أفانين
علياء الداية: جمالية الإصبع السادس في إبداع قاصات سوريات
الأدب

علياء الداية: جمالية الإصبع السادس في إبداع قاصات سوريات 

ثلاث قاصات سوريات تجتمع قصصهن على تضمن ظاهرة نادرة، وهي الإصبع السادس في الكف، فقد حضرت هذه الظاهرة متجسدة في شخصية من شخصيات كل قصة. وسواء أكانت هذه الشخصية رئيسية أم ثانوية، فإنها تؤدي دوراً مهماً في استجابة الشخصيات لواقعها، وفي مساءلة الظروف واستعراض أحداث ماضية، واستشراف أحداث مستقبلية. وهذه القصص هي كل من: “الإصبع السادسة” لغادة السمّان، و”امرأة ورجل” لاعتدال رافع، و”حجَر” لغفران طحّان. ومن اللافت أيضاً العقود الزمنية المديدة بين كل قصة وقصة، فالأولى في عام 1963، والثانية عام 1985، والثالثة في 2019. 

دلالات اسم البطل وعنوان القصة:

تعتمد القصص الثلاث مفارقة الجمال والقبح، ففي بداية القصة لمحة من الجمال، في الدهشة أو حب المعرفة، أو الإقبال على الحياة، وفي ختامها يكون قبح المعاناة والتغيير سيد الموقف، ما عدا قصة “امرأة ورجل” إذ يتوسع الجمال ليستقر في حال من الألفة.

 في قصة “حجَر” لغفران طحان، الفتاةُ التي لها إصبع سادس في كف يدها هي شخصية ثانوية، لم يصرّح السرد باسمها، ويكاد دورها ينحصر في إثارة دهشة “زينب” بطلة القصة، ولكن هذه الدهشة سرعان ما تنقلب إلى أسى يغلف جو القصة ويؤثر في المتلقي بفعل الظروف المأساوية التي تعيشها مدينة الساردة. أما “امرأة ورجل” لاعتدال رافع، فإن صاحب الإصبع السادس رجل، تصادفه امرأة في القطار، وكذلك فإن القصة لا تصرّح باسمه الحقيقي، بل إن المرأة التي ألفت وجوده إلى جانبها أطلقت عليه اسم “أبو شفيق”، ولعلّ هذا يحيل إلى إحساس الشفقة الممزوج بالحنان والعطف، الذي يصبح متبادلاً بين المسافرين. أما “الإصبع السادسة” لغادة السمّان فهي أكثر وضوحاً، وإن كانت تصرّح على عجل باسم البطل الشاب صاحب هذه الإصبع، واسمه “خالد”، كما أنها تصرّح باسم البطلة “سها”، وسرعان ما تظهر المفارقة في اسم البطل، إذ إن إصبعه السادسة لم يكتب لها الخلود كاسمه، لأنه بادر إلى التخلص منها، طلباً للقبول في المجتمع، والانخراط فيما يظن بأنه أفضل له، فقد كان يتوارى خجلاً من إصبعه الغريب، في الجامعة، وفي كواليس التدريب على العزف الذي برع فيه، وامتزج بهذا خجله من فقره، وانعكس كل ذلك على شكل سوء الفهم بينه وبين حبيبته “سها”. وبالنظر إلى اسمها “سها” فقد انطبقت صفات الاسم عليها، على خلاف “خالد”، فالسها نجم يراه ذوو البصر القوي، ويقبع شبه متوارٍ إلى جانب نجم ساطع، وكذلك كانت سها بطلة القصة، شابة عفوية لم يستطع خالد أن يرى ويتفهم عفوية سلوكها حين أهدته زرّين ماسيين، فاعتبرهما إهانة لفقره. وواصلت سها لاحقاً ما يوازي معنى اسمها لأنها اتخذت قرار السفر مرتين حتى لا يراها خالد ولتبتعد عن كل شيء.

ولعل القصة بالغت في الوضوح حين اتخذت من موضوعها عنواناً “الإصبع السادسة”، أما القصتان السابقتان فإحداهما لها عنوان يوحي بخصوصية الحدث ومحدودية الشخصيات “امرأة ورجل”، في حين اتجهت القصة الأخرى إلى مزيد من التجريد في عنوانها “حجَر”، ولعل هذا التجريد من سمات زمننا المعاصر وعلى مسافة من الوضوح والمباشرة.

تفاعلية الأحداث جمالاً وقبحاً:

الأحداث في “الإصبع السادسة” لغادة السمان حافلة بالتفاعل بين كل الشخصيات، خالد وسها ووالدها ومدعوي الحفل حتى في انصرافهم إلى الحديث والتجوال في الردهة، ويزداد التفاعل مع استرجاع سها الأحداث الماضية، في مواجهة ثقل الحاضر وإبهام المستقبل. تلك الأحداث تتراوح بين البدايات الجميلة في إعجاب سها بأصابع خالد، واستغراقها في حديثها الداخلي المندهش من تغير خالد، وأخيراً اكتشافها سبب غضبه وسلوكه القبيح بطرده إياها في الماضي. ولعلّ القصة بذلك تدفع المتلقي إلى ربط خيوط الأحداث وتفسير المشاعر حتى يحاكم ما حصل، ويفهم سبب التعاسة والخيبة اللتين تسودان المكان. أما قصة “امرأة ورجل” لاعتدال رافع، فهي تبدو بسيطة ومباشرة وانسيابية في أحداثها حيث جمال البساطة والعفوية: مسافران على متن قطار، جمع بينهما منديل مشبع برائحة النباتات والأعشاب البرية، والرغبة في انضمام أحدهما إلى الآخر لإكمال طريق الحياة، فهي تحمل شيئاً من التفاؤل انطلاقاً من حالة الجمال والافتتان بالألفة، وقد انفردت هذه القصة بتقديم تفصيلٍ حول هذه الإصبع: “عنده في كل يد سبابتان”[1]. وفي قصة “حجر” تحاول شخصية الطفلة “زينب” أن تمضي نحو هدف محدد يحقق لها جمال الإنجاز الطفولي، هو الحصول على حجر مربع الشكل كي تلعب به “الحجلة”، ولكن هذا الهدف بعيد المنال، على بعد جدار آيل إلى السقوط لأقل اهتزاز، وقد يكون من أسباب الاهتزاز أن يتعرض في أي لحظة للواقع القبيح المتمثل في رصاصة  القناص المجاور، وفيما يتعلق بظاهر الإصبع السادسة فإن زينب تتفاعل دهشة من الإصبع السادسة في يد زميلتها في الصف، ثم تنقلب الدهشة إلى أسى عندما ترى هذه اليد ملقاة قريباً من الجدار؛ فالتفاعل هنا أقرب إلى الصدمة في الحالتين.

الحبكة والمصادفات:

تتركز حبكة قصة “حجر” لغفران طحان في رغبة الطفلة “زينب” في الحصول على الحجر المثالي للعبة الحجلة، ولكن تتقاطع هذه الرغبة مع خطوط أخرى مؤلمة تذكّر بواقع المدينة في قبح ظروف الحرب، منها اختفاء الطفلة ذات الأصابع الست، ومصادفة اكتشافها قرب الجدار الذي وجدت زينب عنده الحجر المربع المطلوب، ومواجهة مصيرها هناك: “خلف الجدار كان ثمّة حجر مربع الشكل، ولكنه يقف في مكان يستند إليه الجدار فإن مدّت يدها لتأخذه سينهار الجدار عليها، وإن تركته ستضطر للبحث أبعد من مكان إصبع رفيقتها السادس!”[2] أما قصة “امرأة ورجل” لاعتدال رافع، فيكاد الحدث الرئيسي يقتصر على السفر بالقطار، لتبرز إلى السطح أكثر المشاعر الجميلة والتعاطف المتبادل بين المرأة والرجل، واعتبار هذا السفر مصادفة جمعتهما معاً. وتنفرد قصة “الإصبع السادسة” لغادة السمّان في كونها ذات حبكة درامية ممتدة وجدانياً في الشخصيتين، وكذلك تأثيرها في والد سها الذي يندهش من رغبتها في السفر مرتين، وعلى قدر عمق الحبكة كانت مفاجأة المصادفات، فالمفاجأة الأولى كانت على شكل صدمة حين قابل خالد هدية سها بالرفض والطرد وثورة غضب من دون تفسير لاحق “ثم انفجرتَ فجأة وأنت تنتحب وألقيتَ بهديتي الماسية إلى أرض كوخك المتسخة.. ثم طردتني من حياتك بوحشية”[3]، والمفاجأة الثانية كانت صدمة سها بعد عودتها من سفرها بتخلص حبيبها خالد من إصبعه السادسة، وقد صارت ألحانه التي يعزفها على البيانو بالنسبة إليها أقرب إلى القبح لأنها خالية من الأصالة: “إننا نحن لم نعد نحن.. هزمنا.. هزمتنا المدينة يا خالد..  جعلتنا نتخلى عن أصالتنا. عن قدرتنا على أن نحب.. على أن نكون شيئاً متميزاً.. إصبعاً سادسة”[4]، وفقد خالد ذلك الإيحاء بالتمرد والتفرد اللذين لازماه مع إصبعه.

صورة المجتمع وأثر الزمن:

يختلف أثر الزمن في الشخصيات بين بداية القصة ونهايتها، ففي قصة “حجَر” لغفران طحان تتقاذف المشاعر الطفلة “زينب” من الحذر والشك والتساؤلات في أول القصة، وصولاً إلى الهدوء والرضا في نهايتها وقد حصلت على الحجر المطلوب، ولكنه رضا مشوب بحسرة على مصير زميلتها ذات الأصابع الست: “التلفاز الذي نقل صور الأشلاء المبعثرة، ومن بينها صورة فتاة كانت معهم في المدرسة، كان لها ست أصابع في يد واحدة، وكانت تتباهى بإصبعها الزائد”[5]. أما المجتمع فيكاد يكون هلامياً محيطاً بالطفلة لأن ما يحصل يغلّف الواقع ولا يتدخل مباشرة في حصولها على ما تريد، فأساتذة المدرسة وطلابها ووالدها وزميلتها والقناص هم شخصيات محيطة تشكل الصورة العامة فحسب. أما قصة “امرأة ورجل” لاعتدال رافع، فلا يكاد أثر المجتمع يظهر فيها، لأن البطلين هما المحور، ويمثّل القطار لهما نقطة عبور من الماضي إلى المستقبل من خلال حالة جميلة من الحب والألفة والتعاطف، ولكن يتعمق دور الزمن في إشارة سرد القصة إلى استعارة المرأة شخصية الناسكة القديمة، وشخصية زوربا، “قالت المرأة لقلبها: ربما كان زوربا حصانك البري الذي أصابه خسوف في عينيه من كثرة ما حدّق في الخوف.. وعدّ النجوم”[6].

وتكاد صورة المجتمع تكون خفيّة في قصة غادة السمّان “الإصبع السادسة” أو نمطية إلى حد كبير، فقد تم تجميد المجتمع واختصاره في جموع المدعوين لحفل الترحيب بـ”سها” بعد عودتها من دراسة الماجستير في لندن، وتختلف هنا شخصية “خالد” فقد كانت سها تراه في الماضي نجماً ومبدعاً جميلاً متميزاً يليق به مستقبل باهر، ولكنه الآن في حاضر الحفل مجرد شخص من بين الجموع، حتى وإن كان نجماً يعزف ويستمع إليه الجميع، لأنه خسر تفرده في نظرها حين فقد ما يميزه، ولعلّ الصورة هنا نفسيةٌ وفكريةٌ في المقام الأول لدى “سها”، فالأمر لا يتعلق بإصبع زائد أو بمظهر خارجي، بل قد جاء دورها لتغضب لأن خالداً انصاع لمعايير المظاهر الشكلية، وبرأيها فإن الشكل ليس عائقاً أمام الإبداع، والمشكلة الحقيقية التي يُبرزها السرد هي ظهور مشكلات الحاضر والمستقبل بسبب انعدام الحوار بين الطرفين في الماضي: “لقد سقطت أقنعتنا ولم يعد بإمكاننا إلا أن نقف في الشمس كعيدان القصب.. عاريين إلا من حقيقتنا.. لقد سقطت أقنعتنا وأطل القصر من عيني قذراً بتكبره ولامبالاته، وأطل الكوخ من عينيك متزلفاً هجيناً”[7].

