أفانين
العجيلي العبيدي
الفنون

العجيلي العبيدي: فيلسوف “الريشة الصامتة” ومؤرخ الأوجاع الليبية باللون والخط

يُعد فن الكاريكاتير في ليبيا أحد أبرز أعمدة الصحافة والإعلام، فهو لم يكن يوماً مجرد رسوم للمداعبة العابرة، بل تشكّل كـ “مرآة عاكسة” لعمق التحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد، محولاً الخطوط البسيطة إلى ذاكرة بصرية حية. وتكمن الأهمية الجوهرية للكاريكاتير في إيصال الرسالة الإعلامية من خلال قدرته الفائقة على “اختزال” القضايا المعقدة والمقالات الطويلة في مشهد بصري واحد، يمتلك قوة “الصدمة” التي تتجاوز حواجز اللغة وتصل إلى كافة شرائح المجتمع بذكاء وفطنة. في المشهد الليبي تحديداً، برز الكاريكاتير كأداة نقدية “مشفرة” قادرة على تمرير الرسائل العميقة بأسلوب السخرية السوداء، مما جعله الوسيلة الأكثر نفاذاً إلى وجدان المواطن والأكثر قدرة على تعرية المسكوت عنه. ومنذ مدرسة الرائد محمد الزواوي وصولاً إلى جيل العجيلي العبيدي، ظلت “الريشة” في ليبيا تمارس دور “المحلل السياسي” و”الباحث الاجتماعي”، لتقدم محتوىً إعلامياً يجمع بين الإمتاع البصري والوعي المجتمعي، مؤكدة أن “الصورة الساخرة” قد تكون أحياناً أقوى أثراً من ألف خطابة أو بيان.

في ملكوت الفنون البصرية، ثمة ريشة لا ترسم لتملأ الفراغ، بل لتمزقه، ريشة تشرّح الواقع وكأنها مبضع جراح، وتختزل آلاف الكلمات في انحناءة خط أو زاوية تظليل. الفنان الليبي القدير العجيلي العبيدي ليس مجرد رسام كاريكاتير عابر في تاريخ الصحافة الليبية، بل هو “ظاهرة ثقافية” استطاعت أن تحول السخرية من مجرد وسيلة للتسلية إلى أداة للمقاومة الفكرية وتوثيق الذاكرة الوطنية. بالنسبة للعجيلي، الرسم ليس ترفاً، بل هو “شهيق وزفير”؛ هو “هواء” لا يستقيم العيش بدونه في وطن يعج بالمتناقضات والأسئلة المعلقة.

الكاريكاتير العجيلي العبيدي
الكاريكاتير العجيلي العبيدي

الوراثة الروحية: من عباءة “الزواوي” إلى بصمة “العبيدي”

لا يمكن البدء في تفكيك عالم العجيلي العبيدي دون العودة إلى جذوره التكوينية. ولد عام 1970، ونشأ في بيئة ليبية خالصة مشبعة بالتفاصيل اليومية. صقل موهبته أكاديمياً بتخرجه من معهد “بن منظور” للمعلمين قسم التربية الفنية عام 1993، وهو ما منحه الأساس المتين الذي بني عليه عمارته الفنية.

لقد أدرك العبيدي مبكراً أن الوفاء لجيل العمالقة، وعلى رأسهم الفنان العالمي الراحل محمد الزواوي، لا يكون بتقليدهم، بل بالاستفادة من “البوصلة” التي تركوها. بينما كان الزواوي يميل إلى التفاصيل الاجتماعية المزدحمة بـ “الدوشة” الليبية المحببة، انحاز العجيلي نحو “الجوهر” والتبسيط العميق. لقد تتلمذ بروح المريد في محراب الزواوي، لكنه سرعان ما استقل بصوته الخاص، محاولاً في كل مرة وضع إحداثياته الخاصة، ونقش قالب فني يحمل توقيعه الشخصي الذي لا يخطئه القارئ.

سيمياء الخط: حين يستعير الرسام عيون الشاعر

من أعمق ملامح تجربة العجيلي العبيدي هي تلك العلاقة الوشيجة مع “الأدب”، وتحديداً الشعر. يرى العجيلي في النص الشعري مخزناً للصور البصرية الفائقة. يقول العبيدي: “أجد ضالتي في الفكرة من قراءة الشعر، فهو مليء بالصور مما يجعل الأفكار تنساب تباعاً، واعتبره مفتاحاً لكثير من أعمالي”.

هذا الاتصال بالأدب جعل من لوحاته “قصائد صامتة”. إن الصورة الشعرية عنده هي الوجه المرادف للصورة الفنية؛ كلاهما يبحث في “التخيّل” والقدرة على إدهاش المتلقي. لذا، نجد لوحاته تتمتع بنوع من “التكثيف” الذي نجده في القصيدة القصيرة؛ فكرة واحدة، عميقة، ومصاغة بذكاء يغني عن مئات السطور. هو لا يرسم “النكتة”، بل يرسم “الموقف الشعري” الساخر من عبثية الواقع.

المكتبة العربية المتعطشة: تدوين ما تمحوه الأيام

يؤمن العجيلي العبيدي بأن الكاريكاتير في ليبيا يمثل واحدة من أهم التجارب العربية، لكنه يعاني من فقر في “التوثيق”. ومن هنا تنبع أهمية إصداراته التي تجاوزت كونها مجرد مجموعات رسوم، لتصبح “أراشيف بصرية” للتاريخ الاجتماعي والسياسي.

قائمة الإصدارات (أرشفة الوعي الليبي):

على مر سنوات نشاطه، رفد العجيلي المكتبة التشكيلية بمجموعة من المؤلفات التي تعد اليوم مراجع أساسية:

بيني وبينك (1997-2000): رصد مبكر للظواهر الاجتماعية السلبية ومحاولة معالجتها بالسخرية اللاذعة.

وخزات: كتاب ركز على قضايا يومية تلامس حياة المواطن بشكل مباشر.

بدون تعليق: جسّد فيه العبيدي فلسفته في “صمت اللوحة”، حيث تترك الفكرة للمشاهد ليتمها بعقله.

السؤال الرابع (2023): صدر عن وزارة الثقافة والتنمية المعرفية، ويضم 308 لوحات كاريكاتيرية وهو كتاب يمثل مرحلة النضج الفني الكامل.

الرصيف الآخر (2024): عمل ضخم يقع في 352 صفحة، يتناول الهم الإنساني المشترك بين المجتمعات الفقيرة والغنية، مع تركيز على قضايا الفساد العالمي.

الكاريكاتير العجيلي العبيدي
الكاريكاتير العجيلي العبيدي

لماذا تكتسب هذه الكتب أهمية كبرى؟

 المكتبة العربية، والليبية تحديداً، تعاني من ندرة الكتب المتخصصة في الكاريكاتير. إن تحويل الرسوم من “ورق الجرائد” سريع التلف إلى “دفتي كتاب” هو عملية إنقاذ للذاكرة. هذه الكتب تتيح للباحثين والمؤرخين والجيل القادم من الفنانين دراسة تطور الخطوط، وتطور القضايا التي شغلت الرأي العام. إنها “شهادة تاريخية” بالريشة والمداد.

“السؤال الرابع”: فلسفة الشك واليقين في الفن

في كتابه “السؤال الرابع”، يطرح العبيدي مفهوماً غير تقليدي للعنوان. “السؤال الرابع” قد يكون الخامس أو السادس أو أي رقم آخر، لكنه اختار هذا الرقم ليكون “حالة استفهامية” تجذب المتلقي. يقول الصحافي عبد السلام الفقهي في مقدمة هذا الكتاب: “الفن لا يعنى كثيراً بالإجابات بقدر ما يرتهن للأسئلة”. العجيلي هنا يدمج الإجابة بالسؤال، ويضع المشاهد أمام “معادلة السهل الممتنع”. اللوحة لا تقدم حلاً، بل تكشف العلة، وتترك للمتلقي رفاهية التأويل. هذا النوع من الفن هو الذي يدفع نحو التغيير الاجتماعي، لأنه لا يملي على الناس ما يفكرون به، بل يمنحهم الأدوات ليفكروا بأنفسهم.

من المحلية إلى العالمية: ريشة عابرة للقارات

لم تكن الموهبة الفذة للعبيدي لتبقى حبيسة الأسوار المحلية. إن قدرته على استثمار “المحلي” للوصول إلى “العالمي” هي ما منحته حضوراً دولياً لافتاً. هو يرى أن الفساد، والظلم، والبيروقراطية، هي “لغات عالمية” يفهمها الفقراء في طرابلس كما يفهمها الفقراء في نيويورك أو طوكيو.

قائمة المعارض والمشاركات (أثر لا يُمحى):

معرض شخصي بدار الفنون (طرابلس): معرض ضخم شهد إقبالاً رسمياً وشعبياً واسعاً، واستعرض فيه العبيدي بانوراما من أعماله الساخرة.

المهرجان الدولي للكاريكاتير بأفريقيا (المغرب – 2022): شارك في الدورة الرابعة (كيف غيّر كورونا العالم؟) ضمن أكثر من 449 فناناً من 72 دولة، وحصل على شهادة تقديرية من إدارة المهرجان.

معرض “أفضل فنان بورتريه” (رومانيا – مايو 2025): حصل على شهادة تقديرية من فرع “براهوفا لاتحاد الصحفيين المحترفين” في رومانيا، وهو تكريم دولي يثبت جدارة ريشته في التعامل مع فن البورتريه الساخر.

ملتقى السرايا الحمراء لصحافة السلام (2023): فاز بجائزة أفضل كاريكاتير، تقديراً لدوره في نشر ثقافة الوعي والسلام عبر الفن.

مشاركات صحفية دولية: نشرت رسومه في العديد من الصحف والمجلات العربية والعالمية، مما جعل من ريشته سفيراً للفن الليبي.

الكاريكاتير العجيلي العبيدي
الكاريكاتير العجيلي العبيدي

العجيلي والواقع الليبي: مرآة لا تكذب

في لوحات العبيدي، نجد المواطن الليبي حاضراً بكل تفاصيله؛ “التنهيدة” التي تخرج من صدر الفقير أمام غلاء الأسعار، “الحيرة” أمام انقطاع السيولة، و”السخرية” من الوعود السياسية الزائفة. العجيلي لا يود الاقتراب من فوهات البراكين فقط، بل يحلل أسباب ثورتها. هو لا يصف الزلزال، بل يتحسس انعكاساته على تطلعات العقل البشري.

إن استخدامه للأبيض والأسود ليس مجرد اختيار فني، بل هو انحياز للوضوح. في عالم مليء بـ “المنطقة الرمادية” في السياسة والمواقف، تأتي لوحات العجيلي لتضع النقاط على الحروف باللونين الأكثر صراحة. الخط عند العجيلي “نحيف” ولكنه حاد، “بسيط” ولكنه معقد في دلالاته.

التشخيص الفني: لماذا ينجح العبيدي؟

النجاح الذي حققه العجيلي يعود إلى عدة ركائز أساسية:

المواصلة والاستمرار: الكاريكاتير فن “النفس الطويل”، والعبيدي يثبت يوماً بعد يوم أن موهبته لا تنضب، بل تتجدد مع كل حدث.

التطور الأدواتي: رغم تمسكه بهويته، إلا أنه يطور خطوطه بشكل دائم بما يتناسب مع روح العصر.

الالتحام بالشارع: أفكاره ليست “نخبوية” متعالية، بل هي مستقاة من “الحوارات مع الناس” في المقاهي والشوارع والأسواق.

الذكاء في اختيار العناوين: كتبه تحمل عناوين تثير الفضول وتدفع للقراءة، وهي جزء لا يتجزأ من العمل الفني نفسه.

حارس الأحلام المنكسرة

إن تجربة الفنان العجيلي العبيدي هي رحلة في أعماق الإنسان من خلال ريشة لا تخاف الحقيقة. هو ليس مجرد رسام في جريدة، بل هو “محارب ثقافي” يدافع عن الجمال في مواجهة القبح، وعن الحق في مواجهة الزيف.

من “وخزات” البداية إلى “الرصيف الآخر” و”السؤال الرابع”، يظل العجيلي وفياً لرسالته: “الفن هو رسالتي للعالم”. سيبقى اسمه علامة فارقة في تاريخ الفن التشكيلي الليبي، وأيقونة تذكرنا دوماً بأن “الريشة الصامتة” قد تكون في أحيان كثيرة أعلى صوتاً من كل الصرخات، وأن الفن الصادق هو الذي يبقى حين يزول كل شيء آخر. إن العجيلي العبيدي لم يرسم ليبهرنا بجمال خطوطه فحسب، بل رسم لكي لا ننسى إنسانيتنا في زحام الأزمات.

الكاريكاتير العجيلي العبيدي
الكاريكاتير العجيلي العبيدي

نبض الشارع: حين تتحول الريشة إلى لسان حال المظلومين

لا يقف العجيلي العبيدي عند حدود الرسم كفعل جمالي مجرد، بل هو فنان “عضوي” بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فنان قريب من رصيف الشارع، يتحسس أنين المتعبين ويصغي لنبض القلوب المكلومة. لقد تحولت ريشته إلى مجسّات دقيقة تستشعر أوجاع المواطن قبل أن تفيض بها الصدور. ففي لوحاته، تجد “جوع” الفقراء مرسوماً بكرامة، و”غلاء الأسعار” مصوراً كوحش يطارد الأحلام البسيطة، و”الفساد” كسرطان ينخر في جسد المؤسسات. لم يترك العجيلي هماً وظيفياً، أو عائقاً بيروقراطياً، أو مظلمة اجتماعية إلا وسكبها في قالب ساخر، محولاً الخطوط السوداء إلى صرخات احتجاج صامتة. إن ريشته هنا لا ترسم واقعاً فحسب، بل “تكتب” بحبر الصدق حروفاً وكلمات تتجاوز بتأثيرها ما قد تعجز عن إيصاله الموسوعات الضخمة أو دواوين الشعر المطولة، لأنها تصل إلى لب الحقيقة دون مواربة.

شاعر “الأبيض والأسود”: ريشة بقلبٍ ناصع

وإذا كان الشعر يُكتب بالكلمات، فإن العجيلي العبيدي “شاعر” من طراز فريد، يكتب قصائده ببراعة التباين بين الأبيض والأسود. في عالم يضج بالألوان الزائفة، يختار العجيلي وضوح “الأبيض والأسود” ليعكس نقاء سريرته؛ فهو يمتلك ذلك “القلب الأبيض” الذي يدفعه للانتصار للإنسان أينما كان. تفيض أعماله ببعدٍ قومي وإنساني عميق، حيث تتجاوز الهم المحلي لتعانق قضايا الأمة وهموم الإنسان الكونية، جاعلاً من لوحته ميداناً للمواجهة بين الحق والباطل. إن هذا التضاد البصري في أعماله ليس مجرد تقنية فنية، بل هو مرآة لصراعات الواقع، حيث يبرز “بياض” الأمل في مواجهة “سواد” الظلم، ليظل العجيلي دائماً المنحاز الأول للإنسان، والموثق الأمين لأحلامه المنكسرة وطموحاته المشروعة.

ذات صلة

محمد الزواوي: سوسيولوجيا الضحك المر وفلسفة التفاصيل المنسية

suwaih

أبرز محطات الفن السابع على الشاشة والمنصات

suwaih

أكادير تحتفي بـ”الكاريكاتير الإفريقي”

suwaih

“أثيري”.. مريم الصيد تحوّل الفضاء إلى طاقة لونية في دار الفنون بطرابلس

suwaih

ماذا قالت لقاء الخميسي في أول تعليق بعد انفصال محمد عبد المنصف عن إيمان الزيدي

suwaih

“الصنعة” تعود في المهرجان الثقافي الوطني للموسيقى الأندلسية

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية