الثقافة

باحثة ليبية تقدم إجابات عن أسئلة الهوية الليبية

تحت عنوان «الهوية الثقافية الليبية بين السرديات التاريخية والقراءة الفلسفية النقدية»، استقبلت قاعة المجاهد بالمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، الأسبوع الماضي، محاضرة الدكتورة فوزية مراد، التي تحدثت خلالها الباحثة عن مضامين الهوية التاريخية وتقديم رؤية فلسفية مبنية على قاعدة ثقافية.

الباحثة أشارت إلى أن المجتمعات العربية تمر بتحولات مفصلية على الصعيد الاجتماعي والسياسي والفلسفي والتاريخي، لذا كان الحديث عن الهوية ضرورة معرفية، والمجتمع الليبي في هذا الإطار ليس منفصلا عن واقع الأحداث الحاصلة خصوصا وهو يحفل بتنوع ثقافي يجعله في دائرة البحث الفلسفي للهوية.

وقالت في محاضرتها «إن الهوية لا تعني مجموعة من العادات والرموز والتقاليد وإرث تاريخي جامد من الماضي، لكنها على العكس من ذلك تتمتع بديناميكية حية تتفاعل مع الزمن وتعيد تشكيل نفسها باستمرار، وفقا للتحديات والفرص التي يفرضها الحاضر والمستقبل».

وفي محاولتها فهم الأسس الثقافية للهوية الليبية، ارتأت الباحثة الإبحار في خمس محطات هي «المضامين المعرفية للهوية الليبية، وتحديد أهم الأهداف التي ترتكز عليها، واستعراض أهم السرديات التاريخية التي شكلت الوعي الجمعي الليبي، وكذلك القراءة الفلسفية النقدية بهدف توضيح كيف أتاحت لنا تجاوز الانقسامات الثقافية والسياسية وصولا إلى إبراز أهم التحديات المعاصرة التي تواجه الهوية الليبية اليوم».

هوية متعددة الأبعاد
فيما يخص المضامين المعرفية، شددت الباحثة على ضرورة أن يُفهَم المجتمع الليبي من خلال أبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية والذي تشكل من خلال التاريخ والجغرافيا والثقافات المتعددة، كما نرى في الأمازيغية والعربية الإسلامية، مرورا بالاستعمار الإيطالي وتأثر الهوية به بشكل كبير ثم ظهور دولة الاستقلال، هذه العوامل أنتجت لنا هوية غنية متعددة الأبعاد.

اعتبرت الباحثة أن القيم تعد أبرز تلك الأبعاد حيث تشمل التكافل الاجتماعي وكذا الشرف والضيافة ومجموع العادات والتقاليد تشكل في النهاية الهوية الليبية، مشيرة إلى أن اللغة مرتكز مهم تبنى عليه الهوية، فهي ليست وسيلة للتواصل فحسب؛ بل وعاء يتضمن القيم المجتمعية وغيرها، خصوصا أن ليبيا تزخر بتنوع لغوي وقاموس ثري باللهجات المحلية.

وواصلت الدكتورة فوزية: إن المجتمع الليبي يحفل بالطقوس الاجتماعية ويتجلى ذلك عبر ممارساته اليومية المجسدة لروح الجماعة ومعنى الانتماء للمجتمع الليبي فهي تشكل جزءا حيويا ورئيسا للهوية العملية فهي تبين لنا كيف تمارس الهوية بصورتها الحياتية.

وأشارت الباحثة إلى ما يعرف بالموروث التاريخي، أي الأحداث الكبرى والشخصيات التي كان لها دور في التاريخ الليبي إضافة للأماكن التاريخية، كلها في مجملها تمثل ذاكرة المجتمع الليبي وتعطي بعدا زمنيا يربط بين الماضي والحاضر.

وترى المحاضرة أن الهوية من المنظور الفلسفي هي عملية مستمرة متحررة من السكون أو الثبات تنسجم كما جرت الإشارة مع كل التغيرات الحاصلة عدا أنها توائم بين الماضي والحاضر لذا يمكن اعتبارها وفق هذا الطرح ثابتة ومتغيرة، فردية أو جماعية.

ملكية فردية أم جماعية
وفق الرؤية السابقة تساءلت المحاضرة بقولها «هل الهوية ملك للأفراد أم ملكيتها جماعية، وهل الهوية تتغير بتغير الزمان؟ وتجيب بأن ذلك يتطلب معرفة المراحل التاريخية التي مرت بها ليبيا وكذا السرديات التاريخية بالخصوص، مشيرة إلى أن الأخيرة كان لها دور مركزي في تشكيل الهوية لأي مجتمع».

وفي تحليلها للسردية الليبية ما قبل الإسلام، أوضحت الدكتورة فوزية أن ليبيا كانت ملتقى جامعًا لتلاقح الحضارات الأمازيغية الفنيقية الرومانية والبيزنطية، وخلال هذه الفترة تشكلت هوية محلية جرى التعبير عنها من خلال اللغة والتقاليد والموروث الديني والاجتماعي، ثم تأتي مرحلة ظهور الإسلام وما رافقها من قيم دينية ومعايير اجتماعية ترتبت عليها إعادة تشكيل الهوية بصبغة عربية إسلامية، أيضا ما تضمنته تلك الفترة من توثيق للموروث الثقافي واللغوي وأصبحت العلاقة ما بين الدين والسياسة جزءا رئيسا ضمن مكونات الهوية.

وفي السردية الثالثة التي شهدت تواجد الاستعمار الإيطالي ومحاولته طمس الموروث الثقافي بالعمل على تجدير سلوكياته وممارساته الأمر الذي أثر على المجتمع الليبي وأصبح الحفاظ على الهوية مطلبا وطنيا وثقافيا بامتياز.
تصل المحاضرة ضمن هذا التتابع الزمني إلى ما أسمته سردية دولة الاستقلال ونهوضها على قاعدة الحس القومي والمواطنة ويجري ذلك عبر التعليم وسن القوانين الداعمة لذلك، إلا أن التصدعات الحاصلة بين المراكز الحضرية والقبائل أنتجت سرديات متعددة، شملت تنوعا ثقافيا ولغويا، كما لا يفوتها التنويه إلى سرديات أخرى مثل سردية عهد القذافي، وسردية فبراير التي يطول فيهما الحديث ولا يتسع الوقت لتبيانها.

أوضحت الباحثة أن السرديات التاريخية لا تسير وفق خط منتظم؛ وإنما ضمن مجموعة من التجارب المتعددة تتقاطع أحيانا وتتضاد أحيانا أخرى، لكنها جميعا أسهمت بشكل ولو كان بسيطا في تشكيل الهوية الثقافية لليبيا.

وأردفت: إن النزاعات والتصدعات التي حدثت سواء كانت خارجية أو داخلية قامت بدور مزدوج، فهي من جهة هدمت أركان الهوية الثقافية ومن جانب آخر عززت الحس الوطني والانتماء الجماعي، لذا جعلت المجتمع الليبي يعيد قراءة موروثه الثقافي.

في سياق الحديث عن الهوية الثقافية الليبية أوضحت الباحثة أنه يمكن للفكر الفلسفي كشف أهم التناقضات بين الموروث والتغيرات الاجتماعية، وهذا بطبيعة الحال يتيح لنا النظر في عناصر الهوية التي جرى السكوت عنها كما قال المفكر محمد عابد الجابري. ومن ذلك تصل المحاضرة إلى استنتاج أن الفلسفة تساعد على إبراز ما جرى تهميشه عبر التاريخ.
وذكرت المحاضرة أن أهم المفاهيم الأساسية التي يجب الوقوف عليها هي جدلية الذات والآخر لنعرف كيف يقرأ الفكر الفلسفي التناقضات بين الهوية الليبية والتأثيرات الخارجية مثل العولمة والاستعمار.

وتخلص الدكتورة فوزية إلى أن القراءة الفلسفية تتيح لنا مراجعة القيم التاريخية والسياسية المترسخة منذ زمن طويل مثل (الوطنية والمواطنة والانتماء الجماعي والعدالة والمساواة) وتكشف لنا كيفية تحديد هذه المفاهيم.

أحدث المنشورات

محمد سمير ندا: حين يتحوّل القلق إلى سرد يفوز بجائزة الرواية العربية

أعلنت جائزة الرواية العربية فوز رواية «صلاة القلق» للروائي المصري محمد سمير ندا بجائزة هذا…

37 دقيقة منذ

حصاد الكلمة 2025: جولة في أروقة الفكر والأدب العالمي والعربي

شهد عام 2025 حراكاً ثقافياً استثنائياً؛ فبينما استمرت الرواية في تصدر المشهد، برزت كتب الفكر…

49 دقيقة منذ

صدر اليوم عن دار دلمون الجديدة “على جسر قريب من السماء” رسائل الشاعرين “اسكندر حبش وعاشور الطويبي”…

صممت الغلاف م. عبلة خوري شاعران لم يلتقيا إلا مرةً واحدة في مهرجان شعري، فنشأت…

ساعتين منذ

ريدي مشّو: الرواية بوصفها قراءة ثانية للعالم

من تماسٍّ مبكّر مع الكتاب واللغة، إلى مشروع سرديّ مشدود بين الذاكرة والهوية وتحولات الواقع…

4 ساعات منذ

ذاكرة الرواية: تشكيل التاريخ وإحياء التجربة الإنسانية في كتابة سيد أحمد حملاوي

 الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…

19 ساعة منذ

بريطانيا تطلق “السنة الوطنية للقراءة”: الاستثمار في الثقافة الكتابية

 أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…

19 ساعة منذ