الأكاكوس
أقدم مصانع انتاج مشتقات الحليب… وأول صالونات تصفيف الشعر في العالم
في جولة افتراضية، وبلمحة موجزة، نجول فضاءات جبال الأكاكوس، داخل مخزن الأساطير القديمة قدم العالم، بحثاً عما تنطوي عليه من قيم ثقافية وفنية هائلة، يمكن توظيفها والاستفادة منها في خلق مواطن عمل في المجالات المرتبطة بالسياحة، ليس في جنوب غرب ليبيا فحسب، بل في عموم البلاد، لاسيما وإن الأكاكوس، مايزال مصدر الهام وعنصر تشويق وجذب للملايين من عشاق التاريخ، والمولعين بتتبع الأساطير حول العالم، ونستميح القارىء الكريم، وقد نجد العذر في القفز عن بعض التفاصيل المهمة، أمام واقع أزمة القراءة السائدة، والتركيز على بعض النقاط الأكثر أهمية وإثارة…فعذراً ياكنوزنا المنسية..!!.
توفر سلسلة جبال تادرارت أكاكوس فرصة نادرة للمسافرين الباحثين عن المتعة، والسياح المولعين بسبر أغوار الحضارات القديمة، مفسحاً المجال أمامهم لعيش مغامرة حقيقية لاكتشاف الأسرار المخفية والمنسية في الماضي البعيد… حيث تحتضن السلسلة الجبلية الواقعة أقصى الجنوب الغربي بالقرب من الحدود الليبية الجزائرية، شرقي مدينة غات، أهم آثار ومخلفات مراحل وأدوار فترة ماقبل التاريخ، الأكثر غموضاً.
تتميز حضارة الانسان القديم بجبال الأكاكوس، وهي تحاكي الظروف المعيشية فى فترة تتوغل بتاريخها إلى مايقارب 12 ألف سنة مضت، بخصوصيتها وطابعها الفريد، وتعيد رسم مظاهر الحياة، عبر سلسلة متباينة من الآثار والمخلفات، بما في ذلك المقابر الحجرية، والأواني الفخارية، وأدوات الطحن والصيد، وخلافه من الأدوات المستعملة في فترات تاريخية متعاقبة، وتعتبر بمثابة شريط حي وواقعي لتلك الحقب الضاربة في عمق التاريخ.
كما أن غنى السلسلة بآثار إنسان ماقبل التاريخ، والمتمثلة في طائفة واسعة من النقوش والرسومات الضاجة بالحركة والواقعية والمفعمة بالألوان الزاهية، أعطى الموقع أهمية على المستوى العالمي، فقد أدرج موقع جبال تادرارت أكاكوس، بمايحويه من لوحات الفن الصخري التي تعكس مظاهر الحياة اليومية والتغيرات الثقافية خلال فترة تمتد من 12 ألف سنة إلى القرن الأول الميلادي، على قائمة التراث العالمي سنة 1985.
كما يعد الأكاكوس موطن المناظر الطبيعية الصحراوية الأكثر جمالا على الأرض، ويستضيف بعضاً من المشاهد الأكثر استثنائية في العالم، ويحفل بالعجائب الطبيعية الفريدة، من تشكيلات الصخور المنحوتة إلى الأقواس الطبيعية المنتصبةكالبوابات الشاهقة، في حين تهيمن المناطق الصخرية التى تحيط بها سلاسل الكثبان الرملية والوديان المسكوة بالأشجار والنباتات، على مساحات شاسعة من المكان، وهي تسهم في رسم مشاهد الجمال المطلق للمناظر الطبيعية بخليطها الفريد من الكثبان الرملية والجبال الصخرية، والأخاديد المنحوتة من الأنهار القديمة… كل تلك العوامل اجتمعت لتمنح الأكاكوس صفة الجمال الطبيعي الفائق.
الحقيقة رقم 1
اختير الأكاكوس ضمن 1007موقعا تراثي عالمي، لأنه يحمل خاصية واحدة من بين عشرة معايير يتم على أساسها إدراج المواقع على قائمة التراث العالمي، كونه ينطوي على شهادة فريدة واستثنائية، وتشير آثاره إلى تقليد ثقافي وحضاري مندثر، فالقيمة الثقافية للأعمال الفنية التي تتعرض اليوم للطمس والتشويه والتخريب، لاتقدر بثمن، فعلى سبيل المثال لا الحصر، اعتبر عالم الآثار الايطالي (فابريزيو موري)، لوحة مشهد حلب البقرة المكتشفة في وادي “تشوينت”عمل فني يعبر عن تقدم الاقتصاد العائلي خلال فترة الدور الرعوي، بالإستفادة من الحليب في انتاج مواد أخرى، وهو ماعززته نتائج دراسة أجراها فريق من جامعة لندن مؤخراً، حيث أظهر التحليل الكيميائي للمصنوعات الفخارية المكتشفة بمنطقة تخرخوري، في جبال الأكاكوس وجود مزارع لانتاج الالبان في وقت مبكر من العصر الرعوي، عندما كانت المنطقة ضمن الأراضي الرطبة… ويذهب الخبراء إلى أن سكان الصحراء ربما إبتكروا أساليب تخزين وحفظ فائض الحليب، واستخدامه في انتاج الأجبان والسمن، وجعلها متاحة على مدار العام.
ووصف أول دليل لا لبس فيه بأن البشر في أفريقيا جنوب الصحراء، استخدموا الماشية للإستفادة من حليبها قبل ما يقرب من 7000 سنة مضت، أي في فترات ما قبل التاريخ، وفق البحث الذي أصدره فريق دولي من جامعة “ليستر” ، الذي إستنذ على نتائج تحليل الأحماض الدهنية المستخرجة من الفخار غير المزجج، التي عثر عليها في تخرخوري، وتشير إلى وجود دهون الألبان المستخدمة في استخراج منتجات الألبان، من قبل رعاة الصحراء عصور ما قبل التاريخ، يمكن أن تكون مؤرخة بشكل موثوق إلى الألف الخامس قبل الميلاد.
الحقيقة رقم 2
يشير الخبير الأثري الليبي الأستاذ رمضان الشيباني إلى أن نتائج تحاليل تركيبات المواد العضوية للحيوانات المستأنسة المكتشفة بمنطقة الصحراء، أظهرت وجود بقايا الأسماك ضمن التركيبات العضوية، وتذهب تلك النتائج إلى أن الليبيين ربما إستخدموا الأسماك كعلف للحيوانات، في فترة إنتشار البحيرات في منطقة الصحراء.
الحقيقة رقم 3
تكشف لوحة في ملاجىء وادي “تشوينت” لعملية حلب قطيع أبقار، عن الغرض والمغزى من وضع ثور بالقرب من بقرة أثناء عملية الحلب، وهي تعبر عن تقنية دقيقة لمضاعفة معدلات إدرار الحليب، من خلال لعبة الانعكاس المكيف، في دلالة واضحة وجلية عن مدى التقدم الكبير للأسلاف، والاقتصاد المتطور لمربي الماشية قبل آلاف السنين.
الحقيقة رقم 4
شكلت السقائف المنتشرة في الأكاكوس، محطات تواترت عليها مرة بعد الأخرى مجموعات رعوية خلال فترات ترحالها في أزمان ما قبل التاريخ، واصبحت واجهاتها تشي بمايختلج شاغليها في تلك الحقب من مشاعر وأحاسيس موسومة على جدرانها، حيث تظهر على واجهات الصخور داخل الملاجئ والمغارات المنتشرة بالأكاكوس، أعمالاً فنية تصور حيوانات متوحشة ذات أبعاد طبيعية، وتجمعات بشرية، ونقوش الإخصاب، في اشارة إلى مراكز الإخصاب، وأخرى تعبر عن رقصات وأشكال بشرية في وضع تعبدي راكعة ورافعة الأيدي توحي بشئ من النزعة الصوفية التي تنبعث من لباس الأشخاص وتصفيف الشعر، فيما تبرز أخرى قطعان من الماشية، ومشاهد رعي والترحال، وعمليات قنص، وجمال وخيول، في لوحات أخرى.
الحقيقة رقم 5
يبرز في موقعي الحراريق وعين أهيد مثالاً عن النقوش المحيرة التي مازالت مثار بحث ونقاش بين العلماء، حيث تظهر نقوش وبأحجام متفاوتة على هيئة ثقوب في الصخور، تسمى “الغلايات” والثقوب الصغيرة المجاورة لها هي “كوب”. وفق مايرأه بعض العلماء الذين درسوا المنطقة، ويرتكزون في ذلك على العثور على عدد كبير من القدور في الملاجئ الحاضنة للثقوب المزدوجة، بينما لم تظهر نتائج التحليلات أجريت على عينات من الصخور بقايا فوسفات الكالسيوم، وبالتالي يستبعد احتمال استخدامها لطحن الغذاء، وترجح بعض فرضيات استخدامها لأغراض طقوس تعبدية، ويعتقد بعض العلماء أنها مرتبطة بإنجاز الأعمال الفنية، فيما يذهب آخرون دون الجزم إلى أنها ذات مغزى ديني أو طقوس سحرية، فيما يرى فريق آخر ارتباطها بتشييد أبنية، وفيما يهيمن الاختلاف عن المغزى، يتفق الجميع على أن تاريخها يرقى إلى قبل 8 آلاف سنة قبل الميلاد.
الحقيقة رقم 6
يستضيف موقع وان موهجاج حيث اكتشفت بعثة الآثار الايطالية بقيادة الدكتور ( فبريزيو موري) المومياء المعروضة في المتحف الوطني التي باتت تعرف بالمومياء السوداء سنة 1959، عدداً من الملاجئ المليئة بأعمال الفن الصخري، تتباين تواريخها ومواضيعها، وتتميز أغلبها بالدقة والرقي في التنفيذ، وتكامل الأفكار في تجسيد الأشكال والأحداث، والمظاهر لسائدة في فترات ماقبل التاريخ بواقعية منقطعة النظير.
الحقيقة رقم 7
يصف عالم الآثار الإيطالي الدكتور ( فابريسيو موري)، إثر دراسة ميدانية استغرقت نحو تسع سنوات، لوحات الفن الصخري في وان تاموات : ( مهما كان من أمر فإن هذا المنظر يرمز إلى شئ من علم الأسرار والإثارة، ويعبر عن شعور واحد يتجه بكامله إلى أشكال الشعوذة أو تدين عميق، على أننا لانزال بعيدين عن تقييم عجائب عقدها العجيبة)، ويذهب اعتقاد العلماء إلى أن مواضيع الأعمال الفنية بالموقع تجسد احتفالاًت دينية أو طقوس تعبدية أو من أعمال السحر والشعوذة دون الجزم بأي من الاحتمالات.
الحقيقة رقم 8
مثل العديد من الكهوف القديمة الأخرى التي اكتشفت في الأكاكوس، يحتضن كهف “تاكظالت” لوحات عدة عصور ما قبل التاريخ، تظهر أشكالاً بشرية من بينها إمرأة ترقص، وماشية وكتابات بحروف التيفيناغ، ويبرز رسم باللون الأحمر يجسد شكلا بشرياً يفرد جناحين يسود الاعتقاد لدى الكثيرين بأنه تصور “الرجل الطائر”، فيما يذهب البعض أنها أسلحة تشبه أجنحة الطيور، غير أن الرمزية وراء هذه الصور ماتزال غامضة حتى الآن، كما تظهر بالقرب من الرسوم بعض الخطوط المتعرجة والحفر المنقوشة على الصخور، تمثل خطوط الأودية وآبار المياه، مايعد أقدم خريطة تظهر تضاريس ومعالم وادي تشوينت الكبير.
الحقيقة رقم 9
وسط سهل يمتد شمال وادي سيندار، وعلى طريق القوافل القديمة التي تتجه نحو وادي تشوينت، وتاكيسيت، يبرز موقع تان لالان الذي يعج بالأعمال الفنية، من الرسم والنقوش الضاربة في غياهب التاريخ يعود أغلبها إلى فترات الفنون الصخرية، ويلفها اتجاه من الشعوذة النابضة بقوة، وذات معان حافلة بالحياة.
الحقيقة رقم 10
عثر في كهوف “وان أميل” على مجموعة رسوم صخرية، يظهر في أحدها مجموعة أشخاص، في مشهد تصفيف شعر جماعي، مع وجود أواني بداخلها سوائل، يبدو أنها أصباغ أو لازب للشعر، ويعكس المشهد المنتمي إلى فترة ماقبل التاريخ، بشكل عام الاهتمام الكبير والعناية بالمظهر الخارجي للأشخاص، واعداد تسريحات الشعر، وهذا المشهد يشبه صالونات تصفيف الشعر المعاصرة.
بعد هذه الجولة السريعة والحوصلة لأعمال الفن الصخري المنتمية لحضارات الإنسان القديم، في الأكاكوس، يجرنا الواقع الراهن، إلى صياغة السؤال الأكثر إلحاحاً، هل ستصمد القيم الثقافية والطبيعية للمنطقة أمام ارتفاع وتيرة التعديات والاعتداءات، وكيف يمكن تفادي سيناريو فقدانها، وتلافي تداعيات ذلك، وانقاذ الموقع واخراجه من دائرة الخطر، إلى مرحلة استثماره وتوظيفه بالطريقة الأمثل، التي تضمن تلبية معايير الحفاظ عليه وصونه… لتبقى الإجابة في رحم المستقبل برسم التساؤلات “هل سيكون الأكاكوس محجاً وقبلة لعشاق التاريخ، أما سيكون غباراً في مهب الريح؟…
الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…
أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…
“تذكر دوماً أنني أحبك” رواية جديدة للأديبة وفاء شهاب الدين عن دار اكتب للنشر صدر حديثًا…
صدر أخيرًا عن «دار ليبيا المستقبل» كتاب نقدي جديد بعنوان «فاعلية الواقعية السحرية في الرواية…
بدأت عروض مسرحية "الدور السابع" على خشبة مسرح محمد العلي في بوليفارد رياض سيتي، من…
قدّمت الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي أمسية فنية حافلة ضمن فعاليات موسم الرياض 2026، في حفل…