حين رأى إبراهيم الكوني نهرًا للمرة الأولى

جمعة بوكليب

«عُدوسُ السُرى» هو الاسم الذي اختاره الروائي إبراهيم الكوني ليكون عنوانًا لسيرته الذاتية، وبعنوان جانبي «روح أمم في نزيف ذاكرة». صدر الجزء الأول منها العام 2012 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت.

تفسر المعاجم «عُدُوسُ السُّرى» كالآتي: عُدُوس: (اسم). عُدُوس: مصدر عَدَسَ· عَدوس: (اسم). العَدُوسُ من الناس والدواب: القوي على السير والسفر ليلاً. وفي الأدب تستخدم العبارة أحيانا للإشارة إلى المحتمل للكفاح والترحال والسهر أو الذي يسعى في دروب الحياة بصبر وقوة. الروائي إبراهيم الكوني يقصد بها الرحلة الطويلة والكفاحية.

حين أتيحت لي فرصة قراءة سيرة الكوني استوقفني مشهد اللقاء الأول بين الكاتب التارقي ابن الصحراء والنهر. حدث اللقاء في مدينة موسكو في العام 1970. الكوني يصف موسكو بأنها «هبةُ الشمال الكلاسيكي». وقتذاك، كانت المدينة عاصمة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. وكان الكاتب قد وصلها شابًا للدراسة، قادمًا من طرابلس عبر تونس، صحبة صديق ليبي.

نحن الليبيين سواء منّا من سكن الساحل أو الجبل والواحات أو الصحراء نتساوى في علاقتنا بالأنهار. العلاقة واقعيًا بيننا وبينها قائمة على السماع والقراءة في أحسن الأحوال، وليس على المعايشة اليومية كالتي مثلاً بين مواطن مصري أو سوداني والنهر. وبالتأكيد، تتفاوت النسب. العلاقة تكون في أعلى نسبها تفاوتًا ومفارقة بين القادم من فجاج الصحراء وكثبان رملها وجفافها القاتل والنهر.

يكتب الكوني عن ذلك اللقاء الأوّلي فيقول: «في موسكو قُدّر لبصري أن يرى النهر: غَمرٌ سَخيٌ يجري باديًا ولا حاجة لأن يستخرج استخراج الكنوز كما في الصحراء».
أمام النهر، وجهًا لوجه، لأول مرّة، يصابُ ابن الصحراء بدهشة عُمره. تبدلت لغة السارد إبرهيم الكوني فجأة. جَرتْ سلسلة عذبة وشاعرية متماهية مع شاعرية جريان النهر وعذوبة مياهه. تلك اللحظة، أضحى السارد شاعرًا، في حين أن النهر، يقول الكوني «قصيدة متقنة دائمًا وملحمة حقيقية».

يرى أشجار البتولا السامقة على ضفتيه فيتذكر ما قرأه من أشعار شعراء روسيا العظام وما تغنّوا به من قصائد عنها. النهر الموسكوي، تلك اللحظات كما يراها الكوني، «يخرج عن طبيعته الملقبة خطأ بالماء ويصير روحًا تسري في شرايين المدينة (موسكو) سريان الروح في الجسد» رابطًا كل الأحياء، مثل همزة وصل.

الدهشة الأولى أمام روعة النهر، ووفرة الماء العذب ليس سهلاً وصفها لمن يراها للمرة الأولى، وهي تجربة لا تنسى، ولا تقتصر على روائي ابن صحراء بحجم إبراهيم الكوني، لكنها، في رأيي، تصيب كل من يرى نهرًا في حياته للمرة الأولى. البعض قد يصاب بالبكم. والقلة قد يضحون شعراء. وفي المابين تتفاوت التجارب وتتنوع.

اللافت في تجربة إبراهيم الكوني الأولى مع النهر في موسكو، أنها بقدر ما أدهشته وحوّلته إلى شاعر، سرعان ما أحنقته وأغضبته بمجرد زوال تأثير الدهشة أو الصدمة. السبب في ذلك هو أنه تحسّر لأن جريان ذلك الغمر السخي العذب يهب نفسه بالمجّان. في ذلك المشهد تحضر وقتيًا ومباشرة تجربة الظمأ في الصحراء. وتبدأ المقارنة بالمتاعب التي يواجهها أهل الصحراء في حروبهم اليومية المتواصلة ضد الموت عطشًا. الكوني يرى أن النهر «يبتذل نفسه ويغترب عن هوّيته القدسية بروح المجان، لأن ما لا قيمة له وحده يهب بالمجّان». شدّة حنقه وغضبه على الإجحاف النازل بأبناء جلدته الصحراويين تجعله يُشبّه النهر بـ: «غانية استمرأت السقوط فتهب نفسها مجانًا». وكما تُهان تلك الغانية يُهان النهر من قبل المستهترين: «الذين لم يجربوا ظمأ، ولم يعرفوا يومًا معنى غياب الماء، فاختفت من قلوبهم حقيقة الماء، ولم يقرأوا، في حضور الماء، معجزة الماء».

من جهة أخرى، يتبدد ذلك الغضب على مجانية النهر، وينعطف نحو مسرب آخر. فجريان النهر هو تأكيد على حريته في بلد محروم من الحرية، يصحو وينام على العسف والقمع ويقتات على الشعارات. النهر وقتذاك في مدينة موسكو (هبة الشمال الكلاسيكي) يتحول إلى ناقوس يدق في رؤوس سكان المدينة مذكرًا إياهم بما افتقدوه ويفتقدونه: الحرّية. يوضح الكوني: «النهر لا يبالي. النهر يجري. النهر يسري. النهر يستخفّ بشعارات الباطل».

النهر، في ذلك اللقاء الأول، لم يكن مجرد رؤية لكتلة مائية، بل كان صدمة وجودية ورحلة تأمل. النهر يمر بتحوّلات سريعة عند الرائي/ الروائي. يبدأ بكونه غمرًا سخيّا وقصيدة متقنة وملحمة حقيقية تنعكس إيجابًا على روحه فتصفو لغته وترقُّ مثل جريان مائه، مرورًا بتحوله إلى غانية مجانية تُهان من قبل مستهترين لم يعرفوا يوما غياب الماء، وينتهي بأن يصبح أيقونة حرّية، في مدينة محرومة من الحرية.

أحدث المنشورات

“العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم”

الدكتورة جيهان الدمرداش "العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم" قراءة نفسيّة أنثروبولوجيّة جماليّة في رواية…

17 ساعة منذ

«أزمة الشعر المعاصر» لشكري عياد.. إصدار جديد يعيد قراءة جوهر القصيدة وإنسانيتها

في خطوة ثقافية رائدة تهدف إلى إحياء الذاكرة النقدية العربية، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب…

17 ساعة منذ

اليوم العالمي للإذاعة.. صوت الإنسانية الذي لا يغيب في 13 فبراير

مقدمة في عالمٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتغير فيه أدوات الإعلام يومًا بعد يوم، تبقى…

21 ساعة منذ

لغز «بخنوق عيشة»: رحلة النص المشفّر من رمال ليبيا إلى مسارح الرشيدية بتونس

أغنية بخنوق عيشة.. تداخل مغاربي يجمع بين النص الليبي واللحن الجزائري والتهذيب التونس أغنية "بخنوق…

يومين منذ

نور الدين الإسماعيل يوقع “مخاتير المحصورة”: رواية تعري صناعة “المخبر” في الأرياف المسحوقة

في إطار فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، وقع الشاعر والصحفي السوري نور الدين الإسماعيل روايته…

3 أيام منذ

بعد غياب 7 سنوات: مهرجان “أم جرس” الدولي يعيد نبض الثقافات الصحراوية إلى قلب تشاد

بعد انقطاع طال انتظاره لمدة سبع سنوات، عادت مدينة "أم جرس" في شمال شرق تشاد…

3 أيام منذ