أفانين
أو تدبير المتوحد بوصفه متعدّدا
النقد

خالد أمين: الانشطار النقدي المزدوج أو تدبير المتوحد بوصفه متعدّدا

(I)

تنزل الباحثة فاطمة أكنفر في بحثها حول المشروع النقدي عند خالد أمين في دائرة النظرية الديكولونيالية من خلال رصد شجرة القرابة التي تربط التفكير النقدي عنده بأصول هذه النظرية نفسها، كاشفة عن أنساب هذه السلالة الأبستيمية (المعرفية) التي تنطق من فتوحات المفكر إدوار سعيدEdward Saïd فيما يتعلق بمشروعه النقدي للوغوس الاستشراقي باعتباره ترجمانا للوغوس الإستعماري نفسه ورؤيته المفتعلة والإستهامية للشرق من ناحية والتمجيد النرجسي للغرب من ناحية أخرى. وفي سياق هذا التأصيل المرجعي تعيد الباحثة تنسيب فتوحات إدوار سعيد وهي تحاصر مفاهيمه الأساسية (كالهجنة، التابع، المستعمر والمستعمر، المقاومة، الدنيوية) لفروع أخرى من شجرة هذه القرابة المعرفية تصل إلى تفكير أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci خاصة فيما يتعلق بوظيفة الهيمنة الثقافية و عامل القبول المنبثق من الهيمنة الثقافية و مسألة التابع واجتراح مفهوم المقاومة الثقافية كما يتجلى ذلك في أطروحته بخصوص المثقف العضوي .

كما بينت الباحثة فاطمة أكنفر ارتباط هذا الوعي النقدي عند خالد أمين بالسياسي من خلال استيعاب تفكيره لأطروحة ميشال فوكو Michel Foucault بخصوص العلاقة الجدلية المتينة بين المعرفة والسلطة وكذلك لعبة تبادل الأقنعة بين الأبيض والأسود عند فرانز فانون Franz Fanon في تفكيكه للانشطار العضوي الذي يعيشه الإنسان الأسود كبديل جاهز لتنفيذ إملاءات الرجل الأبيض. ومن إدوارد سعيد إلى ميشال فوكو ومرورا بغرامشي و فراتز فانون تجيد الباحثة ترتيب أفرع هذه الشجرة ، شجرة القرابة النقدية و المعرفية ، لتضعنا من خلال مسار التفكير عند خالد أمين على عتبات النظرية الديكولونيالية في مستواها الإحتجاجي والمقاوم من خلال تبني خالد أمين لمنجزات دراسات التابع كما يتجلى ذلك في مباحث غياتري شاكرافورتي سبيفاك Gayatri Spivak و هومي بابا Homi Bhabha ومن انخرط في هذا المنعرج التفكيكي للسرديات الكولونيالية الكبرى، وهو منعرج يروم تنظيم عملية مقاومة لا تقتصر فقط على تفكيك المعرفة الغربية المساهمة في تهميش الكيانات الثقافية المختلفة بل من أجل ترميم الهوية المتآكلة جراء المشروع الإمبرياللي من خلال تشكيل خطاب مضاد .

(II)

ولقد وفقت الباحثة فاطمة أكنفر وهي تنزل تفكير خالد أمين النقدي ضمن منطلقاته المعرفية في تفكيك خيوط تناسجه المعرفي رابطة هذا التفكير النقدي بمشغله الأساسي وهو علاقته بالآخر ومساءلة خالد أمين الدائمة لهذه العلاقة ضمن رؤية جديدة تجتهد في خلق حالة من التموقع الفكري الذي ينظر إلى مسألة الغيرية خارج ثقل المركز وهشاشة الهامش للوصول إلى لحظة اجتراح مقاربة نقدية جديدة محمولة على فكرة الازدواج. ولا يُتبين ذلك إلا بتأصيل هذا المسار الفكري والنقدي عند خالد أمين من خلال الانتساب إلى حزمة الأسئلة المارقة التي يمثلها مشروع “النقد المزدوج” عند عالم الاجتماع المنفلت عبد الكبير الخطيبيAbdelkebir Khatibi الذي استوعب بدوره جدلية الاختلاف كجوهر للغيرية عند جاك ديريدا Jacques Derrida .

تؤكد فاطمة أكنفر على شرعية انتساب خالد أمين الفكرية لأطروحة الخطيبية المتعلقة بالنقد المزدوج ومدارها قطع الصلة مع أيديولوجية الأصل الواحد بالمتعلق بمسألة الهوية والدفع بها نحو التعدد والاختلاف والتشكل المستمر والاستهداف وبشكل مزدوج الثقافتين الغربية والعربية، الأولى في مكمن مركزيتها المتعالية والثانية في نكوصها وارتدادها للتمسك بالماضي التراثي. ودعوة الخطيبي إلى عدم الرجوع لماضي التراثي من أجل إحيائه قطعا للاجترار والتقديس والكف عن التعامل الأعمى مع الفكر الغربي ومركزيته التي ترفض كل اختلاف.

كما تُنبّهنا الباحثة إلى عدم التبعية العمياء لفكر الخطيبي في نقده المزدوج لفلسفة جاك ديريدا من حيث هو النموذج الأبرز في فلسفة الاختلاف بل تذكرنا بتجاوز الخطيبي لهذه الفلسفة حين أقدم على تفكيك الثنائيات الميتافيزقية الجاهزة التي أنتجها اللوغوس الغربي (كـ الطبيعة /الثقافة، الحضور / الغياب، الأنا /الآخر) وقوّض مركزياتها الكبرى (الذات، العقلانية، الحداثة).

واختزلت الباحثة جوهر فلسفة النقد المزدوج عند الخطيبي في كونه نقد “يروم تفكيك المفاهيم المغلقة في العالمين الغربي والعربي، والانسلال إلى جوّانية تلك المفاهيم وتفجير ميتافيزيقيتها وأيديولوجيتها “. كما حاصرت الباحثة أهم المفاهيم الإجرائية المُجترحة في مشروع ” النقد المزدوج ” عند الخطيبي خاصة المتعلقة بنقد الثقافة العربية (ثقافة عصر النهضة) في تجلياتها التراثية والعقلانية والتي سوف تتجلى فيما بعد في التمشي النقدي المزدوج عند خالد أمين.

ومن بين أهم هذه المفاهيم مفهوم الاختلاف الوحشي باعتباره “انفصالا زائفا يقذف بالآخر إلى خارج مطلق. و يؤدي بشكل حتمي إلى ضلال الهويات المجنونة: الثقافوية والتاريخوية و القوموية، و التزمتية الوطنية، والعرقية ..”، وكذلك مفهوم الهوية العمياء والتي يعتبرها الخطيبي وجها من وجوه التراثية والسلفية وذلك حين يشير إلى أن التراثية ” ليست التراث بل نسيانه، وهي كنسيان، تجعل المذهب بديلا عن المسألة الوجودية: أولوية كائن ثابت وأبدي والتراثوية تحافظ على هذه الثبوتية وهذه الأبدية. وتثبتهما إلى الأبد في شريعة البشر لامتلاك الأشياء”.

وبعد هذا البسط الدقيق لأهمية مشروع “النقد المزدوج” لـ عبد الكبير الخطيبي الذي يتبناه خالد أمين تَخلُصُ الباحثة فاطمة أكنفر إلى تحديد رهانات مشروع “النقد المزدوج” حين تشير إلى أن هذا النقد ” لا يتموضع بين الثقافة العربية و الغربية فقط بقدر ما يتموضع في الفضاء بين – بين، بين داخل الثقافة الواحدة نفسها، مخلخلا مراكزها وفاضحا تناقضاتها ” .

ولعل فكرة البين – بين عند الخطيبي، كما عند خالد أمين فيما بعد، ستشكل استراتيجية جدلية على غاية من المرونة والخطورة في بناء فهم جديد للاختلاف يتجاوز بدائية التطابق والثبات والتماثل، وهي استراتيجية كما تشير الباحثة يتم تشغيلها من أجل تنمية وتطوير الذات، إنها حركة مزدوجة من الداخل إلى الخارج ومن الخارج إلى الداخل، من الهامش إلى المركز، ومن المركز إلى الهامش، إنها هجرة وارتحال نحو الذات والآخر.

وخلاصة القول في رأينا أن “النقد المزدوج” ملكة ومهارة في التحرك والتحرر و هو نقد قائم على مفارقة هدم الذات و بنائها في ذات الوقت على محك الاعتقاد في الاختلاف خارج معناه الداريدائي أي الاختلاف (La différence) كإحالة إلى، أو إرجاء تحقق الهوية وانغلاقها الذاتي وخارج الاختلاف (La différance) بوصفه إخلاف الهوية موعدها مع ذاتها و إحالتها إلى الآخر باستمرار ، و ما يستتبعها من أوجاع الإفاقة على التاريخ العاصف على حد تعبير الناقد التونسي توفيق بكار.

(III)

وعلى هذا أساس هذا التنسيب وإيضاح ملامح شجرة هذه القرابة المعرفية كشفت الباحثة فاطمة أنكير على الكيفية المرجعية لانبناء فكر خالد أمين وهو في طريقه إلى بلورة مشروعه النقدي. وبينت كيف أن هذا الإنبناء قد تم من خلال تراص طبقات معرفية متنافذة بشكل عضوي من خلال خيط ناظم يقوم على نقد الثوابت و السرديات و المراكز و الأصول و الهويات و المقدسات، وينطلق من نقد الاستشراق (إ. سعيد) إلى النقد الكولونيالية (ف.فانون) إلى نقد الثقافة المهيمنة (أ.غرامتشي) إلى نقد المعرفة و السلطة (م.فوكو) ووصولا إلى النقد المزدوج (ع.الخطيبي) .

و تضع الباحثة فاطمة أكنفر جهود الناقد خالد أمين في مرتبة عليا قد تتجاوز مهام النقد نفسه حين تضعه في مرتبة ما يروم إلي بلوغه ناقد مثل الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين Walter Benjamin حين تذكر بمقولته : “وإذا أردت أن تنقش اسمك في مجال النقد، فإن ما يتعيّن عليك فعله هو في الحقيقة إعادة خلق النقد بوصفه جنسا”.

وعليه فإن ما أقدم عليه خالد أمين ليس بالشيء الهين والمألوف في مسارات النقد المطمئنة في النقد المسرحي العربي حين يكون السؤال حول النقد إدانة لجوهره ووظيفته الأجناسية . فـ خالد أمين متمسك بوجوب التشكيك في الثوابت التي تحرسها الأصول والدعوة لإعادة النظر في أصول المسرح العربي حيث أقام وعيه – كما تشير الباحثة – على ثلاث رهانات معرفية كبرى :

– (*) رهان الصيرورة القائم على هاجس تجديد أفق النقد المسرحي في كونه قادرا على تحقيق القطيعة مع المعيارية النقدية وتخليصها من الميثولوجيات الأخلاقوية كالموزانة والمفاضلة ومبدأ الاعتراف والجحود أو الوصاية والإفراد.

(*) – رهان بناء كينونة نوعية للنقد المسرحي العربي ما بعد كولونيالي يتم فيه استثمار المشروع الخطيبي في نقده المزدوج باعتباره نقدا تفكيكيا دائما. وأظنها، أي الباحثة، صائبة في حدسها ذاك، ذلك أن ما أقدم وتحليلا دنيويا لا فقهيا أو ميتافيزيقيا.

(*) – رهان التركيب وهو جوهر التدبير النقدي، أي تطويع المعارف النقدية الغربية تطويعا تدبيرا قائما على المحاورة الندية وبعيدا الإنتقائية المفتعلة.

وبناء على هذه الرهانات المركزية وُفّق خالد أمين من خلال منجزه النقدي المتواتر (أي منذ مؤلفاته : ما بعد بريشت، الفن المسرحي وأسطورة الأصل المسرحي، والمسرح والهويات الهاربة، هوامش دراسات الفرجةـ، (ثم) السلطة والمعرفة في المسرح العربي) في إدماج رافد مهم في نهر النقد الراهن المعني بالمقاربة الديكولونيالية الثقافية من خلال اجتراحات جديدة في النقد المسرحي العربي شكلت مشروعا معرفيا قائما على استهداف نقد المركزيات الكبرى، والكشف عن العلاقة بين المعرفة والسلطة، و النقد المزدوج، ومسرح المثاقفة، والتناسج الثقافي، والمطابقة والاختلاف، والهجنة الثقافية، وثقافة الفرجة.

ولا شك أن هذا المشروع المعرفي والنقدي عند خالد أمين لا يستكين إلى ميثولوجيات الأصول في المسرح العربي، كما أنه مشروع يحارب بضراوة ثقافة المطابقة والافتتان الأيديولوجي سواء كان غيريا مع الآخر أو كان غواية إستكانة إلى خدر التراث. ونعتقد أن هذا المشروع المعرفي والنقدي عند خالد أمين قائم بالأساس على يقظة نوعية تدافع عن المسرح العربي من كل إلتباسات وأوهام و إيهامات تسببها تلك العلاقة المعطوبة – أو تلك “الروح المبتورة” على حد تعبير داريوش شايغان – مع الآخر المبتكر من طرف المسرحيين العرب كولونياليا .

(IV)

وبناء على تنبيه أنطونيو غرامشي إلى كون العقل الغربي قد سيطر على الثقافات الأخرى عبر زرع قيم العجز والدونية في كيانها ومارس التشويش على أفكار هذه الثقافات ومعتقداتها ونجح في تعطيل إرادة المقاومة عندها وجعلها متماهية كليا مع هذا النموذج الغربي القائم ، تشير الباحثة إلى اعتبار تفطن خالد أمين إلى زيف هذه المرجعيات الكولولونيالية المستعارة ووجوب تفكيكها يعد المنطلق الأساسي الذي سوف يبني عليه الناقد مشروعه النقدي، خاصة في رفض خالد أمين لسرديات استيعاب العرب للظاهرة المسرحية الواقعة تحت هذا الاستلاب و هي السرديات القائمة على الإمتنان للفضل البونابارتي (باعتبار نابليون سببا في هذه النهضة العربية)، ووجوب مقاومته لأكذوبة اقتناع المسرحيين العرب في عدم امتلاكهم لنص درامي مؤسس يمكن البناء عليه تطبيقا لمنطق تصديق التابع للمتبوع . كما تشير الباحثة أيضا إلى أن هذه المرجعيات المستعارة في الممارسة المسرحية العربية امتدت إلى الممارسة النقدية المسرحية كما ينظر إليها خالد أمين من زاوية وجوب مقاومة ظاهرة المماثلة والمطابقة (التي يشير عبد الله إبراهيم) سواء في المسرح العربي سواء على مستوى الإبداع أو على مستوى النقد المسرحي.

ولعل أهم ما يذكّر به خالد أمين في قراءته للسردية الغربية هو علاقة هذا العقل المسرحي الغربي بالشرق والاستعانة به للخروج من أزماته المستفحلة بالطريقة الأكثر براغماتية، وأكاد أقول الأكثر لصوصية.

ويرى خالد أمين أن قراءة تفاصيل هذه العلاقة بين المسرح الغربي والشرق تؤكد زيف المركزية التي يدعيها المسرح الغربي الذي يستمر في انكار تشوهاته وعدم الاعتراف بأزماته وكأن الناقد يدعونا بشكل غير مباشر إلى ربط الصلة بين الشرعية الغائبة والمنهوبة التي كان بإمكانها أن تُنشأ تلك الألفة البيّنة بين المسرح العربي وبين الشرق. ولعل هذا الوعي قد فتح حسب ما تشير إليه الباحثة أمام خالد أمين أفق المقاربة الأنثروبولوجية التي تعيد تثمين فرجات التابع أفقا لإعادة التفكير في المسرح وبلورة رؤية مغايرة حوله، من خلال تعزيز ثقافة الاختلاف الثقافي لا المطابقة التي تقود التابع إلى تبني المسرح الغربي، والانبهار بتقنياته ونماذجه، والتخلي عن ممارساته وفرجاته المحلية.

(V)

توضح الباحثة فاطمة أكنفر كيف مكّن نقدُ المرجعيات الكولونيالية المستعارة خالد أمين من هندسة تصوّر جديد عن المسرح العربي سواء تعلق الأمر بسردية النشأة، أو بإعادة الاعتبار للنماذج الفرجوية العربية المعبرة عن الذاكرة الجمعية. كما أنه يعيد قراءة عتبة الرّيادة المسرحية فيما يتعلق ببداية المسرح العربي مع مارون النقاش وفق فعل مبدإ التناسج والتثاقف، ثم الانطلاق إلى مراجعة مجريات اللقاء الحضاري شرق /غرب لتثمين الفرجات المحلية وإعادة الاعتبار إليها بعد تهميشها.

كما أن الناقد خالد أمين توجّه بشكل راديكالي إلى تقويض التصورات المسرحية المتمسكة بالقالبية الغربية فيما يتعلق بالدراما وما يحيط بها من سردية جمالية وتعاليم ممارسة، مستهدفا قناعة الإذعان الأعمى للنموذج الغربي المُحرّض على اعتبار الممارسات الفنية والفرجوية ممارسة بدائية ومتخلفة، وينبّه خالد أمين في ذات الوقت إلى وجوب تمثل وإدراك الشرط التاريخي والإلمام بالسّياق الحضاري الذي تطور فيه المسرح العربي من لحظة الريادة إلى الراهن الحداثي. ولعل هذا الوعي التاريخي القائم عند خالد أمين مكّنه من تفكيك ومراجعة التيار التأصيلي في المسرح العربي وتبيان عجزه في اجتراح شكل مسرحي متمايز.

وفي هذا السّياق تشيرُ الباحثة كيف أعاد خالد أمين تشغيل آلية النقد المزدوج في تقويض المركزية من جهة ومواجهة المد التراث المحتفي بأشكال فرجوية بشكل ساذج وسطحي دون القدرة على توظيف ذلك من أجل تطوير نموذج مسرحي عربي قادر على المحاورة والاختلاف دون السقوط في الشوفينية والانغلاق عن الذات. كما رسم خالد أمين رهانا لهذا النقد المزدوج، إذ جعله مساعدا للذات المسرحية العربية للمصالحة مع وجدانه الفرجوي وفي ذات الوقت مع الآخر. كما أن هذا النقد المزدوج المدرك لارتباط الهجنة بطبيعة الجنس المسرحي هو نقد قادر أيضا على اختراق الحدود السلطوية والمعرفية.

والهجنة هي إدراك للتعددية الثقافية، كما أنها “فضاء ثالث ” حسب ما يصفه هومي بابا Homi Bhabha وفي إطار يُثمّن التفاوض باعتباره سبيلا للمشاركة وتجاوز الحدود والاعتراف بالتقاطع التاريخي والحضاري بين الثقافات. وعلى هذا الأساس يعتبر خالد أمين الإقرار بالهجنة المسرحية إقرار بوجوب التفاوض مع الآخر واعتبارها استراتيجية ثقافية تلغي ما تدعيه الثقافات من نقاوة وتفرد جوهراني في مواجهة الثقافات الأخرى، وهي استراتيجية أيضا تحقّق الانفتاح والقدرة على التجدّد.

يتمسك خالد أمين في رأي الباحثة بفاعلية المسرح المزدوج يقدر تمسّكه بالمقاومة المزدوجة، أي مقاومة الذات والآخر في ذات اللحظة، والانفتاح على الآخر دون مركب عظمة أو عقدة نقص. وعبر هذا النقد المزدوج وهذه المقاومة المزدوجة يفتح خالد أمين أفقا في القراءة النقدية الجديدة المدركة لأهمية التناسج الثقافي والنظر في التناسج الفرجوي لمزيد من تفكيك العناصر الخفية والمضمرة التي تكتنفُ سردية الآخر في سياق رحلة المثاقفة والهجنة وإعادة النظر في طريقة تفاعل الغرب مع التابع.

(VI)

وعلى هذا الأساس يتقدم مشروع خالد أمين من خلال استيعابه لمفهوم التناسج الذي استقاه من الباحثة الألمانية إريكا فيشر ليشته Erika Lichteكتتويج لإعادة النظر وتفكيك مسألة المثاقفة. ومفهوم التناسج مفهوم نقدي يقوم على رصد ومراجعة مسألة الهوية في سفرها وعدم إستقرارها معيدا الاعتبار لدور التابع بعد استبعاد قسري – على حد عبارة الباحثة – من دائرة الإنسانية من جهة واعتراف بالهوية المهاجرة للآخر الذي يسكن فينا من جهة أخرى .

كما تشير الباحثة أن مفهوم التناسج عند خالد أمين يستضيء بآلية النقد المزدوج باعتباره أفقا للتفكير الكوسموبوليتي كما يشير عبد الكبير الخطيبي مما يجعل من مفهوم التناسخ حركة دؤوبة لإنتاج الاختلاف عوض تكريس ثقافة المطابقة، وهو بهذا المنطق عبور مزدوج نحو الآخر كمرجع، ونحو الذات كخزان من أجل استنبات بنية فرجوية جديدة.

كما تؤكد الباحثة أن خالد أمين لا يستكين لمفهوم التناسج تمام الاستكانة فهو يعي بأن مسرح المثاقفة / الهجنة محفوف بمخاطر النفعية واستغلال ثقافات الشعوب المختلفة وإفراغها من محتواها الأصلي علاوة على الاستعلاء الذي لا يخفيه الآخر في التعامل مع التابع.

ودرءا لكل ذلك يعتقد خالد أمين في التناسج من خلال رسم حدوده و أهدافه :(*) – كمراعاة التناسج لمبدإ التغيير وقانون السيرورة التي الذي يميز الثقافة (*)- اضمار التناسج إمكانية التعايش بين الفرجات و الثقافات لخلق حالة المابينية (*) – انزياح التناسج عن القطبية وبناء حوار بديل (جنوب – جنوب ) على مستوى المسرح و تثمين التنوع الفرجوي وخصوصياته الثقافية (*) – انحبال التناسج بالتعدد أكثر مما ينتصر للوحدة والتطابق، يستوعب فرجات الذات والآخر.

وأمام هذا الطرح المتعلق بمسألة التناسج عنده تؤكد الباحثة إلى جملة المخاطر المحفوفة به في كون التناسج نفسه لا يلغي بشكل جذري كمون هيمنة الآخر المتوفق في هذا التبادل التشارك ، كما أنها تشير إلى ” توتر مفهوم التناسج وارتباكه يفسر الصعوبة التي واجهها خالد أمين وهو ينقل المفهوم الألماني إلى حضن الثقافة العربية، وهي صعوبة ارتقت لديه لتصل إلى حجم المغامرة، فمفهوم التناسج لديه مكون من معان مختلفة منها “الطي، والتداخل، والروابط، والتشابك، والإشكالات المفتوحة “ما يجعله مفهوما مركبا ومنفتحا، يقترن لديه بالنقد المزدوج، ويضيف إليه رؤى ومعاني جديدة قد تغيب حتى في أصله الألماني ” .

ومهما يكن من أمر فإن مقترح خالد أمين بخصوص مسألة التناسج في مشروعه النقدي يعيد إلينا إحياء الإعتراف بأحقية هذه المحاولة مع الغرب نفسه (وهو ما تعبر عنه اريكا فيشر نفسها ) وهو إحياء و تشغيل جديد لمشروع “النقد المزدوج ” لعبد الكبير الخطيبي الذي بدوره افتك اعتراف الآخر بنجاعة مراجعاته التفكيكية لتلك المركزية الغربية المتعالية في علاقتها بالآخر وهو ما يعبر عنه رولان بارط Roland Barthes في نصه الشهير ” مَا أدينُ به للخطيبي ” Ce que je dois à Khatibi حين يقول: ” إنني و الخطيبي نهتم بأشياء واحدة، الصور ، الأدلة ، الآثار ، الحروف، العلامات . وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديدا، يُخلخلُ معرفتي، لأنه يُغيّر مكان هذه الأشكال كما أراها، يأخذني بعيدا عن ذاتي إلى أرضه هو، في حين أشعر كأنني في الطرف الأقصى من نفسي “.

————————–

(*) – تعقيب على بحث فاطمة أكنفر “النقد المسرحي المغربي وتفعيل آلية النقد المزدوج تفكيك المفاهيم الكولونيالية وتأسيس خطاب مسرحي عابرة للحدود تجربة خالد أمين” – المؤتمر الفكري – مهرجان المسرح العربي – الدورة 16 – القاهرة 2026

د. عبد الحليم المسعودي

10 جانفي 2026 – القاهرة

ذات صلة

مسرحية «الذباب»

suwaih

قراءة في قصة ” لا أثر للفراشات” للأديب الليبي فتحي نصيب

suwaih

رؤى نقدية في فواجع الساعة “الثامنة بتوقيت الموت”

suwaih

ندبة الجمال والغياب: دراسة ذرائعية في الدلالات الوجودية والجمالية لديوان ندبة أوليس

suwaih

“الحلم الذي ينأى” قصص ليبية تبحث عن الدفء في رماد العبث

suwaih

قراءة في كتاب “شيفرة دافنشي” تأليف دان براون 

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية