منذ عقود، والدراما السورية تحجز مقعدها الدائم في “صدر البيت” العربي خلال شهر رمضان. فما أن يرتفع أذان المغرب وتجتمع العائلة حول موائد الإفطار، حتى تبدأ طقوس البحث عن “الريشة السورية” التي تتقن رسم ملامحنا، وتعبر عن أوجاعنا، وتضحكنا من أعماق قلوبنا.
لماذا تسكن الدراما السورية بيوتنا في رمضان؟
سر القبول الكبير الذي تحظى به هذه الدراما يكمن في “صدقها الفني”. فهي لم تكن يوماً غريبة عن المشاهد العربي؛ فالحارة الدمشقية في “باب الحارة“ أو “ليالي الصالحية“ كانت تذكرنا بقيم الشهامة والترابط التي نشتاق إليها، والدراما الاجتماعية في “الفصول الأربعة” كانت مرآة لكل بيت عربي بتفاصيله اليومية البسيطة. الدراما السورية هي الوحيدة التي استطاعت أن تجعل من “لهجتها” لغة عربية ثانية يفهمها الصغير والكبير، بفضل أداء ممثليها الذين لا “يمثلون” بقدر ما “يعيشون” الشخصيات.
أبطال من ذهب: جيل الأساتذة وصناع المجد
إن قوة الدراما السورية تكمن في مدرستها التمثيلية العميقة، التي تخرج منها عمالقة حفروا أسماءهم في الوجدان:
جيل العمالقة: الذين أرسوا القواعد مثل منى واصف (سنديانة الشام)، والراحل خالد تاجا، ودريد لحام الذي مزج الكوميديا بالسياسة.
جوكرات التمثيل: الفنان بسام كوسا الذي يبهرنا بقدرته على التحول من “الإدعشري” الشرير إلى الإنسان البسيط المغلوب على أمره، وسلوم حداد (فارس الدراما) الذي جسد التاريخ في “الزير سالم” و”نزار قباني”.
جيل التألق العربي: النجوم الذين نقلوا الدراما السورية للعالمية، مثل تيم حسن بكاريزماته المتعددة، عابد فهد بأدائه السيكولوجي، باسم ياخور ملك الكوميديا والتراجيديا، وقصي خولي الذي يطوع الملامح ببراعة.
سيدات الشاشة:سلافة معمار التي تختار الأدوار المعقدة، أمل عرفة الشاملة، وكاريس بشار التي تمنح كل دور روحاً خاصة لا تشبه غيرها.
طقس رمضاني لا يغيب
في رمضان 2026، تعود هذه الدراما لتثبت أنها “سيدة الشاشات”؛ فبينما يتبادل الناس أطباق الطعام، يتبادلون أيضاً التوقعات حول مصير الأبطال في المسلسلات. هي اللحظة التي يتوقف فيها الجدال، ويصمت فيها الجميع لمتابعة حكاية سورية جديدة، تعيد لنا عبق الياسمين الدمشقي وتذكرنا بأننا، رغم المسافات، نجتمع دائماً على حب “الفن الذي يشبهنا”.
مع بدء العد التنازلي للموسم الدرامي الرمضاني لعام 2026، تترقب الأوساط الفنية والجماهيرية ولادة موسم استثنائي بامتياز. هذا العام، تتجاوز الدراما الشامية (السورية واللبنانية) حدود الترفيه لتتحول إلى منصات لتوثيق التحولات الاجتماعية والسياسية، مع عودة ثنائيات تاريخية وظهور أنماط إنتاجية مبتكرة تخاطب جيل المنصات الرقمية.
أولاً: الدراما اللبنانية.. تداخل المال والسياسة وعودة ملكات الرومانسية
تثبت الدراما اللبنانية هذا العام قدرتها على تقديم “خلطة” سحرية تجمع بين القضايا الجدلية والإنتاج البصري الرفيع (High Production Value).
1. مسلسل “بالحرام”: عندما تنهار أسرار البيوت خلف جدران السلطة
يُعد مسلسل “بالحرام” أحد أبرز الرهانات الإنتاجية لشركة “إيجل فيلمز”. العمل الذي يخرجه المبدع فيليب أسمر ويصيغ رؤيته الدرامية كل من فادي حسين وشادي كيوان، لا يكتفي بعرض قصة اجتماعية عادية، بل يغوص في “سوسيولوجيا الجريمة” والفساد.
كوكبة النجوم: تتصدر البطولة النجمة ماغي بوغصن، بمشاركة باسم مغنية، كارول عبود، تقلا شمعون، توني عيسى، وسارة أبي كنعان.
العمق الدرامي: تدور الأحداث حول مثلث “السلطة، المال، والخطيئة”. البرومو التشويقي الذي أطلقته ماغي بوغصن أعطى لمحة عن أداء “سيكولوجي” معقد، حيث يواجه الأبطال حقيقة أن “البيوت أسرار”، وأن خلف الأبواب الموصدة تكمن بشاعة لا تظهر للعلن.
2. مسلسل “ممكن”: عودة نادين نجيم في تحدي “الدهشة المطلقة”
بعد غياب أثار تساؤلات الجمهور في الموسم الماضي، تعود نادين نسيب نجيم لتشكل ثنائية نارية مع النجم التونسي ظافر العابدين. العمل من إخراج أمين درة، المعروف بأسلوبه السينمائي في الدراما.
قائمة الأبطال: يشارك في العمل رودريغ سليمان، ملاك كنعان، روان مجر، مروى خليل، زينة مكي، أنجو ريحان، رولا حمادة، وجورج شلهوب.
محور القصة: يجسد ظافر العابدين دور “زياد”، رجل الأعمال الذي تتقاطع طموحاته مع قصة حب معقدة تقودها نادين نجيم بشخصية مليئة بالتحولات الصادمة. نادين وعدت جمهورها بأن “الحلقة الأولى ستحبس الأنفاس”، في عمل مؤلف من 30 حلقة يراهن على كسر التوقعات.
3. مسلسل “لوبي الغرام”: كوميديا الفنادق وصراعات “تالا”
بلمسة إخراجية مميزة من جو بوعيد، يأتي مسلسل “لوبي الغرام” ليقدم وجبة “لايت دراما” ولكن بعمق اجتماعي.
التفاصيل: العمل من تأليف منة فوزي وجيمي بوعيد، وتدور أحداثه في فندق فاخر حيث تتقاطع مصائر النزلاء. النجمة جيسي عبدو كشفت عن تعلقها الشديد بشخصية “تالا”، التي تجد نفسها في مفترق طرق غامض وسط مواقف كوميدية ورومانسية متشابكة.
تعود الدراما السورية في رمضان 2026 لتسترد مكانتها كـ “مدرسة” للتمثيل والسيناريو الواقعي، مع رغبة واضحة في معالجة ملفات كانت تُعتبر “خطوطاً حمراء”.
1. مسلسل “مولانا”: صراع الإيمان والذات في أول لقاء بين تيم وحسن ونور علي
يمثل مسلسل “مولانا” التعاون الأول بين النجم تيم حسن والنجمة الصاعدة نور علي. العمل من إخراج شريك نجاحات تيم، سامر البرقاوي، وتأليف لبنى حداد.
طاقم العمل: يضم العمل هامات فنية مثل منى واصف، فارس الحلو، نانسي خوري، وسلاف عويشق.
القصة: يتناول العمل حياة “شيخ” يتمتع بمريدين وأتباع، لكنه يغوص في الصراعات الداخلية للإنسان، وكيف يمكن للمظاهر الدينية أن تخفي خلفها نزاعات شخصية وعائلية حادة.
مسلسلات سورية
2. مسلسل “السوريون الأعداء”: ملحمة العقود الثلاثة
المسلسل المقتبس عن رواية فواز حداد، ومن إخراج الليث حجو، يُعد الوثيقة الدرامية الأكثر جرأة.
الزمن والحدث: يمتد العمل عبر 3 مراحل (من الستينيات، مروراً بمجزرة حماة 1982، وصولاً إلى 2011). العمل لا يطرح خطاباً سياسياً فجاً، بل يراقب كيف يحول “الخوف” الصمت إلى وسيلة للبقاء، وكيف تشكلت الشخصية السورية تحت ضغط السلطة.
3. مسلسل “الخروج من البئر”: جحيم سجن صيدنايا
بسيناريو وحوار من سامر رضوان وإخراج محمد لطفي، يفتح مسلسل “الخروج من البئر” ملف سجن صيدنايا وأحداث العصيان الشهير عام 2008.
الأبطال:جمال سليمان، عبد الحكيم قطيفان، كارمن لبس، نضال نجم، وجفرا يونس. العمل يعتمد على وقائع حقيقية ليكشف خيوط العدالة المفقودة في المعتقلات.
4. “سعادة المجنون”: تريو النجوم عابد فهد وسلافة معمار وباسم ياخور
تحت إدارة المخرج سيف الدين السبيعي وتأليف علاء المهنا، تدور أحداث “سعادة المجنون” حول صراع ثلاثي محتدم.
الشخصيات: “أوس” (عابد فهد) المتهم بالجنون، “ليلى” (سلافة معمار) المرأة الفاسدة باردة المشاعر، و”أشرف” (باسم ياخور) رجل الأعمال الانتهازي. العمل مروي بأسلوب سردي مختلف يكشف كواليس الجريمة والطموح.
5. “مطبخ المدينة”: يوميات دمشق بين التراجيديا والكوميديا السوداء
المخرجة رشا شربتجي تقدم في “مطبخ المدينة” (تأليف علي وجيه) رؤية مجهرية للمجتمع السوري من خلال مطعم دمشقي.
البطولة:مكسيم خليل، عباس النوري، أمل عرفة، يامن الحجلي، محمد حداقي، وفادي صبيح. العمل يعكس التحولات المعيشية القاسية في الأحياء المهمشة بأسلوب يمزج الضحك بالوجع.
تتطور مسلسلات البيئة الشامية هذا العام لتبتعد عن “الفولكلور” السطحي وتدخل في تفاصيل المهن والتاريخ:
مسلسل “اليتيم”: صراع الأخوة على الميراث يصل لحد القتل، ببطولة منى واصف، سامر إسماعيل، شكران مرتجى، وأيمن رضا. إخراج تامر إسحق.
مسلسل “النويلاتي”: فانتازيا تاريخية تركز على مهنة النول ودود القز في دمشق، من بطولة سامر المصري، فادي صبيح، ونادين تحسين بيك.
مسلسل “شمس الأصيل”: يمزج الرومانسية بالصراع الاجتماعي، ببطولة دانا جبر وعبير شمس الدين.
رابعاً: تجارب إنتاجية خارج الصندوق (2026 Trends)
أنس طيارة وسيرين عبد النور: يقدمان مسلسلاً من 6 حلقات (مدة الحلقة دقيقة ونصف) مخصص لـ “الريلز” والمنصات، في تجربة هي الأولى من نوعها بإخراج رندة علم.
مسلسل “عيلة الملك”: عمل معاصر يضم جمال سليمان وأمل عرفة، يتناول ظاهرة “الخوات” وصعود تجار العشوائيات إلى القمة.
مسلسل “حاتم الطائي”: أضخم إنتاج تاريخي لسيرة الشاعر العربي، ببطولة سلوم حداد وتأليف عثمان جحي.
مسلسل “يا أنا يا هي 2”: الكوميديا تعود مع أمل عرفة وأمل دباس في جزء ثانٍ يجمع بين الإنتاج السوري والأردني.
خاتمة: موسم “استعادة البريق”
إن خارطة دراما رمضان 2026 توحي بموسم “نخبوي” لن يمر مرور الكرام. فبين توثيق الوجع السوري في “السوريون الأعداء”، والغموض اللبناني في “بالحرام”، والرومانسية المنتظرة في “ممكن”، يبدو أن الجمهور العربي سيكون أمام تخمة إبداعية تعيد تعريف الدراما الشامية كقائد للمشهد الفني العربي.