أفانين
سينما «كولورادو»
أقلام

مدن بلا ضوء: رثاء الصالات العربية المهدمة

شفيق طبارة –

إغلاق سينما «كولورادو» في مدينة طرابلس شمال لبنان ليس حدثاً عابراً، بل فصلٌ جديد في رواية مدن تُطفأ أضواؤها واحدة تلو الأخرى. هذه القاعة التي وُلدت في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وحمل تصميمها توقيع المهندس الراحل جورج دوماني، كانت أكثر من مبنى، كانت ذاكرة جماعية ومسرحاً لخيال عربي كان يجرؤ على الحلم. واليوم، تُسلَّم هذه الذاكرة إلى محلات الثياب والأدوات المنزلية، كأن المدينة تستبدل مخيّلتها بسلع معروضة على الرفوف.

تُعدّ ظاهرة إقفال دور السينما التاريخية في العالم العربي جزءاً من مسار طويل من التآكل الثقافي، وليست حدثاً معزولاً أو طارئاً. فالضغوط الاقتصادية دفعت كثيراً من الصالات إلى الإغلاق بعد بيع مبانيها لمشاريع تجارية أكثر ربحية، كما حدث في طرابلس حيث اختفت سينما «كولورادو» تحت منطق السوق لا تحت منطق الذاكرة. وفي غياب سياسات ثقافية تحمي التراث العمراني، باتت هذه الصالات مكشوفة أمام الجرّافات، فيما تكتفي الجمعيات الثقافية بإطلاق التحذيرات من دون أن تجد قوانين تُنقذ ما تبقّى من معالم المدينة. يضاف إلى ذلك أنّ العديد من الدور القديمة لم تستطع تحمّل كلفة التحديث والصيانة، فبقيت بمقاعد مهترئة وأجهزة عرض متقادمة، ما نفّر الجمهور وأفقدها مكانتها الاجتماعية.

في هذا السياق، لا يعود إغلاق دار سينما مجرّد حدث عقاري أو تحوّل في وظيفة مبنى، بل يصبح خسارة ثقافية تُشبه اقتلاع صفحة من ذاكرة مدينة. فدور السينما القديمة ليست جدراناً فقط، بل أرشيفاً للذائقة ولحظات التجمّع وأنماط العيش التي شكّلت هوية المكان. كل دار تُغلق هي فصل يُمحى من تاريخ بصري كان يربط الناس ببعضهم البعض، ويمنح المدينة معنى يتجاوز الإسمنت والواجهات. وهكذا يتحوّل هدم السينما إلى فعل محو للتراث، وإلى علامة أخرى على تراجع المجال العام في المدن العربية.

ولا يقتصر إقفال دور السينما التاريخية على مدينة دون أخرى، بل بات ظاهرة عربية عابرة للحدود تُصيب الذاكرة الحضرية في الصميم. ففي دمشق، شكّل إغلاق سينما «الكندي» أحد أكثر القرارات إثارة للجدل بعد أن فسخت مديرية الأوقاف عقد الإيجار وطالبت بإخلاء المبنى، فيما سبقتها صالات أخرى إلى المصير نفسه: سينما دمشق في ساحة المرجة التي أُغلقت منذ سنوات طويلة، سينما «الأهرام» التي تحوّلت إلى نشاط تجاري، سينما «السفراء» التي خمدت تدريجياً مع تراجع الحركة السينمائية، وسينما «الزهراء» و«الحمراء» اللتان اختفتا من المشهد منذ التسعينيات وما بعدها.

وفي القاهرة، لم يكن المشهد أقل قسوة. فقد هُدمت سينما فاتن حمامة (ميراندا سابقاً)، إحدى أشهر صالات المنيل، عام 2022 بعد حصول المالك على ترخيص رسمي لتحويل المبنى إلى برج سكني، في خطوة تختصر كيف يُستبدل الإرث الثقافي بالعمران التجاري بلا تردّد.

أما في تونس، فالصورة أكثر قتامة: 13 قاعة فقط تعمل في تونس الكبرى، و17 ولاية بلا أي صالة سينمائية. وفي العراق، تتكرّر المأساة منذ أكثر من عشرين عاماً. شوارع بغداد، ولا سيما السعدون والرشيد، كانت تضم أكثر من ثماني صالات بارزة قبل أن تختفي واحدة تلو الأخرى. هذه الأمثلة ليست مجرد لائحة إغلاقات، بل خريطة لفقدان جماعيّ يطال الذاكرة العربية.

فيلما «سيلّما» (2025) و«حبيبي حسين» (2025) يقفان كحارسين متواضعين لذاكرة الصالات العربية. في «سيلّما»، يظهر هادي ذكّاك كمؤرّخ وراوي قصص، وأيضاً كعاشق سينمائي انتقائي يفتّش في الخراب عن أثر باق للضوء. يعود في فيلمه الوثائقي إلى صالات طرابلس المهجورة («أمبير»، «روكسي»، «أوبرا»، «ريفولي»، «بالاس»، و«كولورادو») ليعيد تركيب تاريخ بصريّ كاد أن يُمحى. عبر ألف صورة وأربعين شهادة صوتية، ينسج ذكّاك أرشيفاً لمدينة فقدت شاشاتها، فنجد أنفسنا نراقب الماضي كما لو كنّا نجهل ما سيأتي، نخشى المستقبل ونرجو، رغم كل شيء، أن تتغيّر مجرياته.

وفي «حبيبي حسين»، يذهب المخرج الفلسطيني أليكس بكري إلى جنين عبر بوابة صالة سينما وحيدة أُعيد فتحها عام 2011، قبل أن تُهدم بعد خمس سنوات فقط ليُقام مكانها مركز تجاري بلا ذاكرة. وسط هذا التحوّل القاسي، ينهض حسين محمد حسين دربي، فنّي ومشغّل جهاز العرض الذي أمضى أكثر من أربعين عاماً خلف الضوء، كشخصية تُجسّد ما تبقّى من علاقة المدينة بالسينما.

إنّ ارتياد دور السينما ليس حقاً من حقوق الإنسان، هذا صحيح. لكن في عالم أستطيع فيه أن أقصّ شعري في سبعة صالونات مختلفة… سبعة! بين منزلي والطريق الرئيسي، بينما لا أجد صالة سينما واحدة أستطيع أن أرتادها من دون أن أقطع مسيرة حجّ إلى أحد المولات العملاقة. كأنّ مشاهدة فيلم أصبحت جزءاً من طقوس الاستهلاك. صحيح أنّ هناك محاولات مشرّفة، «متروبوليس» في بيروت، و«زاوية» في القاهرة وبعض الجيوب الثقافية في مدن أخرى، لكنها تبقى جزراً صغيرة في بحر من الشاشات التجارية. كيف يمكن لجيل جديد من الأطفال العرب أن يحلم بأن يرى وجوهه، بحجم هائل، على شاشات العالم، إذا كانت تلك الشاشات نفسها تُمحى من مدنهم قبل أن يتعلّموا حتى كيف يرفعون أعينهم نحوها؟

ذات صلة

محو الأمية وسؤال العزوف عن القراءة .. أمّة تلتقط الصور مع الكتب

suwaih

فلسفة الجودة في التعليم الطبي والخدمات الصحية

suwaih

المتاحف التاريخية في تهامة والسراة وأهميتها في خدمة التاريخ المحلي

suwaih

إلياس خوري.. يمزج بين التاريخ والبعد الإنساني

suwaih

التحول الرقمي والتحديات القانونية:مستقبل الأمن والخصوصية في عصر التكنولوجيا المالية

suwaih

ظل الفراشات على أوراقي

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية