أفانين
الفنان حسن عريبي
الفنون

حسن عريبي.. شيخ المالوف الليبي وسفير الأندلس الموسيقية

مقدمة: حين يغنّي التاريخ بصوت المالوف

ليس المالوف الليبي مجرد لون غنائي، بل هو ذاكرة مدينة، ونَفَس حضارة، وصدى قرونٍ طويلة حملت العرب من الأندلس إلى ضفاف المتوسط الجنوبية. هو فنٌّ معتّق، تشرّبت أنغامه مقامات الشرق وروح الغرب، وتواطأت فيه الكلمة مع النغمة لتصنع حالة روحية وجمالية نادرة. وفي قلب هذا الفن، ينهض اسم حسن عريبي بوصفه أحد أعمدته الكبار، وشيخاً من شيوخه الذين لم يكتفوا بالحفظ والترديد، بل خاضوا مغامرة الإحياء والتجديد، دون أن يكسروا حرمة الأصل.

كان حسن عريبي أكثر من موسيقار؛ كان حارساً للذاكرة الأندلسية، ووسيطاً أميناً بين الماضي والحاضر، استطاع أن يعيد المالوف من فضاء الزوايا والطقوس المغلقة إلى خشبات المسارح العالمية، دون أن يفقده وقاره الروحي أو نَفَسه الصوفي. برحيله، فقدت الموسيقى الليبية واحداً من أعمدتها، لكن ما تركه ظل حيّاً، يتردّد في النوبات، وفي أصوات المريدين، وفي ذاكرة مدينة تتنفّس المالوف كما تتنفّس البحر.

صورة نادرة لكوكب الشرق الفنانة أم كلثوم صحبة والدي الفنان حسن عرببي رحمهما الله
صورة نادرة لكوكب الشرق الفنانة أم كلثوم صحبة والدي الفنان حسن عرببي رحمهما الله

النشأة والجذور الروحية

وُلد حسن علي مختار عريبي في مدينة طرابلس سنة 1933، في بيئة متديّنة توارثت حفظ القرآن والانتماء إلى الزوايا الصوفية. هناك، في الكتاتيب والزوايا، تشكّلت أولى ملامح شخصيته الفنية، حيث المدائح النبوية، والإيقاعات المصاحبة للدفوف، والإنشاد الجماعي الذي يرفع الصوت إلى مقام الروح.

هذا التكوين المبكر ترك أثره العميق في مسيرته، فكان المالوف لديه امتداداً طبيعياً للإنشاد الديني، لا قطيعة معه. ومنذ شبابه، تعلّق بالجامع والزوايا، وردّد المدائح، قبل أن يشتري آلة العود ويبدأ رحلته مع الموسيقى، رغم معارضة والده التي بلغت حد كسر عوده. لكن العشق، كما يقول العارفون، لا يُكسر.


من بنغازي إلى الإذاعة: بداية الاحتراف

انتقل حسن عريبي إلى مدينة بنغازي، حيث عمل موظفاً في وزارة المواصلات، وهناك وجد فضاءً أوسع لممارسة شغفه الفني. تطورت قدراته، وتوسعت علاقاته في الوسط الموسيقي، إلى أن كان افتتاح الإذاعة الليبية في بنغازي عام 1959 نقطة تحوّل مفصلية في حياته.

تعرف عريبي على المطرب الليبي الكبير محمد صدقي، الذي اكتشف موهبته الغنائية، وقدّم له أولى أغانيه الشهيرة «كيف نوصفك للناس»، لتكون بداية مشوار فني مشترك صنع اسميهما معاً. بعدها التحق عريبي بقسم الموسيقى في الإذاعة كمستشار فني، وبدأ مرحلة جديدة من العطاء.


ملحن العرب وصانع الأصوات

لم يقتصر دور حسن عريبي على الغناء، بل برز ملحناً متميزاً، قدّم ألحاناً لعدد من أبرز الأصوات الليبية والعربية، من بينهم عطية محسن، إبراهيم حفظي، ومن المطربات العربيات سعاد محمد، هدى سلطان، نازك، إلى جانب التونسيات عليا ونعمة.

تميّزت ألحانه بقدرتها على المزج بين الطرب العربي الكلاسيكي والروح الأندلسية، ما جعلها قريبة من الذائقة العامة، دون أن تفقد عمقها الفني.


الفنان حسن عريبي
الفنان حسن عريبي

العودة إلى طرابلس وتأسيس فرقة المالوف

سنة 1964، عاد حسن عريبي إلى طرابلس، تسبقه شهرته الفنية، وأسّس في الإذاعة الليبية فرقة المالوف والموشحات، التي ضمّت نخبة من الأصوات والعازفين، مثل علي القبرون، عبد اللطيف حويل، خالد سعيد، وراسم فخري.

قدّمت هذه الفرقة المالوف بروح جديدة، موسيقياً وصوتياً وبصرياً، حيث ارتدى أعضاؤها الزي الليبي التقليدي، ليصبح المالوف فناً شعبياً ووطنياً، لا نخبوياً فقط. وبفضل هذه التجربة، انتشر المالوف في مختلف المدن الليبية، وتعلّق به الشباب كما الكبار.


التجديد في حضرة التراث

جرأة حسن عريبي لم تكن في كسر القواعد، بل في توسيع أفقها. أدخل بعض الآلات الموسيقية الغربية إلى نوبات المالوف، رغم اعتراض بعض شيوخ الجيل القديم، لكنه أقنعهم لاحقاً حين لمسوا جمال الإضافة وانسجامها مع الأصل.

كما طعّم بعض النوبات بالزجل المعدّل، وسعى إلى تقريب اللهجات المغاربية في النصوص، بالتشاور مع كبار شيوخ المالوف في تونس والجزائر والمغرب، ليجعل هذا الفن عابراً للحدود، كما كان في زمن الأندلس.


قصائد خالدة بصوت الزمن

ارتبط اسم حسن عريبي بعدد من القصائد التي أصبحت علامات في المالوف والموشحات الأندلسية، من أبرزها:

  • قصيدة المنفرجة لابن النحوي
  • قصيدة الوصايا لابن الوردي
  • نعس الحبيب
  • ناح الحمام المطوّق

في أدائه لهذه القصائد، لم يكن مجرد منشِد، بل شارحاً ومفسّراً، يقدّمها للجمهور بسياقها التاريخي والشعري والمقامي، ما جعل حفلاته دروساً فنية وثقافية متكاملة.


من طرابلس إلى باريس: المالوف على المسارح العالمية

تجاوزت شهرة حسن عريبي حدود ليبيا، فأحيا حفلات في تونس، الجزائر، المغرب، مصر، لبنان، الكويت، وأوروبا. وكان حفل دار الأوبرا في باريس عام 2006 علامة فارقة، حيث قدّم قصيدة المنفرجة في أمسية وُصفت بالباذخة، مؤكداً أن المالوف قادر على مخاطبة العالم بلغة الجمال.

لهذا وُصف عريبي بـ سفير الفن الليبي، الذي حمل تراث بلاده إلى المحافل الدولية دون أن يفقد هويته.


مناصب وأوسمة

نال حسن عريبي العديد من الأوسمة وشهادات التقدير، وكان:

  • أول نقيب لنقابة الفنانين في ليبيا عام 1974
  • رئيس المجمع العربي للموسيقى في جامعة الدول العربية
  • رئيس مؤتمر الموسيقى العربية
  • رئيس مهرجان الأغنية الليبية في دورته الثانية عام 2003

كلها مناصب تؤكد مكانته العلمية والفنية في العالم العربي.


مناصب وأوسمة حسن عريبي

حظي الموسيقار الليبي حسن عريبي بمكانة رفيعة على المستويين المحلي والعربي، تقديرًا لإسهاماته الكبيرة في حفظ وتطوير فن المالوف والموشحات الأندلسية، حيث تقلّد عدداً من المناصب الفنية والثقافية البارزة، ونال أوسمة وشهادات تقدير تؤكد قيمته الفنية والعلمية.

مناصبه الفنية والثقافية

  • أول نقيب لنقابة الفنانين في ليبيا عقب تأسيسها سنة 1974، حيث ساهم في تنظيم العمل الفني والدفاع عن حقوق الفنانين.
  • رئيس المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، والذي يضم نخبة من كبار الموسيقيين والباحثين العرب.
  • رئيس مؤتمر الموسيقى العربية، أحد أهم المحافل الموسيقية العربية المتخصصة في التراث والتجديد.
  • رئيس مهرجان الأغنية الليبية في دورته الثانية، المنعقدة في مدينة طرابلس عام 2003.
  • رئيس قسم الموسيقى في إذاعة طرابلس خلال فترة من فترات عطائه، حيث أشرف على إنتاج عدد كبير من الأعمال الخالدة.

الأوسمة والتكريمات

نال حسن عريبي عديد الأوسمة وشهادات التقدير من مؤسسات ثقافية وفنية داخل ليبيا وخارجها، تكريمًا لدوره في:

  • إحياء التراث الأندلسي والمالوف الليبي.
  • تمثيل ليبيا في المهرجانات الدولية.
  • المساهمة في توثيق الموسيقى العربية التقليدية أكاديميًا وفنيًا.

وقد اعتُبر، بإجماع النقاد، أحد شيوخ المالوف في المغرب العربي وأحد أعمدته في القرن العشرين.


الحفلات والمهرجانات التي شارك فيها حسن عريبي

لم يقتصر تأثير حسن عريبي على الساحة الليبية فحسب، بل تجاوزها إلى الفضاء العربي والدولي، حيث جاب مع فرقة المالوف والموشحات والألحان العربية عدداً كبيراً من العواصم، مقدّمًا حفلات خالدة شكّلت جسوراً ثقافية بين ليبيا والعالم.

مشاركاته العربية والدولية

  • مهرجان تستور الدولي للمالوف والموسيقى التقليدية – تونس
    شارك في أكثر من أربعين دورة رسمية وشرفية منذ عام 1967، وكان أحد أبرز شيوخه.
  • كازينو البيكاديلي – بيروت (1983)
    قدّم حفلات نالت إعجاب النخبة الثقافية اللبنانية والعربية.
  • مهرجانات الموسيقى العربية – دار الأوبرا المصرية
    شارك في دورات أعوام: 1991، 1995، 1998، 2003.
  • حفل قصر التازي – فاس (1994)
    أحد أبرز عروض المالوف في المغرب، وسط حضور نخبة من شيوخ الموسيقى الأندلسية.
  • دار الأوبرا في باريس (2006)
    حفل تاريخي قدّم فيه قصيدة المنفرجة، مؤكداً عالمية المالوف الليبي.

أسابيع ثقافية ومهرجانات

  • الأسبوع الثقافي الليبي – الإيطالي (1995 – 1998)
  • الأسبوع الثقافي الليبي – القطري (1996)
  • الأسبوع الثقافي الليبي – المصري (1998 – 2002)
  • احتفالات العيد الوطني في غامبيا (1997)
  • مهرجان القرين الثقافي – الكويت (2002)
  • مهرجان المالوف والموسيقى الأندلسية – الجزائر (2008، 2010)

هذه المشاركات رسّخت صورة حسن عريبي بوصفه سفيرًا غير رسمي للفن الليبي في المحافل الدولية.

الرحيل… وبقاء الصوت

في 18 أبريل 2009، رحل حسن عريبي إثر أزمة قلبية، وهو يقود سيارته أمام نادي الاتحاد بطرابلس. شيّعته ليبيا في جنازة مهيبة، حضرها الفنانون والمثقفون، مودّعين شيخ المالوف وسيد نوباته.

رحل الجسد، لكن الصوت بقي. بقي في النوبات، في الزوايا، في الإذاعات، وفي ذاكرة مدينة ما زالت تتنفّس المالوف.


خاتمة

كان حسن عريبي أكثر من فنان؛ كان مشروعاً ثقافياً متكاملاً، أعاد الاعتبار لفن المالوف الليبي، وربطه بجذوره الأندلسية، وفتحه على آفاق العصر. وبفضله، لم يعد المالوف تراثاً ماضوياً، بل فناً حيّاً، قادراً على الاستمرار.

رحل الشيخ الأندلسي، لكن الأندلس ما زالت تغنّي بصوته.

ذات صلة

ختام الملتقى الرابع للفنون التشكيلية في شقراء السعودية

suwaih

حيث الضوء يجمع الفن والطبيعة في كتلة جمالية واحدة

suwaih

“الفن مسؤولية”: دواية للحروفيات تحتفل بعقد من الإبداع وتطلق “بينالي الحرف” من قلب المدينة القديمة

suwaih

المغرب / تتويج الفائزين بجوائز الدورة الـ 15 للمسابقة الدولية للبيانو 

suwaih

في ذكرى رحيله… محمد حسن، صوتٌ ليبيّ عبر الزمن ولم ينكسر

suwaih

بغداد دائرة الفنون الموسيقية تستعد لإحياء أمسية طربية تجمع التراث والريف

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية