«الهَبَل» لعبدالرحمن موكلي حين تتحول الجغرافيا إلى أسطورة
كتاب «الهَبَل» (دار أروقة للنشر والتوزيع- القاهرة) للشاعر والباحث عبدالرحمن موكلي، ليس قاموسَ مدنٍ وأماكن فحسب، بل هو نصوص نتذوق منها الكثير من ألوان السرد والجمال. نصوص تبدأ، غالبًا، بتقليب الملقط لجمرةٍ في الموقد، ثم ينهمر سيل المعاني والاستطرادات. تنبثق النصوص من إثارة صغيرة يُطلقها سرد المكان، لكن ذاكرة المؤلف، المخزّنة بمعلومات وأشواق وتوترات، سرعان ما تفيض وتفرش شبكة من التقاطعات التي تصل أبعد الأمكنة حتى تخالها غطاءً ينسدل على المشرق كله.
هكذا يبدو الكتاب وكأنه مجموعة نصوصٍ تجمع الجغرافيا والأساطير والسرد والشعر في فنجان واحد نشربه فنتعافى وننتشي.
يبدو أن غياب النصوص الأسطورية، في جزيرة العرب، قد عُوِّضَ عنه بما يمكن أن نسمّيه بميثولوجيا المكان، حيث تترك الأساطير الشفاهية أثرها على أسماء الأماكن متتابعة أو متراكمة، بعضها فوق الآخر، حتى إن بإمكانك رصدّ نصٍّ من حركة الأسماء في صيغٍ وأماكن متقاربةِ، فضلًا عن حذف بعض الحروف وتحريكها واستبدالها أو تغييرها بما يقرّبها من أسماءٍ أخرى ذات صلةٍ بها؛ لينتج عن ذلك فسيفساء لا حدود لها من الأنغام والأصوات ومسميات الأماكن والمدن والسهول والجبال والصخور.
وقد استطاع عبدالرحمن موكلي أن يتابع هذه الخيوط اللغوية ويربطها ببعضها أو بضدها؛ ليخوض في احتمالات تزاوج الحروف والحركات، ويستخلص منها ما هو جديد ومثير. هو يلعب معنا لعبة يستدرجنا فيها إلى غاية ما يريد من معانٍ يرجّحها هو.
الآلهة والإلهات وأسماء الجن والأشباح تتقافز في الميثولوجيا الجغرافية هذه، وتؤدي إلى طريقِ الرحلة التي تقصّاها المؤلف لكي يصل بنا إلى نهاية مغامرته، وجعل الصخور والأحجار، التي دُونت عليها، كتلًا من اللهب.
وتبقى أهمية هذا الكتاب في قدرة كاتبه على تحويل قاموس الأماكن إلى نصوصٍ تنبضُ بالحيوية وتخلط، في طريقها الأساطير والشعر والسرد.
مع عبدالرحمن موكلي لا يكون التأثيل العلمي اللغوي لأصول الكلمات جافًّا وقاسيًا، بل هو مرن وأدبيّ وثقافي، فهو يصنع تأثيلًا خاصًّا به، يأخذُ الكلمة من هنا ويضعها في مشاربه الخاصة ومراجعه المكتوبة والشفاهية، وهنا يتكون فضاء آخر، أقرب ما يكون لصناعة نصٍّ منه إلى التأثيل.
«الكتاب» مسرًى من المتواليات اللغوية التي لم نألفها سابقًا، وهو ركنٌ من أركان ميثولوجيا المكان في جزيرة العرب، يأخذ مكانته من فرادة صنعه وتأليفه ويرسم خارطة سياحة جغرافية في غرب جزيرة العرب ومدن في جهتها القريبة من البحر الأحمر، من عدن إلى جازان إلى الظبية وإلى العارضة وسوق الصميل.
هذه السياحة الجغرافية انطوت على الكثير من التعريفات القاموسية والأنثروبولوجيا العامة عن كلّ مكان فيها وبينها.
العلاقة بين أنثروبولوجيا الأمكنة وميثولوجياتها القديمة يجمعها الإنسان الذي يستنطقها ويجمع شتاتها ويحوله إلى نصوصٍ. وبين أن تكون الأنثروبولوجيا علمًا طبيعيًّا يهتم بالإنسان وعلاقاته، والميثولوجيا التي هي علم دراسة الأساطير، وهو أحد العلوم الإنسانية، يأتي الأديب والسارد والشاعر لينصب خيمته بينهما، فتكون هناك حوافز جديدة للمكان ونصوصه الشفاهية والمكتوبة.
يناور المؤلف داخل هذه المنظومة المركبة ويدخل إلى مستوى غير مألوف يكوّن مكان نسجه ورؤاه، وتتجمع معه معايير ثقافية تساعده على المضي في طريقه. ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الطريق هو طريق جغرافيّ حقيقي، وهو مسلك أسلوبيّ لا بد من استيفاء عناصره كلّها. وقد تمنيت على المؤلف أن يذهب أبعد في وصف أنثروبولوجيا المكان فيذكر عادات الطعام والملابس والزواج والمعتقدات والفُلكلور حتى اللهجات وطبقاتها.
بين النظام الاجتماعي والنظام الثقافي لكتابة نصوص كهذه، يمكن أن نمرر خيط الإبرة ونكشف مشهدًا باذخًا، يكون فيه الإنسان فلّاحًا ثقافيًّا، ينتج لنا حياة نابضة لا تزول كما يزول الحال البيولوجي الصرف.
هذا النص هو نتاج تاريخ ومعاينة ثقافية وفكرية، ومن هنا تكمن أهمية الذهاب إلى أعماقه الأنثروبولوجية الغارقة وفحص مكوناتها.
إن العلاقة الوثيقة بين الأنثروبولوجيا والأدب كانت وما زالت ضعيفة، ومردّ ضعفها هو السجن الأدبي البلاغي الذي ينصبه الأدب لنفسه ويسجن فيه خطابه، ولا بد من ثورة في هذا المجال؛ لكي يتحرر الأدب من ميوعته البلاغية الوصفية، والمتحذلقة أحيانًا. لا بد من أن تعيد الأنثروبولوجيا صيغة الأدب الجديد في زمن ما بعد الحداثة، الذي نحن فيه، فيعود بناؤه، وبذلك ستكون هناك ثورة جديدة في الأدب تتناسب مع طاقته الكامنة المعطلة.
إن ما يجمع الأدب والأنثروبولوجيا هو الإنسان، والإنسان في الأدب مخيال متصاعد، وفي الأنثروبولوجيا هو حفّار في العالم الأسفل المتروك والمهمل. ولذلك فإن جمع العالميْنِ، العلوي والسفلي، في النصوص الجديدة، سيُطلق الطاقات الكامنة لكل من الأدب والأنثروبولوجيا.
في كتاب موكلي تنبني المدن والأماكن على تماسك عضوي بين تأريخها العملي ونصوصها الشفاهية والمكتوبة أو النصوص التي تُكتب، لاحقًا، عنها. الكتاب يقوم بهذه المهمة اللاحقة لمدن غرقت جذورها في الرمال، ونُسيت أساطير تشكّلها الأول، ويعوّض عن ذلك بنصوص تجمع القاموس بالمتون المشحونة بنبض الإنسان وقواه الداخلية العميقة.
إن دراسة وتأمل الأماكن والمدن تكون أكثر عمقًا وبقاءً إذا وضعت أحداثها التأريخية تحت عدسة جديدة تجمع الأدب والأنثروبولوجيا والميثولوجيا؛ لأن الناس تختفي والأحداث تنتهي وتتبدل، والذاكرة تُطمَر تحت وابلٍ من الرمال، أما الكتابة، بهذا الوحي، فهي الأبقى والأروع.
لا شكّ أن هناك الكثير مما يقال عن هذا الكتاب، فطبقاته حافلة غنيّة تجمع الكثير مما أسلفناه؛ لذا سنترك هذه المهمة للقارئ الكريم كي يتلمسها بنفسه.
من تماسٍّ مبكّر مع الكتاب واللغة، إلى مشروع سرديّ مشدود بين الذاكرة والهوية وتحولات الواقع…
الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…
أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…
“تذكر دوماً أنني أحبك” رواية جديدة للأديبة وفاء شهاب الدين عن دار اكتب للنشر صدر حديثًا…
صدر أخيرًا عن «دار ليبيا المستقبل» كتاب نقدي جديد بعنوان «فاعلية الواقعية السحرية في الرواية…
بدأت عروض مسرحية "الدور السابع" على خشبة مسرح محمد العلي في بوليفارد رياض سيتي، من…