*

شخصية الأبطال اختلفت بين القصص الثلاث، فقد يكون صاحب الإصبع السادسة رجلاً أو امرأة، منطلقاً مندفعاً أو انهزامياً، منهم من بقي على قيد الحياة، ومنهم من رحل، أو تلاشت معاني شخصيته. وتميزت القصص بحالة الحركة والتنقل، من المسافات القصيرة في المدينة أو الحي نفسه في قصة “حجَر” لغفران طحان، إلى عربة القطار في “امرأة ورجل” لاعتدال رافع، وسفر “سها” إلى لندن وعودتها بعد سنوات في قصة “الإصبع السادسة” لغادة السمّان. واختلفت المشاعر كذلك بين الشخصيات، ما بين الحالة الجميلة المتمثلة في الرضا والإعجاب والدهشة والقبول وحالة الفقدان وقبح الخسارات في الرفض والتحسر والألم، فكانت أسئلة الوجود ومحاولات الاستمرار في الحياة على مختلف مستوياتها.

*

المصادر:

* غادة السمّان، لا بحر في بيروت (قصص)، منشورات غادة السمّان، بيروت، ط 9، 1993، (صدرت الطبعة الأولى عام1963)، قصة “الإصبع السادسة”.

* غفران طحّان، أزرق رمادي، سلسلة الإبداع الأدبي -الإصدار الثاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2019 ، قصة “حجَر”.

* اعتدال رافع، الأعمال الكاملة (القصص)، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2017، قصة “امرأة ورجل” (تاريخ كتابة القصة 1985)


[1]   ـ اعتدال رافع، الأعمال الكاملة (القصص)، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2017، قصة “امرأة ورجل” (تاريخ كتابة القصة 1985)، ص112

[2]   ـ غفران طحّان، أزرق رمادي، سلسلة الإبداع الأدبي -الإصدار الثاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2019 ، قصة “حجَر”، ص43

[3]   ـ غادة السمّان، لا بحر في بيروت (قصص)، منشورات غادة السمّان، بيروت، ط 9، 1993، (صدرت الطبعة الأولى عام1963)، قصة “الإصبع السادسة”، ص99

[4]   ـ المصدر السابق، ص104

[5]   ـ غفران طحّان، أزرق رمادي، ص42

[6]   ـ اعتدال رافع، الأعمال الكاملة (القصص)، ص111

[7]   ـ غادة السمّان، لا بحر في بيروت (قصص)، ص104

مجلة أوراق/ 25

ذات صلة

​ملوك الأرقام: تحليل الروايات العالمية الأكثر مبيعاً وكيف حولت الطباعة إلى صناعة ثقافية

suwaih

جائزة عالمية جديدة لأدب الصغار “بوكر للأطفال”..

suwaih

نجيب محفوظ: عندما تحوّلت الحارة إلى كونٍ إنساني ونال الأدب العربي اعتراف العالم

suwaih

القطار الذي قد يصل

suwaih

حصاد الكلمة 2025: جولة في أروقة الفكر والأدب العالمي والعربي

suwaih

“مياه الربيع”.. رواية تورغينيف عن الشباب وخيبة الأمل

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية