أفانين
هكذا أراك
النقد

“هكذا أراك” و”مقام الحجر”: رحلة الشاعرة فتحية الجديدي في عوالم المرايا والأسئلة

بين عجين الصحافة وقصيدة الأنثى.. قراءة في التجربة الشعرية لفتحية الجديدي

تُطل علينا الصحفية والشاعرة الليبية فتحية الجديدي من خلال ديوانها “هكذا أراك”، محملة بأسئلة وجودية استقتها من مسيرة صحفية بدأت عام 1997، ومن تأملات عميقة في متناقضات الحياة بين السعادة والألم، والفضيلة والخداع. في هذا النص، نستعرض ملامح تجربتها التي تمزج بين لغة الخبر وصقل الموهبة، وبين التمرد الشعري الذي ينزع أسمال البراءة ليعلن عن صوت أنثوي متفرد يرفض القوالب الجاهزة ويحتفي بقدسية الذات والوطن.

قصائد منفتحة على تخوم لا تنتهي من عوالم المرايا العاكسة لحضور إشارتها من الألم والسعادة والحب والكره والخداع والفضيلة، ومسار طويل متوشح بالمعقول ونقيضه، كل هذه المتناقضات تعكس الذات المتفجرة بالأسئلة الحبلى بالوجع والأحلام، وفي ديوانها «هكذا أراك» قررت الصحفية والشاعرة الليبية فتحية الجديدي الإعلان عن تلك الأسئلة المحتجبة في ذاكرة حروف ممهورة بعجين لغة الصحافة التي عركتها منذ العام 1997، وكذلك بقاموس تأملاتها في الحياة والناس وذخائر من قراءات متعددة.

رافدان يدفعان تجربتها للاستمرار والتراكم؛ الصحافة حيث تصقل الموهبة، وتتحرر من شباك التابوهات التي لطالما ظلت الأنثى مرهونة دائما بسطوتها، وتتقوى باللغة المبثوثة في تفاصيل المقارنات والاقتراب أكثر فأكثر من تجارب الآخرين ومحاولة استيعابها داخل مفردات القصيدة وتشخيصها ثانيا ضمن إيقاعها الأنثوي الذي ينتصر لبصمتها الخاصة دون محاولة للفصل أو التحيز تحت مظلة التجنيس، لكنها تحقق من ذلك غايتها في إطار عام يرسم مجالها التعبيري المجسد لصوتها وأفكارها ووجهة نظرها.

تتجه قصائد ديوانها البكر إلى وضع احتمالات للرؤيا واضعة بذلك خطا فاصلا بين النسبية والقطعية رديفة الإقصاء والتهميش، «هكذا أراك» نسخة اعتراف للآخر المتواري في ذاكرة الزمن المتعدد أيضا في صوره بين الحقيقة والوهم كدخان تعويذة ظلت معلقة في سماء الاحتمالات كما في نص استنطاق: (مسكينتان/ هما/ مهجتي/ولهفتي/ أخريان/ محلهما/ دخانٌ وكُتمانْ).

تلك الرؤيا ليست مطواعة أحيانا فهي تمارس لعبة السهل الممتنع تخاتل وتراوغ متمنعة في محراب الإبهام، لذلك تستدعي الشاعرة شيئا من أثر التمرد طلبا لجنون يفك شيفرة المتاهة فهو ضريبتها الأثيرة التي تقودها حتما إلى حيث يلوح طيف الخلاص لذلك تقول: (لولا الجنون… ما كنا أحياء).

تقوم لغة الديوان على دفق عاطفي مشحوذ بالمساءلة نازعة أسمال البراءة طلبا لمساندة تتعزز بالمصارحة لا المداراة، هنا تتم إزاحة الارتباك أو تهشيمه كقالب طين حجب قداسة الأمنيات: (عند عودتك/ لا تكرر أعذارك/ ستكذب/ تفضحك عينّاي/ فلن يلغيا إقامتك بهما/ و سيشي بك العطر/ وشيء مني فيك).

هذه المساءلة لا تنتهي إلا لتبدأ مع مغادرة قصيدة وبداية أخري، تخمد عند تخوم الانتظار وتنبعث كطائر الفينيق مجللة بالوجاهة تلتحف الصخب والاستنكار، تنفعل في وجه الزمن ومريدي مداهنة الوقت والمقامرين في حانة الحظ، حظ لا يتصل بسؤال التحرر الذاتي بل يكرر انغماسه في وحل القوالب الجاهزة، لكن هل يصدق أن يكون للطهارة النفسية فضاء مقامرة؟ وما معنى إذا كل تجليات العزلة والتبصر والقراءة والكتابة والتوجس من الثوابت والحفر في جدور المسلمات؟ كل هذه المسالك كان لا بد من وجودها لتحدث الخلخلة في الذات الشاعرة وتصبح في داخل النص سؤالا في مواجهة سؤال المعرفة، وفي مواجهة ثقافة الحظ، والفعل في مواجهة الانتظار.

داخل قاموس مقام الحجر
تحاول الشاعرة الجديدي في ديوانها «مقام الحجر» التواصل مع أسئلتها الوجودية والروحية المبثوثة في ديوانها السابق، وهنا سعت إلى توسيع دائرة التساؤل من حيز الذات إلي جغرافيا المكان كما في نص (المدينة) والذهاب لتلك المساحات يستلزم (تذكرة عبور) ترسم من خلاله لحظتها الفيزيائية وهي في حالة عبور من حالة الطيف إلى فضاء المادة لكن قبل ذلك وجب التنبيه أن هذه الانتقالة تحتفي بقدسية التلاقي مع الآخر، ذلك الذي يمنح للذات حضورها ولا يمارس عقدة الوصاية، يقول نص العبور:(التحق بحديقتك .. أقف علي مطارحك.. ) ثم في نص المدينة: الممرات تصرخ .. بمسيرنا على حوافها .. وسلالم نصعدها)، غير أن هذا الدفق المعبد بكيمياء الوجد لم تكتمل معه سيمفونية الاحتفاء فالأماكن لم تعد كما سيرتها الأولى وبالتالي يبقى هذا النقص جرحا في جسد المدينة وغيابا يلحق بقاموس مقام الحجر حيث يقول النص: ثعابين .. اخترقت جسد المدينة .. لست حزينة ..بل مسخ .. طال العابرين .. اكتفيت ببعض منك .. كأنك مسحورة).

تجدف الروح الشعرية من جديد متنقلة بين زمن ومكان ولقاء، تنتقي الاختيارات وتبحث عن سانحة للتقييم وهو تتويج لرحلة لم تبدأ من (مقام الحجر) ولا من رذاذ حبر «هكذا أراك»؛ بل من سجلات حضور تفاعلي سابق خبر مسالك الذات وسردياتها وعرف مداخل ومخارج النقاوة الإنسانية وكيف يجب أن تكون متطهرة من قذارات الشهوة والابتذال مخلصة لذلك الألق الذي أوصل كيانهما إلى هذه المنازل يقول النص في قصيدة: (صديقي غير المشوه .. والفلاء يسكنه.. لايشبه الجميع .. ولا يمت للبشاعة .. تفرد أراه.. يشع داخلي .. وصوت خافت يطمئنني .. بأنك معي).

ومع ذلك لا تدع الشاعرة تلك الحفاوة تنسيها أو تلهيها عن ممارسة النقد الذاتي والحديث بضمير الجمع عن مأساة الجميع عن مجتمع يعيش حالة الوجع والغلبة والتشوه، وهو نموذج مستقطع من وجع إقليمي وكوني بطله الظلم وضحيته الإنسان يقول النص في قصيدة (أناشيد الظلام : أستيقظ علي الوجع .. بالزمن غير الممكن .. في بلادي عاهات .. ونكران .. أحمل أوزار الآخرين ..من تفاهات المسوخ .. كنت شاهدة على عصر الغلبة .. وجنون القسوة ).

هذه القسوة وذاك الجنون يقابله جنون الشعر المتسربل عبر الحلم والخيال ولذة الكتابة، تأكيد تقدمه قصيدة (سيدة الحلم) تحتفي بالروح وتضع فيزياء الجسد الذكوري في مكانها الصحيح، كما تنحت مفرداتها بحس أنثوي يمارس في كل مرة رسم جدارية الحب خارج طقوس العتمة تقول في النص: (امرأة .. لا تخسر معها .. رجولة مؤلهة .. لا سيد في الحب ..).

ذات صلة

متاهة العميان: تفكيك الظلال وصراعات السلطة في عالم برهان شاوي.

suwaih

تحليل قصيدة ابن الرومي المعاصرة بشكل مفصّل

suwaih

شعرية الرؤيا بين الرمزية الصوفية والرومانسية الكونية

suwaih

تداعيات في محراب القراءة: «إبادة الكتب» نموذجاً

suwaih

“موسم الهجرة إلى الشمال”: سؤال الهوية بين الشمال والجنوب

suwaih

قراءة في رواية عبدالرحمن منيف “الآن هنا”

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية