الدفاع عن النوم… الرأسمالية المتأخرة والأحلام
لطالما حاول عدد من المثقفين والاقتصاديين في القرن العشرين، الربط بين النوم والكسل، واعتبار الكسل ظاهرة معطلة للتقدم، لكن في السنوات الأخيرة كان للأنثروبولوجيين رأي مغاير. هناك حقل في الأنثروبولوجيا يُعرف اليوم باسم أنثروبولوجيا الليل، يعتقد أن الكسل ظاهرة حضارية، وأن الحكمة هي شيمة الكسل، وفق تعبير الأنثروبولوجي اللبناني الراحل حسن قبيسي.
وربما الاهتمام بمسألة الكسل قاد هؤلاء الباحثين إلى أن يركزوا في السنوات الأخيرة على دراسة تاريخ النوم والأحلام، وما الذي افتقدناه مع بعض غياب بعض فترات النوم المؤقتة، مثل مؤسسة القيلولة التي اختفت شيئا فشيئا مع نمو المدن، وظهور وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون، التي حرمتنا من ساعات الراحة القصيرة.
مؤخراً وفي هذا الصدد، أصدرت دار الروافد الثقافية كتاباً مترجماً بعنوان «الرأسمالية المتأخرة ونهاية النوم» للباحث الأمريكي جوناثان كراري، ترجمة طارق عثمان. النسخة الإنكليزية من الكتاب كانت قد صدرت عام 2013. يرى كراري أن النوم يمثل اليوم آخر حدود الزمن الطبيعي، الذي لم تستطع الرأسمالية السيطرة عليه بالكامل. فهو ليس مجرد حالة بيولوجية، بل فضاء للحرية، للخيال، ولإعادة الاتصال بالذات، في مواجهة الزمن الاقتصادي المستمر، والتكنولوجيا، والمراقبة التي طالت كل جانب من جوانب حياة الإنسان. من هذا المنظور، يصبح النوم رمزاً لمقاومة الرأسمالية، ومساحة لاختلاق تجارب شخصية لم تُستغل بعد اقتصادياً. يستعيد كراري بدايات الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، حيث تحولت المصانع إلى النماذج المبكرة التي نظمت الوقت بمعزل عن إيقاعات الليل والنهار. لم تعمل هذه المصانع على مدار الساعة في البداية، لكنها وضعت أسس ما أصبح لاحقاً نموذج 24/7 حيث أصبح الوقت البشري مرتبطاً مباشرة بالمنطق الاقتصادي للإنتاج.
هذا التحول أخذ يعني أن النوم، الذي كان جزءاً من الإيقاعات الطبيعية للإنسان، أصبح عنصراً معرضاً للضغط المستمر، ولكنه في الوقت نفسه شكّل آخر حاجز طبيعي لم تستطع الرأسمالية تجاوزه بالكامل. إن السيطرة على النوم لم تكن ممكنة ببساطة، لأن الإنسان يحتاج إليه للبقاء على قيد الحياة، وهو ما يجعل النوم مساحة مقاومة طبيعية ضد الهيمنة الاقتصادية. لكن هذا الحاجز بدأ يتصدّع. فقبل التصنيع، كان النوم متوافقاً مع إيقاعات الطبيعة والمجتمع، مع المواسم والطقوس والعمل الزراعي. ومع صعود الرأسمالية، انهارت هذه الإيقاعات، وتحول النوم إلى «فائض غير منتج» ينبغي تقليصه. ويذكر كراري أن بعض شركات الدفاع الأمريكية سعت لتطوير أدوية تُبقي الجنود مستيقظين أطول وقت ممكن، فيما ساهمت أدوية أخرى في إعادة تعريف مفهوم النوم ذاته، وتقليصه كحاجة إنسانية. يعبّر المؤلف عن قلقه من هذه النزعة، لا من منطلق الحنين إلى الراحة، بل لإدراكه أن النوم يمثل مؤسسة رمزية وثقافية عميقة: فهو مساحة للخيال والمقاومة، ولإعادة بناء الزمن الداخلي، واستعادة قدرة الإنسان على الحلم والتفكير في بدائل للمستقبل.
يشير كراري أيضاً إلى أهمية الأحلام في الحياة اليومية، معتبراً النوم فرصة لاستعادة صور الماضي، ولتصوّر بدائل للمستقبل، فمع ظهور عالم 24/7 الرقمي، أصبح النوم العنصر الأخير الذي يقاوم الاستغلال الاقتصادي والتكنولوجي، إذ تسعى الشركات الرقمية الحديثة مثل، غوغل وفيسبوك، لاستغلال كل لحظة يقظة للفرد، عبر شاشات مستمرة، ومحتوى رقمي، وجمع بيانات سلوكية، ما يجعل النوم الحاجز الطبيعي الأخير، الذي يحمي الفرد من الانغماس الكامل في الوقت الرقمي. فالهدف من مؤسسات التواصل الحديثة هو خلق تفاعل مستمر مع المستخدمين، وجعل وقت اليقظة مخصصاً للإنتاج والمراقبة الاقتصادية، بينما يبقى النوم مساحة شخصية مقاومة، حتى مع كل وسائل المراقبة الحديثة، يظل النوم آخر نقطة للحرية الداخلية، وفضاء للخيال والمقاومة الرمزية ضد الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية.
الرأسمالية وتاريخ النوم
قبل التصنيع، كان النوم مرتبطاً بالإيقاعات المجتمعية، مثل الأسواق، النشاطات اليومية، المناسبات الدينية، والأعياد. ومع توسع الرأسمالية، تلاشت هذه الإيقاعات ليحل محلها نظام من العمل المستمر والأنشطة الاستهلاكية المنظمة. ومع قدوم القرنين التاسع عشر والعشرين، حاولت الرأسمالية تمديد ساعات العمل إلى أقصى الحدود الاقتصادية، واختراق الحياة اليومية لجميع الأفراد، ودمج الترفيه والعمل والاستهلاك في شبكة مستمرة من الضغط الاجتماعي والاقتصادي. واعتراضاً على هذا الواقع، أخذت بعض الأعمال السينمائية والأدبية تظهر كيف أن فقدان النوم أو السيطرة على الوقت يؤثر على الهوية الإنسانية، كما بدت تشجع إظهار صورة أخرى للنوم، باعتباره يمثل إمكانية لإعادة التوازن بين الذات والبيئة الاجتماعية والاقتصادية. فمن خلال الأحلام والخيال، يمكن للفرد أن يعيد تنظيم تجربته الذاتية، وأن يستعيد السيطرة على الزمن الداخلي، وأن يخلق مساحات من الحرية الشخصية، لم تعد ممكنة في يقظة مستمرة تحت سيطرة الرأسمالية والتكنولوجيا.
يتوقف الكتاب أيضاً عند أفكار المنظّر الفرنسي الشهير هنري لوفيفر، صاحب فكرة «الحق في الدفاع عن المدينة». إذ اعتبر لوفيفر أن كل ما يُعد طبيعياً أو اعتيادياً، الأكل، المشي، السكن، وحتى الملل، هو في الحقيقة مجال سياسي واقتصادي خاضع للعلاقات الاجتماعية. وبناءً على هذا المنظور، النوم ليس استثناءً، فهو جزء من البنية اليومية، التي تشكل كيف يعيش الإنسان وقته، وكيف تنظم علاقته بالجسد والزمن والمجتمع، ولذلك يمكن فهم النوم عند لوفيفر باعتباره ينتمي إلى إيقاع الحياة اليومية، لكنه في الوقت نفسه يمثل الحديث الذي يقاوم النظام الصناعي والزمني المفروض. ومن هنا يصبح الدفاع عن النوم مشروعاً سياسياً بامتياز في حياتنا اليومية. فالعمل، أو الإضاءة المستمرة، أو الأسواق المفتوحة طوال الوقت، لا تعد فقط أمراً إنتاجياً، بل تخلق أيضاً اضطراباً في الإيقاع الإنساني الطبيعي، أي تخلق لا إيقاعاً، وهو شكل من العنف الزمني ضد الجسد. لذلك يعتقد لوفيفر أن النوم، بوصفه المجال الذي ينفتح فيه الحلم، يمثل لحظة يلتقي فيها الجسد بالخيال، والواقع بالرغبة. إنه المجال الذي تتفكك فيه الحدود الصارمة التي تفرضها الحياة اليومية الرأسمالية. وبالتالي، فإن تدمير النوم هو تدمير للإمكان ذاته، للإبداع، للتفكير، للحلم بعالم مختلف.. من هنا وجب «الدفاع عن النوم» في حياتنا .
أعلنت جائزة الرواية العربية فوز رواية «صلاة القلق» للروائي المصري محمد سمير ندا بجائزة هذا…
شهد عام 2025 حراكاً ثقافياً استثنائياً؛ فبينما استمرت الرواية في تصدر المشهد، برزت كتب الفكر…
صممت الغلاف م. عبلة خوري شاعران لم يلتقيا إلا مرةً واحدة في مهرجان شعري، فنشأت…
من تماسٍّ مبكّر مع الكتاب واللغة، إلى مشروع سرديّ مشدود بين الذاكرة والهوية وتحولات الواقع…
الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…
أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…