أفانين
أعضاء فرقة "تيهاي" التارقية يعزفون على القيثارات في قلب صحراء الطاسيلي تحت ضوء القمر.
التحقيقات واللقاءات

فرقة “تيهاي” التارقية: موسيقى “الأَسُوفْ” وسفر الهوية من أعماق الصحراء إلى العالمية

بلوز الطوارق: كيف تحولت أوتار “تيهاي” و”تيناريوين” إلى جسر ثقافي بين التاسيلي والمسارح الدولية؟

تعتبر موسيقى “الأَسُوفْ” التارقية أكثر من مجرد ألحان عابرة، فهي الضمير الحي لهوية إنسان الصحراء وبوابته الثقافية نحو الاعتراف العالمي. في ظل التحولات الكبرى بين بساطة المجتمع المحلي وعولمة جارفة، تبرز فرقة “تيهاي” الجزائرية كنموذج للجيل الشاب الذي اتخذ من القيثارة سلاحاً بديلًا لصناعة الأمل وتجسيد الحنين (الأَسُوفْ) والهموم الإنسانية (الإينزجام)، محولين نغمات الصحراء الخام إلى لغة كونية تحاكي جذور البلوز والجاز وتفرض نفسها على كبريات المسارح من برلين إلى نيويورك.

حققت الموسيقى التارقية خلال العقود الأخيرة قفزةَ نوعيةَ أوصلتها إلى مصافّ الاعتراف والشهرة العالمية، بفضل فرادة ألحانها وعذوبة رنينها المشبع بسحر الصحراء الخام، ذلك الفضاء اللامتناهي المسكون بالصمت والحنين، “الأَسوف” و ” الإينزجام”.

الموسيقى كمتنفس لشباب الهقار والطاسيلي

في هذا الفضاء المتأرجح بين مجتمع محلي بسيط يعيش على هامش الحداثة، وعولمة جارفة تلتهم التقاليد والعادات، تظل الموسيقى المتنفّس الأهم لشباب تمنراست وجانت وإيليزي، الذين يمتلكون مواهب فطرية في العزف والغناء والإنشاد، متماهية مع امتداد الصحراء وسكونها الآسر ولم يعد غريبًا اليوم أن يجوب أبناء الطوارق، القادمين من جانت وتمنراست وإيليزي وعين صالح وأدرار، مسارح العالم بآلاتهم الوترية وإيقاعاتهم المتقشفة، ناشرين دفء الرقة وصدق العاطفة من برلين إلى نيويورك، ومن طوكيو إلى جوهانسبرغ، كما لو كانوا سفراء دائمين لتراثٍ ضارب في عمق الأزمنة.

على خطى “تيناريوين”: من السلاح إلى القيثارة

لا شك أن فرقة “تيناريوين”، التي يعني اسمها “الصحاري”، شكّلت المنعطف الأبرز في هذا المسار. فقد تأسست على يد طوارق أزواد تركوا السلاح في شمال مالي، وحملوا القيثارات دفاعًا عن هويتهم، قبل أن ينضم إليهم موسيقيون طوارق من الجزائر، من بينهم صدام، الذي أسس لاحقًا فرقة “إيمرهان نتينزراف” (أصدقاء الرمال)، إحدى أكثر الفرق التارقية تألقًا على الساحة العالمية اليوم وفي هذا الفضاء المتأرجح بين مجتمع محلي بسيط يعيش على هامش الحداثة، وعولمة جارفة تلتهم التقاليد والعادات، تظل الموسيقى المتنفّس الأهم لشباب تمنراست وجانت وإيليزي، الذين يمتلكون مواهب فطرية في العزف والغناء والإنشاد، متماهية مع امتداد الصحراء وسكونها الآسر. لذلك لا يثير الاستغراب أن ترى أطفالًا يحملون القيثارات منذ نعومة أظافرهم، رغم شح الإمكانات، فيتبادلون الآلات فيما بينهم داخل أحياء أجاهيل والميهان وزلزواز بجانت، أو سرسوف وأنكوف وقطع الواد بتمنراست، وبرج عمر إدريس و إن أمناس بإيليزي، وكأن القيثارة سلاح بديل لصناعة الأمل وتحقيق الذات، يتيح لهم التجوال لا عبر طرق الملح والحرير كما أسلافهم، بل عبر مسارح العالم، للتعريف بحضارة الرجل الأزرق التي استلهمت منها كبريات الشركات العالمية في صناعة السيارات المتينة أسماء “التوارق” و”الأتاكور”.

عصامية فنية في بيئة قاسية

بهذا الوعي يفتتح أحمد قلالي (25 سنة)، العازف والمغني وأحد مؤسسي فرقة “تيهاي” بحي زلواز، الحديث رفقة ابن عمه أحمد مباركي، الذي يشاركه العزف على القيثارة، قائلًا: “عندما يرى شباب المنطقة ما حققته فرقة إيمرهان في أوروبا وعندما يشاهدون كارلوس سانتانا، أحد عمالقة العزف العالمي، يقف إلى جانب تيناريوين ويقارنهم بكبار أساتذة البلوز والجاز في أمريكا، يتشكل لديهم شعوران متلازمان: الفخر والتحدي. هنا يصبح السقف عاليًا جدًا: إما أن تكون في المستوى أو أفضل، وإلا فإن الفشل يطوّقك في حلقة مفرغة”. أحمد قلالي: أنا أعزف على القيثارة العادية والكهربائية. لم أدرس الموسيقى أكاديميًا، بل تعلمت بالسماع. إنها شغفي الحقيقي، رغم عملي طباخًا ودليلًا سياحيًا لكسب الرزق. الحياة هنا تفرض عليك أن تكون متعدد المهارات، مستعدًا دائمًا، كجندي يقظ يسير شبان “تيهاي”” على درب الفن بالفطرة، شأنهم شأن شباب الطاسيلي والأهقار، في بيئة قاسية تعلّم الصبر والجلد في مواجهة الطبيعة وندرة الفرص. يضيف قلالي ضاحكًا: “أنا أعزف على القيثارة العادية والكهربائية. لم أدرس الموسيقى أكاديميًا، بل تعلمت بالسماع. إنها شغفي الحقيقي، رغم عملي طباخًا ودليلًا سياحيًا لكسب الرزق. الحياة هنا تفرض عليك أن تكون متعدد المهارات، مستعدًا دائمًا، كجندي يقظ”. من جهته يضيف مباركي: “معظم الشباب يشتغلون في أعمال مؤقتة، كمرافقين للأدلاء السياحيين أو كطباخين ومساعدي عمل. كما تستفيد الفرق الموسيقية من النشاط السياحي، إذ لا تكتمل أي خرجة صحراوية دون سهرة حول النار وإبريق الشاي، لذلك نرافق المجموعات السياحية طيلة الموسم لتأمين مورد مالي يساعدنا على العيش”.

“تيهاي”: الموسيقى كنور يبدد عتمة الهامش

اختار أحمد ورفاقه تسمية فرقتهم بـ “تيهاي”، أي الظلام، في إشارة إلى أن الموسيقى نور قادر على تبديد العتمة مهما كان مصدرها. يقول قلالي: “نغني عن التراث التارقي وهوية الإيموهاغ، عن حياة الرحل ومعاناتهم، عن الحب والمرأة، وأحيانًا عن النقد الاجتماعي. نؤمن بأن رسالتنا هي تطوير الوعي المحلي، ودفع المجتمع للانخراط في العصرنة، وثقافة الإنتاج وخلق الثروة، والخروج من منطق الكفاف، خاصة وأن منطقتنا تمتلك كل مقومات الازدهار إذا أُحسن استثمار السياحة”. في انتظار لحظات الإلهام، يجلس الأربعة فوق كثيب رملي، أو عند حافة وادي أهرير، أو بين أشجار وادي السرول في عمق الطاسيلي، يتبادلون النوتات ويجربون الإيقاعات. تحظى موسيقى الأسوف اليوم برعاية واهتمام عالميين، منذ فوز فرقة تيناريوين بجائزة “غرامي وورلد” للموسيقى العالمية العام في 2012، وقبلها جائزة البي بي سي سنة 2005، وجائزة المجلة البريطانية المرموقة اينكوت سنة 2009، لتصبح مصدر إلهام لكبار الفنانين العالميين عندها يعلّق أحمد قلالي:”نخوض حوارًا موسيقيًا مفتوحًا، ونبحث عن الكلمات التي تناسب الألحان. أحيانًا نكتب الأغنية جماعيًا تحت ضوء القمر والنجوم، حول كسرة التاقلا وإبريق الشاي. الشاي عندنا شعيرة: الأول مرّ كالموت، الثاني ناعم مثل الحياة، والثالث حلو كالحب. ويضيف: “هذه الجلسات تقودنا إلى جوهر الفن التارقي الذي نسميه الأسوف، أي الحنين، ذلك الإحساس الذي يدفعك إلى محاورة الذات والتأمل الصامت في الهموم التي نطلق عليها إينزجام. من هنا تولد ثنائية الحنين والألم، وهي جوهر موسيقانا والقاسم المشترك بين جميع الفرق الفنية التارقية في الجزائر ومالي والنيجر”.

جذور البلوز والاعتراف الدولي

يشرح أحمد البعد الحديث لتجربتهم الفنية قائلًا: “تُعرف موسيقانا أيضًا باسم بلوز الطوارق، أو بلوز الصحراء، تعبيرًا عن الألم الصامت والهموم الإنسانية، عن الصمود والأمل. فالبلوز ليس مجرد غناء، بل اعتراف بالمشاعر والحنين، وطريقة للتواصل مع الذات والآخرين. هذا ما نسميه محليًا موسيقى الأسوف، وما يسميه الغربيون بلوز الطوارق على هذا الأساس، أصدرت فرقة “تيهاي” ألبومها الغنائي الأول سنة 2012، الذي منحها شهرة معتبرة في المنطقة، وضمّ ثلاث أغانٍ هي: الدونيث، الدنيا، تينيري الصحراء وتارها الحب، إضافة إلى مقطوعتين موسيقيتين”. ويلخص مباركي طريقة العمل قائلًا: “نكتب أغنياتنا بأنفسنا، كما نستقبل أحيانًا أعمالًا جاهزة من كتاب محترفين. نحن حاليًا بصدد التحضير لألبوم ثانٍ، سيكون فرصة للتجوال عبر المدن الجزائرية وعدد من البلدان الأوروبية، التي تشكل فضاءً خصبًا للفن التارقي، خاصة بعدما تحولت موسيقانا إلى موجة عالمية، على غرار الفرق التي تأثرنا بها مثل تيناريوين وإيمرهان وتامكريست وغيرها”. وتحظى موسيقى الأسوف اليوم برعاية واهتمام عالميين، منذ فوز فرقة تيناريوين بجائزة “غرامي وورلد” للموسيقى العالمية العام في 2012، وقبلها جائزة البي بي سي سنة 2005، وجائزة المجلة البريطانية المرموقة اينكوت سنة 2009، لتصبح مصدر إلهام لكبار الفنانين العالميين، على غرار روبرت بلانت وريد شيلي بايبر، ونجم البينك فلُويْد ديفيد غيلمور، و أسطورة الداير ستريتس مارك نوبفلر، و جاستن أدامز، و راي كودر، و براين إينو، و القائمة تطول. يضيف أحمد: “جذور البلوز والجاز تعود إلى إفريقيا، ولذلك تحظى موسيقى الطوارق بقبول عالمي مسبق. نحن نتقاسم هذه الجذور مع العالم، وتأثرنا بموسيقيين كبار مثل بي.بي. كينغ، جيمي هندريكس وآلي ماركاتوري. هذا الامتداد يجعلك تحلم، كما نحلم نحن، بالغناء يومًا ما على كبريات المسارح الأوروبية والأمريكية. لم يعد ذلك مستحيلًا، فموسيقى الطوارق تفرض نفسها بذاتها، شرط الجدية والعمل والإخلاص والإبداع”.

