة فقط، وامتدت للنوم معه لأنه يخاف من العفاريت. وفي نزقها، كما في نموذج ناهد، السكرتيرة التي تعمل في عيادة الدكتور، وتجارب ناريمان قبل زواجها بسيد بتشان، وعلاقة فاتن بالشاب الذي أحضرته كادعاء لطرد السحر منها، وجولات يحيى بالسيارة لاصطياد الفتيات.
بحثًا عن طوق نجاة
تمنح شخصيات الرواية من واقع الحياة الأرضي بكل قسوته، فتبدو شخصيات من لحم ودم، بخلاف ما دعا إليه رولان بارت بكون شخصيات الرواية “كائنات من ورق”؛ شخصيات تبحث عن طرق للنجاة من الموت المعنوي (وهو هنا بفعل ندبات الحب، كرام، وفاتن، وسيد بتشان)، حتى لو كان في بحثهم كسرًا للسائد والمتعارف. شخصيات مقهورة بفعل الفقد والحنين، وكذلك بفعل السلطة المستبِدة بأشكال متعدّدة. فالمهندس رام الذي يُكلّف بالإشراف على هدم المقابر المليئة بالزخارف والنقوش النادرة التي تقف كمعوّق للطريق كما تقرّ السلطة، إلا أنه يرفض، ويقدم بديلًا يؤدي الغرض لكنهم رفضوه، ومع إصرارهم لا يكتفى بالرفض الشفوي، وإنما يقدّم طلب إجازة لدواعي المرض، لكن تتعنت السلطة في منحه حريته، بل تصر على أن يغمس يديه في جريمتها التي تقترفها، ومع إصراره على عدم الرضوخ، يقدم استقالته من الوظيفة.
وسيد باتشان اللص التائب كانت أصابعه تتلف في حرير، يسرق سرقات تافهة بقدر ما يحتاج ويكفيه أكل وإيجار غرفته وحشيشه، وكان الضباط يطلقون سراحه بعد القبض عليه متلبسًا لوسامته “بعد صفعتين، وعدة ركلات، وورقتين فئة مئتين جنيه لأمين الشرطة”. تخلّى عن السرقة بسبب حبّه لناريمان، لكن السلطة أو بالأحرى أجهزتها الأيديولوجية لم تتركه يُمارس حياته بعيدًا عنها “رغم أن تركيبته تأبى أن يكون مواليًا للشرطة، فهو رجل يحب الروقان، تطربه أم كلثوم كما يطربه عدوية، ينزعج من المهرجانات والراب والدق”. يجد لذته في سيجارة حشيش يبدأ بها يومه وأخرى يختم بها ليلته. محبٌّ للناس، ومشارك لهم في سلوكياتهم، الأكل والشاي والمزاج والهموم، وصلاة الجمعة، وبما أن السلطة لا تعرف الرحمة، بل المصلحة، فقد جعلته مخبرًا سريًّا لحاجتها إلى جس نبض الناس ونقل آرائهم إلى الجهات العُليا، وفقًا لقانون الولاء مقابل الحماية.
ويحيى الحافي لاعب المنتخب، وقع تحت سلطة من نوع آخر، الأولى سلطة السن، فهو قد تجاوز الـ33، وهي الفرصة الأخيرة لأن يلعب كأس عالم آخر، لذا كان قلبه يتقافز قلقًا، لأن هذه المباراة تحدد مصيره في أن يختم حياته الكروية بمنجز مهمٍّ، يفتح له الأبواب للعمل في قناة تلفزيونية، أو أن يصبح مدربًا لفريق. والثانية، سلطة الجماهير، التي ترفعه إلى عنان السماء إذا أحرز هدفًا، أما إذا أخفق فتسبُّه، وهذه السلطة فرضت عليه التخلّي عن حريته، فهو يمتلك أشياء، لكن لا يستطيع التصرف بها. فحياته مرهونة بسلطة الجهاز الفني، لا يعيش كمراهق، ولا يعرف مِن نزق الشباب إلا الزواج المبكّر، وبالأحرى عليه أن يزهد “في كل ما هو خارج الملعب، ويحصر حياته في الإجابة عن سؤال كيف يقضي الـ90 دقيقة بكامل قوته، ليحقق انتصارًا لفريقه”، أو أن الكسالى لا مكان لهم في اللعبة، وإن كان في حقيقة الأمر هو مقهور داخليًّا، بسبب تواضع العائلة، وما عاناه الطفل من وراء الموت المبكّر للأب، وهو ما انعكس على فكره، فرأى في الحب وخطط الزواج تعاسته، لكن مع رؤيته ليلى توارى هذا الطفل المأزوم، فقد كان “مدفوعًا إليها بقوة مشاعر لم يكن قد عرفها بهذا من قبل”.
الشخصيات الثلاث بمثابة محور الرواية الذي تتقاطع فيه معظم الخيوط السردية، مثل كرة التريكو تنسلّ منها شخصيات أخرى متداخلة معها، ومتقاطعة في مأساتها، كشخصية فاتن أخت يحيى الحافي، التي تتقاطع مع يحيى بالنسب وبإدارة أعماله، وبجفائها للأم، وبرام في توحّد جوهرهما، حيث كانت “شبيهته هو أكثر من شبهها بنيفين”. منحته الأمان والطمأنينة في أزماته وتحديدًا في ساعات الليل، تجمعهما روابط روحيّة. كانا أشبه بحبيبين، إلا أنهما كانا يحاولان ألا يقع أحدهما في غرام الآخر، علاقة حبّ متحفظة، فيها مكاشفة وتعرية وأمان، كانت تريد أن تكون سيدة نفسها، دون وصايا من أحد، وكان يريدها دون أن يشاركه فيها آخرون، امرأة له وحده، مبتورة الماضي والمستقبل. نجحت في حياتها العملية، وأدارت ثروة أخيها بذكاء، لكن في داخلها شخصية مهزومة جرّاء تعرّضها لتجارب هَجْر متتالية، خلّفت جروحًا لم يستطع الأطباء النفسيون والزمن والأدوية مداواتها، وانتهت إلى الحيلة لتنقذ ما تبقّى من ذاتها، فأشهرت نظرية الحبّ المتعدّد، وتقنّعت بالسلطوية التي تُمارسها بقوانينها على الرجال المتعددين، الواقعين في دائرتها. وبالمثل ناريمان، زوجة سيد باتشان، ارتبطت برام بعلاقة عابرة، تمنّت أن تطول لما منحه لها من أمان وطمأنينة، وشعورها لأول مرة بأنها تُعامَل كإنسانة، لا كعاهرة، مباحة مقابل مال، ثم اعترافها بحبها له.
فخ الذاكرة
لم تكن مأساة المهندس رام صراعه مع السلطة التي تجبره على تنفيذ مشروع بمثابة تجريف لهويته وفقط، وإنما مأساته الحقيقة تكمُن في صراعه مع ذاته المتناقضة/الفصاميّة “يميل إلى الجديد ويؤمن بالتطور على حساب القديم، ويرى لكل عصر مدينته، وفي الوقت ذاته مغرم بالتخطيط القديم”. يتمنى أن يولد بذاكرة جديدة بيضاء، فالإنسان هو ماضيه، يرفض الإنجاب ولن يكرّر الزواج “لأنه مقبرة للحب وللحرية”، ومع تعلّقه بالغرام كي يطرد به أشباحه، إلا أنه ينفر منه بمجرد طلوع النهار. يخاف من الظلام وينام وكل لمبات البيت مضاءة، وكذلك تتعدد أشباحه التي يرتعد منها، وأحيانًا يتعايش معهم، بل ويصدّق أن في وِسْع الموتى النهوض والثورة، وقد تضاعف هذا الإحساس بعد وفاة زوجته نيفين التي كان يحبها، فأحلّها على كل شخصية نسائية عرفها، وهو ما جعله يفشل في إقامة علاقات جديدة مع أُخريات، لا حبًّا في النزق، وإنما “كما أثبتت التجربة أن الأشباح تخاف من الغرباء”، غرضه الأساسي إنقاذ حياته، أو أن يقيم في مكان واحد، فتنقّل إلى عدة شقق، إلا أن الأشباح كانت تطارده حيثما حلّ، فكان شبح نيفين يطلّ عليه، فيفسد علاقاته الجديدة.
رفضه لقرار الهدم، جاء أولًا تأكيدًا لحالته الفصامية الرافضة للجديد، ومؤمنة بالمضي، فمستقبل “الإنسان ليس إلا تكرارًا مصفى لماضيه”. وثانيًّا، لارتباطه أيضًا وجدانيًّا بالمكان، فقد شهد ذكريات ولقاءات ولمسات مع نيفين التي كانت صليبه الحقيقي، وفيها كانا يسيران وكأنهما من الأولياء. ومع دخوله في علاقات عابرة، تسللت إليه مريم ببطء، قبل أن يتوارى في عالم العزلة والخيال. قامت بترميم القالب القديم ببصمات نيفين، ويومًا وراء يوم استولت على قلبه، فصارت “قطعة من قلبه وأنها الحاضر حتى لو كانت شبيهة الماضي”، وباعترافه “جاءت بذكريات حلوة”. لكن بفراقها “بدت له المدينة غريبة كأنه يسير في طرقها للمرة الأولى”، وبوداعها قطع جسرًا وحيدًا يربطه بالحياة.
لم تكن نيفين الزوجة والحبيبة، أو تلك التي شاركته الخروجات والسهر، والنكات وفقط، بل كانت مدينته التي لا يريد أن يخرج منها، كما كانت ذاته، فقَد بعدها القدرة على الحب، بل اعتبر نفسه في “تعداد الموتى”، وبعدها غدت المدينة “مدينة أشباح أصابتها اللعنة”، وكأنه يتمثّل لمقولة الفيلسوف كارل ياسبرز “أنت فانٍ عندما تكون بلا حب”. حاول التحايل على موتها بإقامة علاقات مع نساء أخريات “دخلن غيمته، وخرجن جريحات”. كان شبههن بنيفين هو دافعه لإقامة علاقة، لكنه كان يراها فيهن، طاردته في أحلامه، ويراها في مرآته، تقف خلفه تشرف على ملابسه وهندامه، راح يستحضرها وهو يُعدُّ لنفسه فنجان قهوة كما كانت تعدها، يتحدث معها بالساعات حتى خشي على نفسه من الجنون، ويستحضر أفعالها، ويكرّر مفرداتها وأقوالها ويستخدم معجمها من أمثال ونكات، ويرش عطرها في البيت، ويملأ الحمام بأنواع الشامبو التي كانت تستخدمها، كانت الغائبة الحاضرة. هكذا تدور حياة رام بين “عفاريت وأشباح”، ومن ثم فقد اتصاله بالواقع، وبالأحرى بالناس، صار “أشبه بمدينة تائهة”، وهذه الصلة التي ربطته بمريم. عندما التقاها قالت له: “إنها مدينة تائهة تبحث عن بلد طردها”، فأدرك أنها حبيبته.
بنية التوازي والمخالفة
تدور أحداث الرواية في سبعة أيام، في توازٍ مع الميراث الديني الإسلامي (أيام الخلق) والمسيحي (أسبوع الآلام) وإن كان ثمة ارتدادات زمنية لأزمنة ماضية، تعود إلى طفولة الشخصيات، وهي بمثابة نقطة النور الكاشفة للعتمة التي تعيشها الشخصيات في واقعها بعدما حلّ عليها التغيير، لكن تبقى ندبات الماضي أشبه بصخرة سيزيف التي يحملها كل شخص، ولا يستطيع التخلّص منها. وقد جاءت استعارة المؤلّف للموروث المسيحي في عنونة الفصول تماشيًّا مع المأساة التي تحدث لأبطال الرواية، والتي تبدأ بـ”أحد السعف”، بما فيها من استعارة معكوسة، حيث في “أحد السعف” يتم استقبال السيد المسيح بسعف النخيل. لكن هنا، مع الواقع الديستوبي، يتحوّل أحد السعف إلى استقبال المآسي التي تتوالى للشخصيات. ثم “إثنين البصخة”، وفيه تتكشّف عوالم المأساة وتوابعها من انكشاف للمآسي المترتبة على مأساة الفَقد، العضوي والعاطفي.
ثم “ثلاثاء البصخة”، وهو بمثابة فصل التعري، حيث تتكشف الكثير من الأسرار عن ندبة طفولة رام التي ظلت تلازمه طوال حياته، متمثلة في خوفه من الظلام، وعلاقته بالعروسة الدبدوب علّها تملأ فراغ السرير الذي تركه رحيل أخيه، دون أن يعوض أبدًا. ثم تعرّفه بنيفين في العمل، وزواجهما، وما حققته له من أمان، فكانت تميمة ضدّ الشر، حتى تبيّن له أنه أمان مزيف، وعلاقته بفاتن وبدايات التعارف، وعلاقات فاتن برجال أدموها، وأصابوها بجروح، وما خلّفته من شعور بالقلق والخوف والحنين، ثم اكتشافها الأهم أنها امرأة نزقة تهوى الغواية أكثر من الإشباع، ولذتها في أن ترى مشاهد ضعف الرجال أكثر من نومها في سرير رجل واحد. وبالمثل، تتكشف طفولة يحيى الحافي البائسة، بعد ترمل أمه في شبابها، وبحثه عن صنعة يسدّ بها أصوات الجوع المتعالية، وسيره في عز قيظ أغسطس حافيًّا، يطرق أبواب الرزق، وبداية اكتشافه مهارته في الكرة.
وكذلك علاقته بمريم، التي كما كان يتوهم أنها وسيلة للخروج من أزمة رحيل نيفين، وما أسبغه عليها من تشابه بينها وبين نيفين، ليس فقط في الشكل، وإنما لهما نفس الرائحة، وكيف أن لها حياتها الخاصة، ومهما اعترفت بأن رام هو حياتها الوحيدة إلا أنها غائبة وبغيابها يفتقدها ويتعذب؛ وتكتشف ناريمان أن عضو سيد ضامر منكمش، ووفقًا لمفهومها للعلاقة بين الرجل والمرأة، إنها ربح مادي ومعنوي. تطفو المشاعر الحقيقية، وأدركت بعد الفاجعة الأخيرة أنه لن يقدّم لها شيئا، وهو ما يتوازى مع كشف المسيح لتلاميذه الكثير من الأمور والأسرار التي كانوا يسألون عنها، هنا الراوي يقوم بكشف الأسرار أيضًا. مرورًا بـ”أربعاء البصخة” أو “أربعاء أيوب”، حيث فعل الخيانة الذي حدث للمسيح مع يهودا الإسخريوطي، وهو ما يتوازى مع ما فعلته فاتن مع رام بكشف حقيقة مريم، التي لم تكن سوى نسخة مستعارة من نيفين، كنوع من التحايل على الفقد، لكن لم تفصح له عمّا اكتشفته خفية أن تضاعف من تعميق التروما عليه. ثم “خميس العهد”، أو ما عرف بالعشاء الأخير، فيخون الجسد ناريمان، فيختفي صدرها، وتتهم بتشان بأنه عمل لها سحرًا أسود. الغريب أن ناريمان لم تثر أو تغضب، وإنما تقبلت الوضع، لأنها تأملت الحياة وأدركت في لحظة بصيرة أننا في زمن فَقد الأجساد وكذلك المشاعر.
ثم “الجمعة العظيمة”، التي تمّ فيها عقاب السيد المسيح، مثلما تم عقاب المهندس رام من قبل السلطة على رفض مشروع هدم المقابر بغرض التطوير، فتم صلبه في ميدان عام أمام جموع الناس، وترك جسده على مقصلة الصلب كنوع من الرسالة الضمنية من السلطة لكل من تسوّل له نفسه أن يُعارض أوامر السلطة، فيدها باطشة، ولا سبيل إلا الخنوع والاستسلام. وإن كان سبب الصلب ترك أسئلة مفتوحة من قبل الناس كعادة السلطة في إثارة البلبلة بترك النهايات مفتوحة، والأفعال بلا تبرير، ومنها إلى “سبت النور” أو “سبت الفرح”، وصولًا إلى “أحد القيامة”، وهو ما يتوافق مع اختفاء جسد رام من على منصة الصلب، والحيرة هل قام أم لا، في إشارة إلى قيامة المسيح عليه السلام.
أسلوبية الرواية
لا ينفصل هذا التشابك والتقاطع بين أزمات الشخصيات وصراعها مع واقعها عن أسلوبية الرواية وتقنياتها؛ فالفن – كما يقال – “هو في الأساس صناعة أسلوبية”، ومن ثم فالرواية تتميز بتعدد لغوي، وبالأحرى مسرودة بلغة عبرت دون تعجرف أو رطانة زائدة عن طبيعة الشخصيات وتكوينها الاجتماعي والثقافي، ومن ثم لا غرابة في تطعيمها باللغة الدارجة الممزوجة بالسخرية السوداء والنكتة، كتحايل لمواجهة فداحة الأزمة التي انتابتهم. فلم يكن أمام الشخصيات إلا السخرية والتنكيت مما حدث للتعايش مع الأمر الواقع وإلا فالانهيار والانتحار؛ لذا حرص الراوي على التنويع بين صيغ الخطاب المسرود تبعًا للشخصيات وطبقيتها. فالسلطة لغتها حادة صارمة، مختزلة، تميل إلى صيغة الأمر، في حين الصيغ الخطابية لباقي الشخصيات تعكس ثقافتها، وهواجسها، وقلقها، فلغة رام تناقض لغة ناريمان وسيد، وقد مرّر هذا الخطاب اللغوي عبر تقنيات روائية سعت جميعها إلى إظهار حالة المسخ التي تنتهي إلى مسخ اللغة وفقدانها كالتحرّر من علامات الترقيم، والاعتماد على حروف أبجد هوز في بداية ترقيم الفصول، كتأكيد على أصلها قبل شيوع الألفبائية المستخدمة الآن، ثم اللجوء إلى الأرقام في إشارة إلى ضياع الهوية كنتيجة حتمية لضياع الإنسان، “فاختصار الواقع أدى لاختصار اللغة”، كما يقول الراوي.
الكلمات الرئيسية (Keywords): أصل الأنواع، أحمد عبد اللطيف، جائزة البوكر 2026، رواية ديستوبية، خيال فانتازي، أدب مصري معاصر، تحولات الجسد، حي المنيل.
الوسوم (Tags): #رواية #أصل_الأنواع #أحمد_عبد_اللطيف #البوكر_العربية #نقد_أدبي #ديستوبيا
