بليغ حمدي
في حي شبرا العريق بالقاهرة، وفي صيف عام 1931، ولد بليغ عبد الحميد حمدي. لم يكن طفلاً عادياً؛ فقد كان يترك اللعب مع أقرانه ليتسمع إلى “دقات النحاس” في ورش الحي، أو يلاحق عازفي الربابة في الموالد. اشترى له والده عوداً وهو في التاسعة، ولم يمضِ وقت طويل حتى صار بليغ لا يعزف على الأوتار، بل يهمس لها. ورغم التحاقه بكلية الحقوق، إلا أن القانون الوحيد الذي اعترف به كان “قانون النغم”.
من أغرب القصص في تاريخ الموسيقى هي قصة لحن “حب إيه”. كان بليغ شاباً مجهولاً تقريباً في أواخر العشرينيات. في سهرة بمنزل الدكتور زكي سويدان، كان بليغ يجلس في ركن بعيد يعزف لحناً جديداً كان قد بدأه لعبد الحليم حافظ.
دخلت أم كلثوم السهرة، وسمعت بليغ وهو يغني بصوته الرخيم: “حب إيه اللي جاي تقول عليه”. صمت الجميع، واقتربت “الست” منه وسألته: “لحن مين ده يا ولد؟”. ارتبك بليغ وقال: “لحني يا ست”. طلبت منه أن يكمل، وفي نهاية السهرة قالت له: “تجيلي بكرة الساعة 9 الصبح في بيتي بالزمالك”.
لم ينم بليغ ليلتها، وذهب إليها، وظن أنها ستمهله شهوراً، لكنها أخذت منه اللحن وغنته في ديسمبر 1960، لتكون تلك الأغنية هي الجسر الذي عبرت به أم كلثوم من الكلاسيكية القديمة إلى “عصر بليغ” الحديث.
كان عبد الحليم حافظ يلقب بليغ بـ “الواد المعجزة”. لكن العلاقة بينهما لم تخلُ من “الغيرة” اللذيذة. يُحكى أن عبد الحليم عندما سمع لحن بليغ لأم كلثوم (ألف ليلة وليلة)، اتصل به وقال عاتباً: “يا بليغ إنت بتدي الست أحلى ألحانك وتديني أنا الفضلة؟”.
فرد بليغ بتحدٍ: “يا حليم، الست ليها هيبة، وإنت ليك العصرية”. ومن هنا ولد لحن “سواح” و “زي الهوا”. بليغ هو من أدخل “الجيتار الكهربائي” و”الأورج” في فرقة عبد الحليم، وهو من أقنع “العندليب” بغناء الألوان الشعبية الراقية مثل “على حسب وداد قلبي”، محطماً بذلك قيود الأغنية الرومانسية التقليدية.
قصة بليغ ووردة الجزائرية هي “روميو وجولييت” الموسيقى العربية. بدأت الحكاية عندما شاهدت وردة بليغ في فيلم “ألمظ وعبده الحامي” وأعجبت بلحنه، وعندما التقت به في القاهرة وقعا في الحب من النظرة الأولى.
لكن أهل وردة رفضوا بليغ في البداية وزوجوها من ضابط جزائري واعتزلت الفن. ظل بليغ لسنوات يؤلف ألحاناً يرسلها لها “مشفرة” عبر الإذاعة. يُقال إن أغنية “العيون السود” كتبت قصتها وردة بنفسها، ولحنها بليغ وهو يبكي. عندما عادت وردة للفن وللشرق، كان بليغ في انتظارها على باب المطار، وتزوجا في بيت الراقصة نجوى فؤاد، وكان عقد قرانهما مهرجاناً للموسيقى والحب.
كان بليغ يعيش في عالم موازٍ. لم يكن يحمل ساعة في يده، ولم يكن يلتزم بموعد. كان يلحن في أي مكان.
من أعظم مواقف بليغ هي قدرته على تطويع “الإنشاد الديني”. في عهد الرئيس السادات، طُلب من بليغ تلحين دعاء للشيخ سيد النقشبندي. رفض النقشبندي في البداية قائلاً: “كيف يلحن لي (ملحن العيون السود)؟ سيعجلني أرقص!”.
ذهب بليغ إليه وجلس معه، وبدلاً من أن يعطيه لحناً صاخباً، أعطاه لحن “مولاي إني ببابك”. عندما سمع النقشبندي اللحن، بكي وقبل رأس بليغ، وأصبح هذا العمل هو أيقونة التواشيح الدينية في العالم الإسلامي حتى يومنا هذا.
في عام 1984، بدأت مأساة بليغ الكبرى بحادثة سقوط فنانة مغربية من شرفة منزله. رغم براءته التي ثبتت لاحقاً، إلا أنه اضطر للهرب والعيش مغترباً بين باريس ولندن لسنوات. في الغربة، كتب بليغ أكثر ألحانه شجناً. كان يتصل بأصدقائه في مصر ويسمعهم صوت “النيل” عبر الهاتف ويبكي. قال في تلك الفترة: “أنا لا أخاف الموت، أنا أخاف أن أموت بعيداً عن تراب مصر”.
رحل بليغ حمدي في 12 سبتمبر 1993 في باريس. عاد جثمانه إلى مصر التي أحبها، وشيعه الملايين. بليغ لم يكن مجرد ملحن، كان “حالة” وجدانية. هو الذي جعلنا نحب بـ “سيرة الحب”، ونشتاق بـ “بعيد عنك”، ونبكي بـ “خليك هنا”.
بليغ حمدي هو الملحن الوحيد الذي لا يمكن أن تخطئ أذنك لحنه؛ فهو يمتلك “بصمة” روحية تجعل الموسيقى تطير فوق حدود الزمن.
الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…
أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…
“تذكر دوماً أنني أحبك” رواية جديدة للأديبة وفاء شهاب الدين عن دار اكتب للنشر صدر حديثًا…
صدر أخيرًا عن «دار ليبيا المستقبل» كتاب نقدي جديد بعنوان «فاعلية الواقعية السحرية في الرواية…
بدأت عروض مسرحية "الدور السابع" على خشبة مسرح محمد العلي في بوليفارد رياض سيتي، من…
قدّمت الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي أمسية فنية حافلة ضمن فعاليات موسم الرياض 2026، في حفل…