السيرة الذاتية للفنان يحيى الفخراني وأهم أعماله
في عالم الدراما العربية، يتربع مسلسل “ليالي الحلمية“ كأسطورة لا تُنسى، ويأتي في قلبه شخصية “سليم باشا البدري” التي جسدها يحيى الفخراني بتفاصيلها المعقدة، لتصبح أيقونة حقيقية للطبقة الأرستقراطية المصرية في مرحلة انتقالية حاسمة من تاريخ البلاد. عبر خمسة أجزاء متتالية، قدم الفخراني تحفة درامية تجمع بين كبرياء الباشا وحساسية الإنسان، بين تمسكه بالتقاليد وصدامه مع التحولات الاجتماعية، في أداء يعتبر من أهم ما قدمه على الشاشة العربية.
انتقل الفخراني من أحياء القاهرة العريقة إلى شوارع الإسكندرية الأنيقة في مسلسل “زيزينيا”، ليجسد شخصية الأرستقراطي صاحب المبادئ الثابتة في عالم متغير، مظهراً قدرة فريدة على التقاط نبض المكان وروح الشخصية. لكن التحدي الأكبر جاء من عالم المسرح الكلاسيكي حيث ارتقى بالفن المصري إلى مصاف العالمية بتجسيده شخصية “الملك لير“ في المسرحية الشكسبيرية الخالدة، ليحول النص الأجنبي إلى حالة عاطفية إنسانية تلامس وجدان المتفرج العربي، ويثبت أن العبقرية الفنية لا تعرف حدوداً جغرافية أو زمنية.
في السابع من أبريل عام 1945، وفي مدينة المنصورة العريقة بمحافظة الدقهلية، ولد طفل سيصبح أحد أبرز الأيقونات الفنية في الوطن العربي. لم يكن يعلم أحد أن يحيى الفخراني – الطبيب المتخرج من جامعة عين شمس – سيختار طريق الفن ليترك بصمة لا تمحى في تاريخ الدراما المصرية والعربية. من خلال هذا المقال الشامل، نستعرض رحلة فنان جمع بين العلم والفن، بين الجراحة والتشخيص الطبي وتشخيص الشخصيات المعقدة على الشاشة والمسرح.
التحق يحيى الفخراني بكلية الطب في جامعة عين شمس عام 1964، وكان من الطلاب المتفوقين academically، لكن شغفه الحقيقي كان ينتظره في فرقة التمثيل المسرحية بالكلية. خلال سنوات الدراسة، جمع بين الجدية العلمية المطلوبة في دراسة الجراحة والحساسية الفنية التي تتطلبها فنون التمثيل. تخرج عام 1971 حاصلاً على بكالوريوس الطب والجراحة، لكن قلبه كان قد استقر بالفعل في عالم الفن.
بعد التخرج، مارس الفخراني مهنة الطب كطبيب عام في وزارة الثقافة والإعلام، حيث كان “القسم الطبي” يقع في مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون. كانت هذه الفترة حاسمة في حياته، حيث وجد نفسه بين مطرقة مهنة الطب التي درسها لسنوات وسندان حبه للتمثيل الذي لا يقاوم. بعد عامين فقط من العمل الطبي، قرر أن يتبع شغفه، لكنه احتفظ دائمًا بالاحترام العميق للمهنة الطبية التي شكلت جزءًا مهمًا من شخصيته.
كانت بداية يحيى الفخراني الفنية الحقيقية عام 1977 عندما شارك في فيلم “آه يا ليل يا زمن” مع كوكبة من النجوم الكبار مثل وردة الجزائرية ورشدي أباظة وعادل أدهم. وقد أخرج الفيلم علي رضا، وكان بمثابة بطاقة التعارف الأولى للفخراني مع الجمهور السينمائي.
عام 1979 كان مفصليًا في مسيرة الفخراني، حيث شارك في مسلسل “طيور بلا أجنحة” ثم مسلسل “أبنائي الأعزاء شكراً” الذي يعتبر الدور الذي قدمه للجمهور العريض بشكل حقيقي. شخصية “رأفت” الابن الكبير في المسلسل تركت أثرًا كبيرًا وفتحت له أبواب الشهرة الواسعة.
شهدت سنوات الثمانينات نشاطًا فنيًا مكثفًا ليحيى الفخراني، حيث قدم ما يقرب من 25 عملًا فنيًا متنوعًا بين السينما والتلفزيون والمسرح. من أبرز هذه الأعمال:
عام 1987 كان نقطة تحول كبرى في مسيرة الفخراني عندما انضم إلى فريق مسلسل “ليالي الحلمية” في دور “سليم باشا البدري”. هذا الدور الأرستقراطي المعقد جسد فيه الفخراني شخصية تجمع بين القوة والضعف، الكبرياء والحساسية، ليكون أحد أبرز أدوار الدراما التلفزيونية العربية على الإطلاق.
استمر الفخراني في تقديم أعمال متميزة خلال التسعينيات مثل:
ما يميز مسيرة الفخراني قدرته على التنقل ببراعة بين مختلف الوسائط الفنية:
تعتبر هذه الشخصية الأكثر ارتباطًا باسم يحيى الفخراني، حيث جسد أرستقراطيًا من الطراز الأول يعيش تحولات المجتمع المصري عبر عقود.
أبدع الفخراني في تجسيد شخصية الملك العجوز المأساوية من مسرحية شكسبير الخالدة، حيث قدم أكثر من 100 عرض لهذا العمل.
جسد شخصية زعيم قبائل الهوارة في الصعيد بكل أبعادها التاريخية والاجتماعية، مما أضاف بعدًا جديدًا لمسيرته.
قدم شخصية شيطانية معقدة مستوحاة من فاوست، في تجربة جريئة تظهر قدرته على تجسيد الشخصيات العميقة.
جسد عالم الكيمياء الذي يدخل في دوامة المخدرات بأداء يجمع بين الكوميديا والتراجيديا.
التقى يحيى الفخراني بزوجته الدكتورة لميس جابر خلال سنوات الدراسة الجامعية، حيث كانت تلعب دورًا في إحدى المسرحيات. قصة لقائهما تبدأ بموقف درامي حقيقي عندما غضب الفخراني بسبب خطأ في إدارة المسرح وقرر الانسحاب، فقامت لميس بإقناعه بالعودة، وكانت هذه لحظة البداية لقصة حب توجت بالزواج.
رزق الفخراني وزوجته بثلاثة أبناء: شادي وطارق وأحمد، وقد حافظت الأسرة على خصوصيتها رغم الشهرة الواسعة للفنان. تجمع العائلة بين التقاليد الأسرية المصرية والانفتاح الفكري، وتظل الدكتورة لميس جابر الشريك الحقيقي في رحلة الفخراني الفنية والشخصية.
حصل يحيى الفخراني على ما يزيد عن 50 جائزة وتكريم خلال مسيرته الفنية، منها:
ابتداء من عام 2011، انطلق الفخراني في مشروع ضخم لتقديم القصص القرآنية عبر مسلسلات كرتونية، منها:
يمثل هذا المشروع جانبًا مهمًا من إسهامات الفخراني في تقديم المحتوى الديني بأسلوب فني راقٍ، موجهًا للأطفال والكبار على حد سواء، مما يؤكد تنوع اهتماماته الفنية والتزامه بأدوار ذات رسالة.
حقق الفخراني مع مسرحية “الملك لير” نجاحًا نادرًا في المسرح المصري، حيث وصل العرض إلى الليلة المئة، وهو إنجاز غير مسبوق للأعمال المسرحية الجادة. تذكرة العرض المدعومة (بين 60 و110 جنيهات) ساهمت في جعل العمل في متناول جميع فئات الجمهور.
يقدم الفخراني في دور “لير” أداءً يستحق الدراسة، حيث يجسد الملك العجوز الذي يمنح بناته كل شيء ثم ينال منهن الجحود والنكران. يجعل الفخراني الجمهور يتعاطف مع الشخصية برغم عيوبها، في رحلة عاطفية تتراوح بين القوة والعجز، الكبرياء والسقوط.
يمثل يحيى الفخراني مدرسة فنية متكاملة تجمع بين:
يظل الفخراني مصدر إلهام للعديد من الممثلين الشباب الذين يرون فيه نموذجًا للفنان الشامل الذي لم يقتصر على نوع واحد من الأدوار أو وسيط فني واحد. قدرته على التجديد الدائم مع الحفاظ على الهوية الفنية المميزة جعلته أحد الفنانين القلائل الذين استمروا في العطاء لأكثر من خمسة عقود.
يحيى الفخراني ليس مجرد ممثل، بل هو ظاهرة فنية متكاملة تجسد انتقال الفن المصري من مرحلة إلى أخرى. من طبيب متخرج من كلية الطب إلى واحد من أهم نجوم الدراما العربية، رحلة الفخراني تثبت أن الشغف الحقيقي والموهبة الأصيلة يمكنهما صناعة المعجزات.
في عيد ميلاده التاسع والسبعين، يظل الفخراني يقدم العطاء، فمن مسلسل “نجيب زاهي زركش” (2021) إلى مسلسل “عتبات البهجة” (2024)، يستمر الفنان في تحديث نفسه وتقديم الجديد، مؤكدًا أن الفن الحقيقي لا يعترف بالتقاعد، وأن الموهبة الأصيلة لا تشيخ.
#يحيى_الفخراني #فنانون_مصريون #دراما_عربية #ليالي_الحلمية #الملك_لير #ثقافة_فنية #تراث_فني #أعلام_الفن_المصري
الدكتورة جيهان الدمرداش "العمى كفعل جمالي والأنوثة كوعي مأزوم" قراءة نفسيّة أنثروبولوجيّة جماليّة في رواية…
في خطوة ثقافية رائدة تهدف إلى إحياء الذاكرة النقدية العربية، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب…
مقدمة في عالمٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتغير فيه أدوات الإعلام يومًا بعد يوم، تبقى…
أغنية بخنوق عيشة.. تداخل مغاربي يجمع بين النص الليبي واللحن الجزائري والتهذيب التونس أغنية "بخنوق…
في إطار فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، وقع الشاعر والصحفي السوري نور الدين الإسماعيل روايته…
بعد انقطاع طال انتظاره لمدة سبع سنوات، عادت مدينة "أم جرس" في شمال شرق تشاد…