منام القيلولة
في روايته الجديدة «منام القيلولة»، الصادرة عن دار العين للنشر، يعود الأديب الجزائري أمين الزاوي إلى أكثر الجراح إيلامًا في الذاكرة الجزائرية، ليكتب نصًا روائيًا كثيفًا يتقاطع فيه التاريخ مع الهذيان، والحلم مع الكارثة، والخيانة مع الجنون. ليست الرواية مجرد استعادة أدبية لمرحلة بعينها، بل خبرًا ثقافيًا عميق الدلالة عن وطنٍ عاش طويلاً على حافة الصدمة، من زمن الاستعمار إلى سنوات الإرهاب.
تضع «منام القيلولة» الخيانة في قلب بنيتها السردية، بوصفها الشرارة الأولى التي تولّد كل أشكال العنف اللاحقة. فالخيانة هنا لا تُختزل في معناها السياسي أو الأخلاقي المباشر، بل تتسع لتشمل خيانة القريب، وخيانة الذاكرة، وخيانة الحلم الجماعي. ومن هذه الفكرة المحورية، يغوص الزاوي في بحر من الصدمات النفسية التي تصيب الأفراد حين يصبح التاريخ نفسه كيانًا غادرًا.
تتحرك الرواية بين مرحلتين حاسمتين في تاريخ الجزائر: فترة الاستعمار، ثم العشرية السوداء التي عصفت بالبلاد في تسعينيات القرن الماضي. مرحلتان تبدوان متباعدتين زمنيًا، لكنهما متقاربتان في النتائج: القتل، الدمار، الخوف، والرعب. وكأن الكاتب يريد القول إن أشكال العنف تتبدل، لكن جوهر الخيانة يبقى واحدًا.
تدور معظم أحداث الرواية في مدينة وهران، التي تتحول في النص إلى فضاء رمزي يمثل الجزائر بأكملها. مدينة ساحلية مفتوحة على العالم، لكنها مثقلة بتاريخ دموي، تتجاور فيها الحياة اليومية مع أشباح الموت. ومن خلال هذا الفضاء، يرصد الزاوي تحولات المجتمع الجزائري، وكيف تسللت الأفكار المتطرفة إلى تفاصيل الحياة، حتى غدت جزءًا من المشهد اليومي.
يفتتح الكاتب روايته باستهلال لافت يقول فيه:
«النغل يتباهى بأبيه الحصان وينسى ذكر أمه الأتان، والبغل يتباهى بخاله الكبير وينسى أباه الصدر… هكذا هو عالمنا»
وهو استهلال غير مجاني، يحمل شحنة رمزية عالية، ويشير إلى أولئك الذين يتباهون بالفرع وينكرون الأصل، في إسقاط واضح على من خانوا القيم والمبادئ التي قامت عليها ثورة التحرير.
يعتمد أمين الزاوي تقنية السرد بلسان طفل، شاهد على الكارثة من دون أن يمتلك أدوات فهمها. هذا الصوت الطفولي يمنح الرواية طاقة إنسانية عالية، ويجعل من البراءة مرآة تعكس فظاعة ما يحدث. فالطفل يرى، لكنه لا يفسّر؛ يشهد، لكنه لا يحاكم. ومن هنا تأتي قوة السرد، إذ تتحول الذاكرة الطفولية إلى سجلّ صامت للدم والخوف.
الأحلام في الرواية ليست ملاذًا، بل امتدادًا للواقع المأساوي. فـ«القيلولة» نفسها، بما تحمله من معنى الراحة، تتحول إلى زمن غفلة جماعية، تُرتكب خلاله الأفعال المصيرية. إنها لحظة نوم المجتمع، في مقابل يقظة العنف.
تتمحور الرواية حول شخصية لالة مسعودة القارح، التي يضفي عليها السرد هالة أسطورية واضحة. هي الأم التي عبرت الجمر «جمرة جمرة»، والمرأة التي تحمل جسدها وذاكرتها آثار العنف والخسارات المتراكمة. من خلالها، يرسم الزاوي صورة للجزائر نفسها: بلد صبور، مُنهك، لكنه مستمر في العبور.
تبدأ المأساة العائلية حين يقوم زوجها حميد النوري بقتل سليمان الأعوج عقابًا له على خيانة ثورة التحرير. جريمة يُشهد عليها الابن إدريس في طفولته، لتتحول تلك اللحظة إلى أصل اضطرابه العقلي لاحقًا، وليُعرف بلقب «غولغول». هكذا، لا تكون الجريمة فعلًا معزولًا، بل حدثًا مؤسسًا لسلسلة طويلة من الانهيارات.
لا تتوقف آثار الصدمة عند إدريس، بل تمتد إلى شقيقته حليمة، التي تشارك أخاها عبد القادر شغف القراءة والطموح إلى حياة أفضل. غير أن الواقع العنيف يحاصر أحلامها، ويدفعها إلى مسارات نفسية وجسدية معقدة، في مجتمع لا يرحم الضعف ولا يعترف بالهشاشة.
تعتمد الرواية تعدد الأصوات، فتتناوب الشخصيات على حمل دفة السرد، من الطفل الراوي، إلى حليمة، إلى شخصيات ثانوية ترسم ملامح المحيط الاجتماعي. هذا التعدد لا يشتت النص، بل يعمّق رؤيته، ويمنحه طابعًا بوليفونيًا يعكس تفتت الواقع نفسه.
تحتل «القيلولة» موقعًا رمزيًا مركزيًا في الرواية. فهي عند أهل القرية «صلاة سادسة»، زمن يُقدَّس فيه النوم، ويُعلَّق فيه الوعي. وفي هذا الزمن تحديدًا، تُقتاد لالة مسعودة إلى المستشفى النفسي، بينما الجميع غارق في نومه. وكأن الزاوي يلمّح إلى أن الكوارث الكبرى تحدث دائمًا حين يغيب الانتباه الجمعي.
يقول السارد الطفل:
«رفعت عيني نحو السماء الصافية فشعرت للمرة الأولى أنني أصبحت يتيمًا… وأن شيئًا ما خطيرًا يحدث في الكون»
جملة تختزل انتقال الوعي من الطفولة إلى الفقد، ومن البراءة إلى المعرفة المؤلمة.
«منام القيلولة» ليست رواية عن العشرية السوداء فحسب، بل نص عن الذاكرة والخذلان. عن وطنٍ خُذل مرارًا، وعن أفراد دفعوا ثمن صراعات لم يختاروها. وهي رواية تطرح أسئلة قاسية حول معنى النجاة، وحول قدرة الإنسان على الاستمرار بعد أن يتشقق داخله كل شيء.
بهذا العمق السردي والفكري، تؤكد رواية أمين الزاوي حضورها كعمل أدبي لافت، يكتب التاريخ من زاوية الجرح الإنساني، لا من منطق الشعارات. إنها رواية تُقرأ بوصفها شهادة، وتحذيرًا، وتأملًا طويلًا في ما تفعله الخيانة حين تتحول إلى قدر جماعي.
الدكتورة جيهان الدمرداش "العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم" قراءة نفسيّة أنثروبولوجيّة جماليّة في رواية…
في خطوة ثقافية رائدة تهدف إلى إحياء الذاكرة النقدية العربية، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب…
مقدمة في عالمٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتغير فيه أدوات الإعلام يومًا بعد يوم، تبقى…
أغنية بخنوق عيشة.. تداخل مغاربي يجمع بين النص الليبي واللحن الجزائري والتهذيب التونس أغنية "بخنوق…
في إطار فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، وقع الشاعر والصحفي السوري نور الدين الإسماعيل روايته…
بعد انقطاع طال انتظاره لمدة سبع سنوات، عادت مدينة "أم جرس" في شمال شرق تشاد…