الموسيقى كمورد رزق وشغف يومي

تستعد فرقة “تيهاي” لخوض مغامرة عالمية بعد نجاحاتها المحلية والوطنية، إذ سبق لها المشاركة في مهرجان “تينيري فايب” بالشراقة، ومهرجان “سافكس” للسياحة بالجزائر العاصمة، إلى جانب حضورها المنتظم في مهرجانات محلية أخرى. وفي هذا السياق، يقول مباركي: “قمنا مؤخرًا بتوظيف مناجير لتولي التحضير لجولات فنية بأوروبا بعد إصدار الألبوم الجديد، كما سنسعى لاستخراج بطاقة فنان لتسهيل الإجراءات الإدارية والقانونية، بما يسمح لنا بتطوير مسارنا الفني”. وفي انتظار الخطوة المقبلة، يواصل أعضاء فرقة “تيهاي” عملهم الموسيقي المرتبط بالسياحة، عبر تنشيط السهرات الليلية للمجموعات السياحية. يشرح أحمد:”الموسيقى هي قاعدتنا الأساسية، لكنها أيضًا مصدر قوتنا اليومي. نحيي سهرات فنية للسياح المحليين والأجانب في مناطق مثل سفار، تادرارت، تيكوباويين، أهرير وإيسنديلن. غالبًا ما نقضي مع المجموعة الواحدة خمس ليالٍ متتالية، ونعيد التجربة مع مجموعات أخرى طوال الموسم، بناءً على طلب الوكالات والمنظمين”. ويتابع قلالي:”يتيح لنا هذا النشاط دخلاً يتراوح بين 1.5 و2 مليون سنتيم، حسب عدد أعضاء الفرقة وطبيعة الاتفاق، ويتم توزيع العائدات بين المشاركين. لذلك تبقى الموسيقى شغف حياتنا ومصدر رزقنا الأساسي، حتى في الفترات التي نتوقف فيها عن الجولات الفنية عبر التظاهرات المحلية والجهوية والوطنية”. تغني فرقة “تيهاي” بالتارقية باعتبارها هويتها الأصلية، كما تؤدي أغاني بالعربية والإنجليزية، وتنفتح على مختلف الطوابع الموسيقية الجزائرية، من الراي والشعبي إلى القبائلي، فضلًا عن إنجاز أعمال مشتركة خلال الجلسات الخاصة. ويختم مباركي: “نحن أبناء بلد واحد، ونتحاور فنيًا كعائلة. نحرص على تجربة أغاني وأنماط مختلفة لإضفاء التنوع والحيوية، لأن الموسيقى لغة عالمية. لقد أنجزنا دويتوهات مع فنانين من مدارس أخرى، وهذا التلاقح يغذي أفكارنا الموسيقية. فالموسيقى تعيش من التفاعل، وربما هذا ما ساهم في تصدير الموسيقى التارقية إلى العالم، إذ استلهمت من طبوع متعددة دون أن تفقد روح الصحراء الأولى، بمعنى أنها فنّ كوني لا مجرد فولكلور محلي”.

الكلمات الرئيسية:

فرقة تيهاي، موسيقى الأسوف، بلوز الطوارق، تيناريوين، ثقافة التوارق، موسيقى الصحراء، جانت، تمنراست، الفن التارقي.

#موسيقى_الطوارق #فرقة_تيهاي #الصحراء_الجزائرية

ذات صلة

حوار مع الكاتب المغربي خالد أقلعي

suwaih

طرابلس ورمضان وموائد الرحمن: عادات وتقاليد سمحة تميز المدن عن بعضها البعض توشك أن تندثر!!

suwaih

الكاتب جابر نور سلطان: تغريبة سليمان هي من كتبتني …!

suwaih

الشاب جيلاني: كلُ‭ ‬لهجة‭ ‬لها‭ ‬جمالها‭ ‬لكن‭ ‬الليبية‭ ‬هي‭ ‬الاقرب‭ ‬إلى‭ ‬قلبي

suwaih

بالفيديو.. طرابلس الغرب .. حاضنة حضارة البحر الأبيض

suwaih

حوار مع الكاتبة السورية بتول أبو علي

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية